ثلاثة مؤرخين في مصر والشام، سجلوا الأحداث في أواخر العهد المملوكي، وبداية العهد العثماني، وهم: ابن طولون في الشام، وابن إياس، وابن زنبل في مصر. هؤلاء أرّخوا لتلك الفترة الحاسمة من تاريخنا، وتجاهلوا مؤرخا رابعا عملاقا، لم يذكروه ولم يترجموا له، مع أنه قضى حياته يكتب تاريخ الشام ومصر، في أصالة ودقة، جعلته يقف موقف الندّ من المؤرخ الكبير المعاصر له، وهو ابن إياس (^١). ذلك المؤرخ كان ابن الحمصي الدمشقي. وقد دوّن ابن الحمصي لفترة الانتقال من العهد المملوكي، إلى العهد العثماني، بأمانة وموضوعية، وكان شاهد عيان لهذه الفترة الزمنية الدقيقة، فكتبها تاريخا مفصلا شاملا، تطرّق فيه لكل نواحي الحياة.
وابن الحمصي، مؤرخ عالم، ومحدّث فقيه، من دمشق الشام (^٢). وقد ترجم له صاحب شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي (^٣) فقال: «القاضي شهاب الدين أحمد ابن محمد بن عمر بن أبي بكر ابن أبي بكر بن عثمان الأنصاري الحمصي الدمشقي الشافعي، الإمام العلاّمة الخطيب، البليغ المؤرخ. يتصل نسبه بعبد الله بن زيد الأنصاري، ولد سنة إحدى أو ثلاث وخمسين وثمانمائة، واعتنى بالحديث، والعلم، وأخذ عن جماعة من الشاميين، والمصريين، وفوّض إليه القضاء، قاضي القضاة شهاب الدين ابن الفرفور، ثم سافر إلى مصر وفوّض إليه القضاء أيضا، قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وكان يخطب مكانه بقلعة الجبل، وكان الغوري يميل إلى خطبته، ويختار تقديمه لفصاحته، ونداوة صوته، ثم رجع إلى دمشق في شعبان سنة أربع عشرة وتسعمائة، وخطب بجامعها عن قاضي القضاة الشافعية، اللؤلؤي ابن الفرفور، وتوفي يوم الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة، ودفن بباب الفراديس» (^٤).
_________________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧١.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧١.
(٣) ابن العماد الحنبلي هو أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد الدمشقي الحنبلي وهو مؤرخ فقيه ولد سنة ١٠٣٢ هـ وتوفي سنة ١٠٨٩ هـ. نشأ وتعلم بدمشق، ورحل إلى القاهرة، ثم عاد إلى دمشق، واشتغل بالتدريس، والمحبي من تلاميذه، وأشهر مؤلفاته (شذرات الذهب) ترجم فيه للأعيان والعلماء والحكام وغيرهم بدءا من الهجرة النبوية الشريفة إلى سنة ١٠٠٠ هـ، وترجم ابن العماد لابن الحمصي في كتابه المذكور.
(٤) ابن العماد الحنبلي. شذرات الذهب ٨/ ٢٠١.
[ ١ / ٧ ]
وقد سجل ابن الحمصي، تاريخ ميلاده في مقدمة كتابه «حوادث الزمان»، فقال: «مولد الفقير جامع هذا التاريخ أحمد بن محمد بن عمر الأنصاري، المشهور بابن الحمصي الشافعي، كما أخبرني والدي رحمه الله تعالى وقت الثّلث ليلة الجمعة الثامن من رجب سنة ٨٤١ هـ - ١٤٣٧ م» (^١).
وقضى مؤرخنا حياته في التدريس والقضاء والتأليف والخطابة والإمامة وتحصيل العلم.
وتوفي ابن الحمصي يوم الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ٩٣٤ هـ/ ١٥٢٧ م. عن ثلاثة وتسعين عاما، وبذلك يكون قد عمّر طويلا، وكان هو قد ذكر معمّرين كثيرين مثله، من الشيوخ في كتابه (حوادث الزمان)، كالشيخ الذي ذكره عام ٩١٦ هـ - ١٥١٠ م، بمناسبة ظاهرة المطر الشديد الذي نزل بدمشق وقال عنه (^٢) «وعمره الآن مائة سنة وأربعة عشرة سنة، وأنه لم ينظر في مدة عمره نظير هذا الشتاء».
أما عن نشأة ابن الحمصي، فقد ورد في كتابه (حوادث الزمان)، أنه قضى معظم سنوات عمره في دمشق، وتعلم بها علوم عصره، على أيدي علمائها، ولا نعلم سبب إطلاق لقب الحمصي عليه، وربما كانت أسرته تسكن في حمص، وانتقلت إلى دمشق في وقت لاحق، ونسبة الأفراد إلى مدنهم، أو أقاليمهم كانت مألوفة، فالغزي المؤرخ نسب إلى مدينة غزة، حيث كانت أسرته تقيم فيها. وابن الحمصي من أسرة اشتهرت بالعلم والدين، فجدته لأمه كما قال عنها في كتابه «هي السيدة الزاهدة زينب بنت شيخ الإسلام، قاضي القضاة ولي الدين محمد بن الفرفور» (^٣)، وجده لوالده «هو شيخ الإسلام، الإمام ولي الدين قاضي دمشق الشافعي» (^٤).
على أي حال فإن ابن الحمصي نشأ في بيئة علمية، ودينية، تولى فيها كثير من أهله وأقاربه، مناصب مهمة كالقضاء، والتدريس، والإفتاء، والخطابة. ويبدو أن والده كان على قدر كبير من الثراء، لأنه ورث ممتلكات كثيرة عن جده لأبيه، ولا بد أن نصيب المؤرخ ابن الحمصي، كان وافرا من هذه التركة الكبيرة، وليس لدينا
_________________
(١) ابن الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط فينس الله بتركيا ج ١ المقدمة.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان. مخطوط مكتبة رفاعة بسوهاج ج ٣ أحداث عام ٩١٦ هـ ود. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٢.
(٣) أحمد بن محمد الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط ج ٣ ص /٥١ أ.
(٤) أحمد بن محمد الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط ج ٣ ص /١٧ أ.
[ ١ / ٨ ]
معلومات عن مناصب والده، أو ثقافته أو مكانته، ولكن مؤرخنا ابن الحمصي أشار إلى والده، في مواضع من كتابه باحترام كبير. وتزوج ابن الحمصي، وأنجب بنين وبنات، ذكرهم في سطور على هامش مؤلفه ومنهم: ابنه ولي الدين محمد، وكانت ولادته في العاشر من شعبان سنة ٨٨٢ هـ، وفي الرابع عشر من شهر شوال سنة ٨٨٨ هـ، ولد له ابنه أبو الفضل، كما ولد له ابن آخر، في العاشر من ربيع الثاني سنة ٩٤٢ هـ، هو زين العابدين، وفي سنة ٩٤٨ هـ، ولدت له البنت خديجة. وتوفي ابنه كمال الدين، في رجب سنة ٩٣٠ هـ (^١).
ولم يترجم ابن الحمصي لنفسه، في كتابه الذي بين أيدينا، ترجمة وافية، ولكن سياق الأحداث التي وردت في كتابه، توحي بمعلومات كثيرة عن حياة هذا المؤرخ العالم، تكمل ما أورده ابن العماد الحنبلي، والغزي، لتعطي صورة واضحة عن شخصية ابن الحمصي، ونشأته، وثقافته ومؤلفاته (^٢).