بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد؛ فإنا معشر غزو الموحدين لما مَنّ الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام سنة ١٢١٨هـ بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود- حماه الله- الأمان وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله أو الإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا شعارنا التلبية آمنين، محلقين رءوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين. وحين دخل الجند الحرم وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجرًا، ولم ينفروا صيدًا، ولم يريقوا دمًا، إلا دم الهدي أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.
ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير عافاه الله على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم
[ ٨٠ ]
عليه وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، وعرّفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين: أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا ذلك الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة.
[ ٨١ ]