تلقى ابن الحمصي في دمشق ومصر، ثقافة واسعة في مختلف علوم عصره، التي اطّلع عليها وحفظها، وتمثّلها حتى نضجت معارفه، فقدّمها للمجتمع من خلال التدريس في مدارس دمشق، ومشاركته في القضاء في مصر، ومجالسته للعلماء، والأعيان، وحصوله على عشرات الإجازات، من علماء الشام ومصر، والحجاز، والتزامه العلم ومؤسساته، ولم يكترث سنة ٩١٧ هـ، لما وضعته السلطة المملوكية في الترسيم، مع عدد من طلبة العلم، وفيهم كاتبه.
وتوقفت خطبته في مسجد دمشق، فاحتج الناس على الحاجب بسبب ما فعله مع ابن الحمصي (^١).
وإن كان ما أسلفنا عن ابن الحمصي من دوافع غير مباشرة للكتابة، فإن دوافعه للكتابة في علم التاريخ تحديدا تتلخص بما يلي:
١ - انتماء ابن الحمصي لطبقة العلماء في الدولة المملوكية، وثقافته الموسوعية، تؤهله لأن يكون في صف علماء التاريخ.
٢ - دراسة ابن الحمصي لعلم الحديث، لأن النبي ﷺ حدّث عن أيام الجاهلية، وقصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.
٣ - عناية الصحابة والتابعين بعلم الأخبار، والرواية التاريخية.
٤ - محبة ابن الحمصي لعلم التاريخ، وإدراكه لأهميته في الماضي والحاضر.
وكتب في مقدمة كتابه (حوادث الزمان)، نبذة عن مفهومه لعلم التاريخ، قال فيها:
«فعلم التاريخ جليل المقدار، عظيم الأخطار، أنواره على ممرّ الدهور لا تطفى، وفوائده الكثيرة على ذوي البصائر لا تخفى، وقد نطق الكتاب العزيز بجمل من أخبار الأمم الماضية، ونبذ من أنباء القرون الخالية، حدّث النبي ﷺ بكثير من قصص الأيام الإسرائيلية، وما جرى من الوقائع في زمن الجاهلية، ولا ريب أنّ
_________________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ٣/ ١٧ أمخطوط.
[ ١ / ١٤ ]
الاعتناء بعلم الأخبار، لم يزل من لدن الصحابة الأبرار، ومن تابعهم من التابعين الأخيار، وتابعيهم من الأئمة على ممر الأعصار. ولو لم يكن في معرفته إلا التحلي بما يزين، والتخلي مما يشين، لكان في ذلك للطالب كفاية وللمسترشد هداية» (^١).
وقد كان ابن الحمصي متابعا لمؤلفات من سبقه من المؤرخين في عصره، كابن حجر العسقلاني، واعتبر كتابه (حوادث الزمان)، ذيلا على تاريخ العلامة شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، المسمى (إنباء الغمر بأبناء العمر)، الذي وصل فيه إلى سنة ٨٥٠ هـ - ١٤٤٧ م ثم تبعه ابن الحمصي في بدء كتابه اعتبارا من سنة ٨٥١ هـ.