وفي ليلة الأربعا المسفر صباحها عن سابع عشرينه، حصل بليّة عظيمة لم يقع نظيرها ولا في فتنة تمر لنك (^٥) [وهي] أنّه/حرق في هذه الليلة المذكورة، وقت عشاء الآخرة الجامع الأموي بدمشق من أوله إلى آخره، ولم يسلم منه سوى مشهد النايب
_________________
(١) دار الذهب: هي دار وسوق للنقود والعملة شمالي الجامع الأموي بدمشق وكانت تعرف بالدهشة بسبب المبالغة في زخرفتها.
(٢) سوق الفراديس: تقع شمال باب الفراديس. مفاكهة الخلان ١/ ٣٥،٢٣٥،٢٧٢. النعيمي. الدارس ١/ ١١٨، و٢/ ٢١٠.
(٣) علي الدقاق: هو علي بن محمد بن علي الدمشقي ويعرف بالدقاق، شيخ صوفي معتقد في الشام ولد في بداية القرن التاسع وعمّر طويلا. الضوء اللامع للسخاوي ٥/ ٣٣٠/٣.
(٤) الأمير يشبك: حاجب ثاني بدمشق. الضوء اللامع ١٠/ ٢٧٥/٥.
(٥) تمر لنك: ابن طرغاي الحفظاي الأعرج وهو اللنك بلغتهم الذي اجتاح بغداد وبلاد الشام ودمر الحضارة ونهب كل شيء وقتل المسلمين. الضوء اللامع للسخاوي ٣/ ٤٦/٢.
[ ١ / ١٤٧ ]
المعروف بسيدنا عثمان، ومشهد الشيخ خطاب المعروف بسيدنا عليّ بن الحسين ﵄، ومن الرواق الشمالي قطعة لا غير. وأحرقت المنارة الغربية، وسقط رأسها على رجل فمات، وأحرق سوق الأخفافييّن (^١) وسوق العنبرانييّن (^٢)، وسوق السيوريين (^٣)، وسوق الحريريين (^٤)، وسوق التّجار، والحباكيّن، الصفين المعروف بسوق الذّراع (^٥)، والصّاغة (^٦) الكبيرة العتيقة. وذهبت للنّاس في هذه اللّيلة أموال، ونهبت حواصل، ودكاكين وغير ذلك. وكانت ليلة منكرة فظيعة، تقشعرّ من ذكرها الجلود.
وكان سبب هذا الحريق على ما ذكر، أنّ شخصا أدمي يقال له: أبو بكر بن علوان البديوي، ساكن في علوات باب البريد، في طبقة على باب الجامع الأمويّ الصّغير، الملاصق لمرتفق باب البريد، أمر زوجته أن تعمل له دهن شمع، فسقط النار على قنّب، ولم يعلموا فاشتعل القنّب. فلما رأوا ذلك خافوا، فنقلوا حوايجهم، ولم يعلموا أحدا، فقويت النار، وانتقلت، إلى سوق الأدميين (^٧)، فاشتغلت/الناس بأخذ الحوايج من الحوانيت، وتركوا طفي النار، وبعضهم بالنهب، فقويت النار إلى أن أحرقت الأدميين، وانتقلت إلى العنبرانيّين فاحترقت، وخرجت النّار منها فدخلت من قمرية (^٨) مكسورة بالجامع الأمويّ لصيق باب المنارة الغربية من القبلة، فشعّلت النار في سقف الجامع من جهة الغرب والقبلة. ثم قويت إلى أن احترقت بقيّت السّقوف، ومحمد (^٩) بن العطّار معلّم السّلطان واقف على ما ذكر. وقالوا له: يا معلم، الجامع يحترق. فقال لهم: سقوفه عالية ما تحكمه النار ولم يقطع السّقوف.
ثم أمر الصّارمي إبراهيم (^١٠) بن منجك، عبد الوهاب المعمار بقطع سقف
_________________
(١) سوق الأخفافيين: أحد أسواق دمشق القديمة القريبة من الجامع الأموي وتباع فيه الأخفاف.
(٢) سوق العنبرانيين: أحد أسواق دمشق القديمة جنوب الجامع الأموي. تاريخ البصروي ص ٨٨.
(٣) سوق السيوريين: أحد أسواق دمشق القديمة جنوب الجامع الأموي. تاريخ البصروي ص ١٣٧.
(٤) سوق الحريريين: أحد أسواق دمشق القديمة جنوب الجامع الأموي. مفاكهة الخلان ١/ ١٥٦.
(٥) سوق الذراع: أحد أسواق دمشق انظر: الدارس للنعيمي ٢/ ٣٠٨. مفاكهة الخلان ٢/ ٦٢ وإعلام الورى ١٠٦.
(٦) سوق الصاغة الكبيرة (الدهيشة)، أحد أسواق دمشق القديمة انظر: الدارس للنعيمي ٢/ ٣٠٧. مفاكهة الخلان ١/ ٧٨.
(٧) سوق الأدمّيين: إعلام الورى ١٠٦.
(٨) قمرية: فتحة مدورة عالية قريبة من السقف في الجامع الأموي بدمشق.
(٩) محمد بن العطار: لم أجد له ترجمة.
(١٠) الصارمي إبراهيم بن منجك: السخاوي. الضوء اللامع ١١/ ٢٧٢/٦.
[ ١ / ١٤٨ ]
الجامع عند باب السّاعات، خوفا على بيته، فقطع خشبتين. فلأجل ذلك لم يحترق مشهد الشّيخ خطّاب ولا بقيّة الرّواق. وأما مشهد النايب فعدم احتراقه لأنّ سقوفه قصيرة، وفاصل بينها الجدران، فلم تحكم النّار عليها.
وكنت حاضرا لغالب هذه الأمور، أنقل البسط أنا ورفاقي إلى صحن الجامع، وأنخي (^١) الناس على حملهم من داخل الجامع إلى الصحن، وأمرت بفكّ المنبر لما قربت منه النّار. وحمل المصحف العثمانيّ، والرّبعات والصّريج الذي للوقف. وكنا قد عملنا حصرا/جددا رفاعا لم ير مثلها، ووضعت في شبّاك مشهد النّايب، فجاءت النّار من الشّباك فأحرقتها، ولم يحترق المشهد، ولله الحمد. وذكر أيضا أنه في فتنة تمرلنك لم يحترق.
وكان ملك الأمرا قانصوه اليحياويّ، قبل الحريق بشهرين قد رسم بعمارة الجامع ووقفه، وكان قد جدد الرّخام في الحايط القبلي من أوله، إلى أن وصلت النّصارى الموجهين في هذه اللّيلة، إلى ضريح سيّدي هود (^٢) ﵇ من الحايط القبليّ المذكور. وكان قد جدّد الطّراز القبليّ مذهب من أوله إلى آخره، فلما وقع الحريق ذهب الطراز واحترق الرخام وتساقط، وصار كالملح يذوب، وسقطت فصوصه، وقماريّة وذاب الرصاص الذي كان على الجمالين، وذهبت محاسن الجامع، وعلته الدّخاخين. وكان كلّما سقط منه جملون من النّار يسمع دويّه كالرّعد القاصف. وصار النّاس ينظر بعضهم بعضا في الليل من شدة ضو (^٣) النار. وكان عند النّاس عزاء عظيم وبكاء حتى الذمّة صارت تنظره وتبكي. وجاءت النّاس من القرى والبلدان، فشرعوا عند رؤيته يبكوا. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
واعلم أنّي اختصرت ما وقع كراهية الإملال والتطويل.
/وفي يوم الجمعة تاسع عشرينه، نصب للخطيب كرسيّ تحت قبة النسر (^٤) في صحن الجامع. وخطب عليه وبكا الناس بكاء عظيما وكانت ساعة عظيمة.
_________________
(١) أنخي: أستثير وأستنجد.
(٢) ضريح هود: قبر النبي هود. وزعموا أنه في الجدار القبلي للجامع الأموي. انظر تحفة الأنام في فضائل الشام للبصروي ص /٤٨ مخطوط.
(٣) انظر خبر حريق الجامع الأموي وما حوله من أسواق في: النعيمي. الدارس في تاريخ المدارس:/٢ ٣٠٧،٣٠٨.
(٤) قبة النسر: إحدى قباب الجامع الأموي بدمشق. ابن طولون، مفاكهة الخلان ١/ ٢٧٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي يوم الاثنين ثامن عشره، ولي قضاء قضاة الحنفيّة بالشّام، تاج الدين بن (^١) عرب شاه الحنفيّ، وعزل منها قاضي القضاة شرف الدين (^٢) ابن عيد وكان عفيفا ديّنا، عالما.
شعبان: وفي ليلة الأربعا، المسفر صباحها عن رابعه توفي قاضي القضاة:
برهان الدين (^٣) أبو إسحاق إبراهيم بن القاضي أكمل الدين محمد بن شرف الدين عبد الله بن شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسيّ الراميني الأصل الصّالحي الحنبلي. مولده سنة ستة عشر وثمانمئة. وله مصنفات منها شرح المقنع في أربع مجلدات، وطبقات الحنابلة، وكانت وفاته بمنزله من دار الحديث الأشرفية وحمل نعشه على الرؤوس، وكان له جنازة عظيمة، ودفن بصالحية دمشق.
وكان عالما ديّنا عفيفا. وكان تتمّة حزن النّاس موته وحريق الجامع الأموي، وعزل قاضي القضاة ابن عيد الحنفي، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي سابع عشرينه، جاء الشّيخ محب الدين الحصنيّ أعاد الله من بركته إلى الجامع الأمويّ، وأمر الناس بشيل التّراب المحروق من الجامع إلى الخراب، فاجتمع فيه خلق، وقضاة وعلما وصلحا، وغيرهم، لا يعلم عدّتهم إلاّ الله.
فشالوا تراب الرّواق الغربيّ في يوم، وشالوا تراب الثلاث جمالين الشرقيّة، وتراب مشهد المؤذّنين في يوم، وشالوا تراب الثلاث جمالين الغربيّة في يوم وكان في هذه الثلاث أيام، خلق لا تعدّ ولا تحصى، حتى النّساء، والصّبيان /والعبيد، كلّ منهم نقل على حسب حاله. ولم ير مثل هذا العمل وسرعته، فإنّه على خلاف القياس. وشاهدت قضاة، وعلما، وأشراف، يعبّوا التّراب على الدّواب، ويروحوا يكبّونه (^٤) في الخراب، وكان هذا التراب - والله أعلم - ما ينقل في سنة من كثرته، ولكن همّة العلما، والصالحين، ساعدت. وبقي في الجامع تهليل وتكبير وكانت ساعة عظيمة.
وفي يوم الأحد سلخه، ورد مرسوم السّلطان، بتقدير ما يحتاجه الجامع الأمويّ ووقفه. فحضر في الجامع المذكور نايب الشّام قانصوه اليحياويّ، والقاضي ناظر
_________________
(١) تاج الدين ابن عرب شاه الحنفي. انظر: السخاوي الضوء اللامع ٥/ ٩٧/٣.
(٢) شرف الدين ابن عيد: هو موسى بن أحمد بن عيد قاضي الحنفية. انظر: السخاوي. الضوء اللامع /٥ ١٠/ ١٧٩.
(٣) انظر: السخاوي: الضوء اللامع ١/ ١٥٢/١.
(٤) يكبّونه: يرمونه بعيدا.
[ ١ / ١٥٠ ]
الجيش السيد موفق الدين (^١)، وقاضي القضاة المالكيّ شهاب الدين (^٢) المرينيّ، ويشبك حاجب الحجّاب، ودوادار السّلطان وغيرهم وخلق لا تعد ومعهم المعلمين، وابن العطار معلّم السّلطان، وكان في زعم النّاس أن ابن العطّار هو الذي منع من أن يقطع على الجامع حتى لا تحترق داره، وبسببه حرق. فلما رآه الناس قد حضر مع النّايب، والنّاس مشغولون بشيل التراب. فكبّروا وعيّطوا، وقالوا: ما يحلّ دخول ابن العطّار الجامع وأرادوا قتله، فمنعتهم المماليك. فعند ذلك رجم العامّة النايب في الجامع، فقويت الحجارة والرّجم فاغتاظ النّايب، وأخذ طبر (^٣)، وأراد ضربهم به، وضربت/المماليك ضربا مؤلما فهربت العامة. ورأى النايب رجلا روميا في الجامع، حامل طنبوره (^٤)، فازداد حنقه وضربه هو والمماليك بخشب محرّق من خشب الجامع إلى أن عاين الموت، وكانت ساعة مهولة. فلمّا هربت العامّة قعد النّايب ومن معه وثمّنوا ما يحتاجه الجامع، ووقفه من الآلات وغيرها، التي يعاد بها على أحسن هيئة، فوجد ثمانية وخمسين ألف دينار وسبع ماية دينار. فأرسلوا يعلموا السّلطان بذلك حسب ما رسم.