تذكر المصادر، أن المؤرخ ابن الحمصي، كان معاصرا لابن طولون الصالحي بالشام، وابن إياس في مصر، وبالرغم من ذلك، فإنهما لم يترجما له، ولم يذكراه في تواريخهما.
كما أن المؤرخين المتأخرين في الشام، أهملوه أيضا، ولم يشيروا إليه أو يذكروه، سوى ابن العماد الحنبلي (^٣)، الذي قدم له ترجمة غير شافية، وإن كانت تلقي ضوءا على بعض جوانب حياته، مثل ثقافته، ومناصبه التي شغلها، وشيوخه الذين درس عليهم، وتاريخ مولده، وتاريخ وفاته (^٤)، وخلط ابن العماد بين سنة مولد ابن الحمصي، وبين بداية تاريخه في سنة ٨٥١ هـ - ١٤٤٧ م.
كما أنه لم يذكر لنا شيئا عن الكتب التي صنّفها ابن الحمصي، ولا عن أسرته،
_________________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٤.
(٢) د. ليلى أحمد، دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٣.
(٣) ابن العماد الحنبلي: عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري، الدمشقي، الصالحي الحنبلي، المعروف بابن العماد (أبو الفلاح). كان فقيها، أديبا، ومؤرخا، ولد بدمشق ١٠٣٢ هـ، وعاش بالقاهرة ومات في مكة سنة ١٠٨٩ هـ، ومن آثاره: بغية أولي النهى، وهو في الفقه الحنبلي، وشرح البديعية لابن حجة الحموي، وأشهر كتبه، «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» في التراجم والتاريخ.
(٤) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٢.
[ ١ / ٩ ]
وكذلك كان موقف ابن الغزي (^١)، صاحب كتاب «الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة». فإنه أشار إلى ابن الحمصي كأحد الصوفية، وأنه مات سنة ٩٣١ هـ - ١٥٢٤ م، ومكان دفنه بمقبرة باب الصغير بدمشق، وأهمله كمؤرخ، ولم يشر إلى تراجمه، وأخباره، وكتبه.
وكانت ثقافة ابن الحمصي واسعة، استندت إلى علوم عصره الدينية، واللغوية والتاريخية، والأدبية، واشتغل بعلوم الحديث، واللغة، والفقه، وسمع من شيوخ دمشق، وانتظم في حلقات الدرس بالمسجد الأموي، ومدارس دمشق، وأخذ علمه من مشايخ الشام، وقد ذكر عددا كبيرا من شيوخه الذين أجازوه، والذين قرأ عليهم، وأشار إلى العلوم التي حصّلها، وقرأها على شيوخه، ومنهم الشيخ القاضي بدر الدين بن المغربي المتوفى سنة ٨٦٨ هـ، وقال عنه ابن الحمصي في كتابه (حوادث الزمان): «عرضت محفوظاتي عليه في رابع جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثماني مائة (٨٦٧ هـ)، وأجازني».
وفي نفس العام، التقى ابن الحمصي بالشيخ العلاّمة، زين الدين أبي الفهم عبد الرحمن الشافعي، القابوني، الدمشقي، بالجامع الأموي، وعرض عليه محفوظاته، فأجازه، وكتب له بذلك. وسمع منه عن الشيخ زين الدين العراقي، صاحب الألفية في علم الحديث، والمصنفات الكثيرة، وذكر ابن الحمصي بعضا منها.
وكان من شيوخه بالشام، الشيخ برهان الدين الزرعي، الشافعي المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، والذي قال عنه ابن الحمصي: «قرأت عليه صحيح البخاري بكماله، وأجازني، وكتب لي إجازة حافلة في رابع وعشرين جمادى الآخرة سنة ٨٧٣ هـ، وشرحت عليه المنهاج للنووي، والأشنهية في الفرائض، وغير ذلك».
وعرض ابن الحمصي علمه، ومحفوظاته على بعض علماء حلب، كالشيخ ابن مقبل فأجازه. ذكر ذلك في كتابه (حوادث الزمان) فقال «الشيخ المسند المعمر شمس الدين محمد بن مقبل، المتوفى سنة ٨٦٩ هـ، وأنه كتب لي بالإجازة من حلب».
وحضر مؤرخنا مجلس المحدث، قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن قاضي
_________________
(١) ابن الغزي: هو نجم الدين محمد بن رضي الدين الغزي من علماء دمشق، نزح أجداده من غزة إلى دمشق. وولد نجم الدين سنة ٩٧٧ هـ وتوفي سنة ١٠٦٠ هـ. كان أبوه شيخ الإسلام. وله مؤلفات في الحديث والنحو واللغة والشعر، وتعلم بدمشق، ورحل إلى حلب ومكة والمدينة طلبا للعلم. وأشهر كتبه كتاب: الكواكب السائرة. ويترجم فيه للأعيان في دمشق وحلب وبلاد الشام ومصر والحرمين والأتراك، ويتألف من ثلاثة أجزاء، وفيه تغطية لتراجم القرن العاشر بكامله.
[ ١ / ١٠ ]
عجلون، في الجامع الأموي، وحصل منه على الإجازة.
وأخذ ابن الحمصي العلم في مصر، عن قاضي القضاة، الشيخ زكريا زين الدين الأنصاري (^١)، المصري، القاهري، الذي فوض إليه القضاء نيابة، والخطابة بقلعة الجبل، لفصاحته وميل السلطان إليه.
ومن شيوخه الذين ذكرهم، الشيخ برهان الدين أبو إسحق المتوفى سنة ٨٦٧ هـ - ١٤٧١ م فقال عنه: «عرضت عليه محفوظاتي في خامس جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ وكتب لي وأجازني».
وكان ابن الحمصي شافعي المذهب، كتب عن شيوخه، وترجم لهم، وحضر مجالسهم، وذكر إجازتهم له، وسجّل مؤلفاتهم، وما صنفوه، وكانت أغلب إجازاته في علم الحديث. ويبدو من تتبع مراحل تحصيل ابن الحمصي لعلومه، وكانت أغلب إجازاته، نجدها تنحصر ما بين عامي ٨٦٧ هـ - ٨٧٩ هـ١٤٦٢/ م - ١٤٧٤ م. وأنه درّس في سن مبكرة الفقه وناب في القضاء عن القاضي شهاب الدين ابن الفرفور (^٢). وكان يخطب بالجامع الأموي استقلالا بوظيفته. وقال عن ذلك: «خطب القاضي محب الدين الدسوقي بالجامع الأموي، عوضا عني، لأنني حصل لي ضعف، فانقطعت عن الخطبة، وقد تمّ لي في خطبة الجامع الأموي خمس سنوات» أي من عام ٩١٥ هـ - ٩٢٠ هـ. وبعد عودته من مصر، انقطع عن الخطابة لأسباب صحية، ثم عاد إليها في الجامع الأموي سنة ٩٢٩ هـ، وقال في ذلك «هي أنه حال فراغي من الخطبة بجامع بني أمية، صرخ صارخ يقول وقع الحريق … إذا قائل يقول: حرقت دمشق» (^٣).
وذكر ابن الحمصي في الجزء الثاني من كتابه (حوادث الزمان)، أنّه كان يحضر مجالس الأمراء المماليك، ومناسباتهم مع جمع من الشيوخ والقضاة العلماء، ومثال
_________________
(١) الشيخ زكريا الأنصاري: هو قاضي القضاة شيخ الإسلام في مصر زكريا زين الدين الأنصاري، الأزهري الشافعي. ولد في الشرقية سنة ٨٢٤ هـ. وتعلم بالقاهرة وصار من أكبر المحدثين والفقهاء، وحجة في علوم الحديث والفقه، عمل في التدريس وقصده طلاب العلم من بلاد الحجاز والشام، وتولى القضاء ومناصب أخرى كالإفتاء، وتولى قضاء الشافعية أكثر من عشرين سنة أيام السلطان قايتباي. وصنف كتبا كثيرة في علوم اللغة والحديث والفقه، وعاش زكريا طويلا، وقيل بلغ مائة سنة وسنتين وتوفي سنة ٩٢٦ هـ. انظر: بدائع الزهور لابن إياس ٥/ ٣٧ وابن العماد. شذرات الذهب ٨/ ٢٠٠. والغزي: الكواكب السائرة ١/ ١٩٧ وابن الحمصي في (حوادث الزمان).
(٢) ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ٢٠٠.
(٣) ابن الحمصي: حوادث الزمان الجزء الثالث مخطوط.
[ ١ / ١١ ]
ذلك حضوره مع شيخ الإسلام زكريا، ونوابه عقد نكاح الأمير طومان باي، الدوادار الثاني بالقلعة، في ٣ جمادى الآخرة سنة ٩٠٣ هـ - ١٤٩٧ م، وأنّه كان يحضر مع القضاة، والعلماء لتهنئة السلطان بالشهر، في القلعة، فقال: «وكنت حاضرا معهم» (^١).
وبعد كل ما قدمناه عن ابن الحمصي المؤرخ، فإنّ من الأهمية بمكان أن نلقي نظرة على الزمان الذي عاش فيه، منذ منتصف القرن التاسع الهجري، وحتى منتصف القرن العاشر الهجري. وتعتبر هذه الفترة هامة في تاريخ العرب في الشام ومصر، لأنها فترة تدهور، وضعف الدولة المملوكية. فقد سادت الاضطرابات أنحاء الدولة، وظهرت الفتنة العصبية العربية، ضد المماليك، وخاصة في مصر، تمثلت بغارات، واعتداءات على هياكل السلطة، في الأقاليم البعيدة عن القاهرة، كما أفسد أمراء المماليك الحياة العامة، من خلال ظلمهم الناس، والاستيلاء على ممتلكاتهم، وخلافاتهم فيما بينهم على المكاسب والمال، ولم تعد خزانة السلطنة قادرة على دفع رواتب الجيش، والإنفاق على الحملات العسكرية في الشمال، ضد العثمانيين وغيرهم، مما سهل على الأتراك العثمانيين هزيمة المماليك في معركة مرج دابق، ووضع مصر والشام تحت السيادة العثمانية، وحدوث تغييرات اجتماعية، واقتصادية هامة تبعا لذلك. وكان ابن الحمصي شاهدا متنقلا بين مصر والشام، فروى ما رآه من أحداث وأخبار، رواية مؤرخ عاش الحوادث وتأثر بها.
وهناك أربعة رصدوا حركة التأريخ في مصر والشام في هذه الفترة، وهم: ابن إياس وابن زنبل في مصر، وابن الحمصي، وابن طولون في الشام.
وعاش ابن طولون في دمشق (٨٨٠ هـ - ٩٥٣ هـ) (١٤٧٥ م - ١٥٤٦ م) وعاصر ابن الحمصي، (٨٤١ - ٩٣١ هـ) (١٤٣٧ - ١٥٢٤ م) فكانت نشأة، وثقافة، وبيئة المؤرّخين متشابهة، حتى أنهما تشابها في منهجهما، ومؤلفاتهما، والعلوم التي حصّلاها، وشيوخهما (^٢).
واشتغل المؤرخان بوظائف التدريس، والخطابة، والإقراء، والفقه في مدارس دمشق، ومساجدها. وعاشا في مدينة واحدة هي دمشق، وفي عصر واحد، ولم يذكر
_________________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ٢ أحداث سنة ٩٠٣ هـ.
(٢) ابن طولون ألف كتابا سماه «مفاكهة الخلان في حوادث الزمان» وهو تاريخ لمصر والشام يغطي الفترة من ٨٨٠ هـ - ٩٢٦ هـ في الإقليمين ورتبه على طريقة الحوليات. وكذلك نهج ابن الحمصي ٨٤١ هـ - ٩٣١ هـ في كتابه «حوادث الزمان».
[ ١ / ١٢ ]
أحدهما الآخر، ولا ندري سبب هذا التجاهل، وربما كان سببه التنافس الشديد بين المؤرخين (^١).
ولكن ابن طولون كان أسعد حظا من ابن الحمصي، لأنّ كتبه نشرت، واعتنى بها الباحثون والمستشرقون، في حين ضاعت كتب ابن الحمصي، ولم نعثر إلا على كتابه «حوادث الزمان» الذي نحن بصدد تحقيقه، ووجد متناثرا في أنحاء مختلفة من العالم.
وهذا يفسر جهلنا بهذا المؤرخ في بلده دمشق.
وفي مصر كان المؤرخ محمد بن إياس (٨٥٢ هـ - ٩٣٠ هـ) (١٤٤٧ م - ١٥٢٣ م)، معاصرا لابن الحمصي، وشاهد، وأرّخ بداية السيطرة العثمانية على مصر، كما فعل ابن الحمصي في الشام، والغريب أن ابن الحمصي رحل إلى مصر، وأقام بها طويلا، بحكم شغله مناصب عدة في القاهرة، منها منصب نائب قاضي القضاة الشافعي، وهو من الوظائف الهامة، وهو في عمره متقارب من عمر ابن إياس، فإن أيّا منهما لم يترجم للآخر، ولم يذكره في مؤلفاته، بالرغم من أنّ كليهما، يقف مؤرخا، عملاقا، في العصرين المملوكي والعثماني (^٢).
وكانت مؤلفات ابن إياس قد نشرت، وخاصة كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» بالقاهرة بين سنتي ١٩٦٠ - ١٩٦٣ م.
والمؤرخ المصري الكبير ابن زنبل (^٣)، الذي كتب عن دخول العثمانيين إلى مصر، كان معاصرا لابن الحمصي، وشاهد عيان في جيش السلطان سليم الأول، أثناء الحرب ضد المماليك، حيث كان موظفا بديوان الجيش العثماني. وقد سجل في كتابه «تاريخ واقعة السلطان سليم مع السلطان الغوري»، جميع الأحداث منذ هزيمة المماليك في معركة مرج دابق بالشام، وحتى دخول العثمانيين إلى مصر، وإسقاط الدولة المملوكية، وما تبع ذلك من تنظيمات وتغييرات في بنية الدولة. ويعتبر كتاب ابن زنبل من المراجع الهامة في تاريخ الشام ومصر.
ولكن المراجع التاريخية في القرن العاشر الهجري، لم تنصف ابن الحمصي، وابن زنبل، ولم تبرزهما كمؤرخين عملاقين، كما أبرزت ابن إياس المصري، ومحمد بن طولون الدمشقي.
_________________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٦.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٩.
(٣) هو أحمد بن زنبل الزمان له مؤلفات في التاريخ والجغرافية والتنجيم ما زالت مخطوطة وقد توفي ابن زنبل بعد سنة ١٥٥٢ م.
[ ١ / ١٣ ]
وهناك قاسم مشترك بين ابن طولون، وابن الحمصي، هو أنهما من العلماء الذين شغلوا مناصب هامة في الدولة المملوكية، وأبناء عصر واحد عاشا أحداثه، ودوّناها، كأفضل ما يكون التدوين في الكتابة التاريخية.