في مستهلّ المحرم منها، تزايد الطّاعون بدمشق/ومات منه خلايق لا تعدّ ولا تحصى، واستمر إلى ثالث شهر منها، ولو ذكرت من مات فيه على التفصيل، لطال الكتاب، والقصد في هذا المختصر، ذكر موت العلماء، والأعيان. أسأل الله الوفاة على الإسلام. لكنّ الذي تحرر أنّه وصل في كلّ يوم بالشّام وضواحيها انتهايه إلى سبع آلاف. وردّ تناقص. وأنّه وصل في مصر إلى () (^٢) حتى ضجّ السّلطان من ذلك، وأراد الخروج من القاهرة على ما ذكر، ثم تناقص. نسأل الله الوفاة على التوحيد بمنه وكرمه. وقد غلقت غالب البيوت وخلت، والأمر لله.
وفي رابع عشرين صفر منها، توفي الشّيخ العلاّمة، أقضى القضاة، شمس الدين:
• أبو عبد الله (^٣) محمد بن سعد العجلونيّ، الشافعيّ. أحد نوّاب الحكم بدمشق. ودفن بمقبرة الباب الصّغير، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأحد، ثالث شهر ربيع الأوّل، توفي الشّيخ المسلك، المربي، الصّالح:
_________________
(١) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٤/ ١٤٤/٢. «ينسب لبني أسد وهو دمشقي شافعي. كان أحد شهود دمشق».
(٢) كلمة غامضة جدا مطموسة.
(٣) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٧/ ٢٤٩/٤.
[ ١ / ١١٨ ]
• قاسم الجيشي شيخ زاوية ابن داود (^١)، بصالحية دمشق بمنزله بالسهم، منها. وصلّي عليه من الغد بالجامع المظفّري، دفن بسفح جبل قاسيون، رحمه الله تعالى.
وفي أواخر شهر ربيع الأوّل منه، توفي شيخنا، العلاّمة، المسند، القدوة، شمس الدين:
• أبو (^٢) عبد الله محمد بن عبد الرّزاق بن عبد القادر الأريحيّ، الشّافعيّ، الأشعريّ. حضرت مجلسه كثيرا، وكان القاري عليه شيخنا، العلاّمة، الحافظ، برهان الدين النّاجيّ، الشّافعيّ بالجامع الصحيح للبخاري ﵀، وأخبرني أنّه حضر القراءة، على المسند، برهان الدين إبراهيم بن محمد بن صديق، وكان هو كاتب طبقة (^٣) السّماع سنة ثمانمئة. وأخبرني عن المسندة، أم عبد الله عايشة بنت/الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، كلاهما عن مسند الآفاق على الإطلاق، أحمد بن الشّحنة، أبي طالب بن نعمة الحجّار الصّالحي.
وأخبرني عن الشّيخ زين الدين العراقي، والحافظ صهره نور الدين الهيثميّ، بجميع المجالس السّبعة المسمّاة بالمستخرج على المستدرك، التي كتبها عنه. وسمعها منه بالمدرسة (^٤) الفاضلية من القاهرة، سنة أربع وثمانمئة، وغير ذلك، ممّا يطول ذكره.
ومولده في رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمئة. وكتب لي إجازة حافلة في مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وثمانمئة رحمه الله تعالى.
وفي رابع ربيع الآخرة منها، توفي قاضي القضاة، شهاب الدين:
• أبو العبّاس (^٥) أحمد بن سعيد التّلمسانيّ المالكيّ. ولي قضاء دمشق، والإسكندريّة، وعمّر الدّار والحمام داخل باب الفرج (^٦)، وأوقفهما على المرستان
_________________
(١) الزاوية الداودية: النعيمي. الدارس ٢/ ١٥٨.
(٢) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٨/ ٥٤/٤. ولد سنة ٧٨٢ هـ بالأريحة من أعمال أذرعات.
(٣) طبقة السّماع: إحدى طباق العلم بدمشق. وهي تشبه الصفوف في أيامنا.
(٤) المدرسة الفاضلية: تقع بالقاهرة بدرب ملوخيا بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني سنة ٥٨٠ هـ وجعلها وقفا على الفقهاء الشافعية والمالكية، وشحنها بالكتب، وفيها مصحف عثماني. المقريزي، الخطط المقريزية ٢/ ٣٦٦.
(٥) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ١/ ٣٠٦/١.
(٦) باب الفرج: أحد أبواب دمشق القديمة من جهة الشمال. النعيمي. الدارس ١/ ٥٤،٢/ ٥١.
[ ١ / ١١٩ ]
النّوري (^١). وصلّي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الفراديس، بالجهة الشرقية، رحمه الله تعالى.
وفي جمادى الآخرة منها، توفي الشّيخ العلاّمة، قاضي القضاة، محيي الدين:
• عبد القادر (^٢) بن عبد الرحمن بن عبد الوارث المصريّ، المالكيّ. قاضي دمشق. وكان عالما، فاضلا، توفي بقاعة مدرسة الصّمصامية (^٣)، وصلّي عليه/ بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة الباب الصغير، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة سابع عشر رجب، توفي الشّيخ المسند الفاضل، شهاب الدين:
• أحمد (^٤) بن محمد بن أحمد العوريفي، الحنبلي. الشّاهد بصالحيّة دمشق، ودفن بالروضة، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثلاثا خامس شعبان، توفي إلى رحمة الله تعالى، الشّيخة المسندة:
• فاطمة (^٥) بنت خليل بن عليّ الحرستانيّ. ودفنت يوم الأربعاء بالروضة.
رحمها الله.
وفي يوم الاثنين ثاني شهر رمضان، توفي الشّيخ العلاّمة، قاضي القضاة، حسام الدين:
• محمد (^٦) بن عبد الرحمن بن العماد الغزي، الحنفي. ولي قضاء صفد، ثم طرابلس، ثم دمشق مرارا. وكان من أوعية العلم حسن الذات، كثير الفضايل والفوايد. سمعت عليه أشياء من مصنّفاته المنظومة بقراءة الشّيخ العالم، الفاضل،
_________________
(١) المرستان النوري: هو مارستان نور الدين زنكي بدمشق. إعلام الورى لابن طولون ص ٥٧ ومفاكهة الخلان ١/ ١٥.
(٢) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٤/ ٢٦٩/٢ - ٢٧٠ واسمه الكامل: «عبد القادر بن عبد الرحمن بن عبد الوارث بن محمد بن عبد الوارث بن عبد المنعم بن يحيى المحيوي، أبو البركات ابن النجم البكري المصري، ثم الدمشقي القاضي المالكي».
(٣) المدرسة الصّمصاميّة: إحدى مدارس المالكية بدمشق، بمحلة حجر الذهب شرقي دار القرآن الوجيهية انظر: الدارس للنعيمي ٢/ ٦.
(٤) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٢/ ٨٥/١ و٩١.
(٥) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ١٢/ ٩١/٦.
(٦) انظر: ابن إياس. بدائع الزهور ٣/ ٤٣. السخاوي. الضوء اللامع ٧/ ٢٨٩/٤ واسمه الكامل: «محمد بن عبد الرحمن بن الخضر بن محمد بن العماد، حسام الدين المصري الأصل، الغزي الدمشقي الحنفي من ذرية العماد الكاتب ولد سنة ٨١١ هـ بغزة». ويعرف بابن بريطع.
[ ١ / ١٢٠ ]
شهاب الدين أحمد بن اللبوديّ (^١) الشّافعي، وعرضت محفوظاتي عليه، وأجازني.
وصلّي عليه بالجامع المظفّري، ودفن بأعلى الروضة، بسفح جبل قاسيون، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة الخميس توفي شيخنا الإمام العلاّمة، الرّحلة المحقّق فقيه الشّام:
• بدر الدين (^٢) أبو الفضل/محمد بن شيخ الإسلام تقيّ الدّين أبي بكر ابن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوّهاب بن محمد بن ذويب بن مشرف ابن قاضي شهبة، الأسديّ، الشّافعيّ، بمنزله بالمدرسة التقوية (^٣)، داخل دمشق. وصلّي عليه من الغد بالجامع الأمويّ، وتقدّم في الصّلاة عليه حينئذ، شيخنا العلاّمة نجم الدّين ابن قاضي عجلون الشّافعيّ، ثم عند مسجد الذّبّان (^٤)، تقدم في الصّلاة عليه حينئذ، قاضي القضاة برهان الدين بن مفلح الحنبلي. ودفن بمقبرة الباب الصّغير عند أسلافه، رحمهم الله تعالى. ولم يخلف بدمشق في القضا مثله. كان من سروات النّاس، علما، وكرما، وأصالة، وعراقة، وديانة، ومهابة، ولطافة، وسؤددا.
وكان على المملكة الشّاميّة به جمال ولطايفة الفقهاء به فخر. وكانت جنازته حافلة جدا، حضرها نايب الغيبة بالشام، والقضاة، والحجاب والأمراء، وخلق من النّاس، وازدحم على نعشه الأكابر من القضاة، والحجاب والأمراء وغيرهم. وكثر الثّناء عليه، واتّفقت الألسن على مدحه، والتّأسّف عليه. وله مصنّفات (^٥) عظيمة: شرح مطول على «المنهاج» وشرح مختصر، (والمعلمات) وشرح (الأشنهية)، و(الفتاوى) التي وردت/من اليمن وغير ذلك. سمعت عليه قطعة من «شرح المنهاج» له، وعرضت محفوظاتي عليه، في رابع جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وثمانمئة،
_________________
(١) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ١/ ٢٩٣/١ - ٢٩٤ واسمه الكامل: «أحمد بن خليل بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر الشهاب الدمشقي الصالحي الشافعي، سبط الجمال يوسف بن محمد بن أحمد الحجيني، ابن اللبودي».
(٢) انظر: ابن إياس. بدائع الزهور ٣/ ٤٤. السخاوي. الضوء اللامع ٧/ ١٥٥/٤.
(٣) المدرسة التقوية بدمشق. ابن طولون، مفاكهة الخلان ١/ ٣٣١. النعيمي. الدارس ١/ ١٦٢.
(٤) مسجد الذبان: أحد مساجد دمشق في محلة الذبان وبقربه تربة الذبان أيضا غربي مقبرة الباب الصغير خارج باب الجابية، ابن طولون، مفاكهة الخلان ١/ ٦٧، و٢/ ٧٢، والدارس للنعيمي ٢/ ١٦٣،١٨١.
(٥) صنف ابن قاضي شهبة الكتب: الكواكب الدرية في السيرة النورية، تطريف المجالس بذكر الفوائد والنفائس، بداية المحتاج في شرح المنهاج، للنووي، المسائل المعلمات بالاعتراضات على المهمات، كفاية المحتاج إلى توجيه المنهاج، وكلها في فروع الفقه الشافعي، وتاريخ الملك الأشرف قايتباي وطبقات الفقهاء. حاجي خليفة. كشف الظنون ١٥٢١،١٥٢٢،١٥٦٩،١٨٧٥.
[ ١ / ١٢١ ]
وأجازني، وكتب لي إجازة حافلة، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة الخميس، خامس عشرين شوّال، توفي الشّيخ الإمام، العلاّمة، المحقّق وليّ الله:
• كمال الدين (^١) محمد بن محمد بن عليّ المصريّ الشّافعيّ، الشهير بإمام الكاملية. متوجها إلى الحجّ، وقد كان تجهّز له، فمرض قبل السّفر بأيام.
فأشاروا عليه بالتخلّف، فأبا أشدّ الإباء، وخرج إلى البركة (^٢)، والمرض يتزايد به، فسئل أيضا في الرّجوع، فاستمر على الإباء، وصدق العزيمة فتوفي. واشتد تأسّف النّاس عليه، من السّلطان فمن دونه. وله (^٣) مصنّفات، منها: «شرح الورقات»، كتبته، ومصنّف في «تكفير ابن عربي»، و«شرح على البردة» وغير ذلك، وكان عالما صالحا زاهدا، ورعا، منجمعا عن النّاس، كتب لي بالإجازة، رحمه الله تعالى.