لم يذكر العماد الحنبلي الذي ترجم لابن الحمصي، ما صنّف من كتب، واكتفى بترجمة قصيرة، تشبه التعريف بشخصية هذا المؤرخ الكبير، إلاّ أنّ ابن الحمصي أشار في كتابه الذي نحن بصدد تحقيقه، ودراسته «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران»، أنّه صنف كتابين في التاريخ هما:
أ - التاريخ الكبير: ويبدو أنه كتابه الأول، وأطلق عليه في سياق ما ذكره عنه، اسم (تاريخي الكبير). ولا نعرف الفترة الزمنية التي تناولها المؤرخ في هذا الكتاب، إلاّ أنه أشار إلى أخبار وحوادث متفرقة، سبق له ذكرها في التاريخ الكبير، فأورد في كتابه الثاني «حوادث الزمان» أحداثا جرت في سنة ٨٦٢ هـ - ١٤٥٧ م، منها: ترجمة الشيخ علاء الدين الحنبلي البغدادي، وأنه كان يفتي بمسألة ابن تيمية في الطلاق الثلاث، وقد امتحن بسبب ذلك، في أيام قاضي القضاة، جمال الدين الباعوني الشافعي، وأركب على حمار وطيف به في شوارع البلد، ونودي عليه «هذا جزاء من يقول: بمسألة ابن تيمية في الطلاق الثلاث، وسجن، وورد بذلك مراسيم السلطان، ووقعت أمور يطول شرحها في هذا المختصر، وقد أوضحتها في تاريخي الكبير، سنة ثمان وأربعين وثماني مائة فراجعه» (^٢).
ومن تتبع القارئ لكتاب «حوادث الزمان»، يلاحظ أنّ ابن الحمصي يحيل قارئه في الحوادث إلى تاريخه الكبير الذي أشار إليه، فمثلا عند ما يذكر أحداث عام ٨٧٢ هـ - ١٤٦٧ م، وفي أول سلطنة قايتباي، يسلط الأضواء على النزاع بين أمراء
_________________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان مخطوط ج ١ ص /١ ب.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ١ أحداث عام ٨٦٢ هـ. ودراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام د. ليلى أحمد. ص ١٨١.
[ ١ / ١٥ ]
المماليك على السلطة والنفوذ، ومنصب السلطان فيقول: «وجرت أمور يطول ذكرها في هذا المختصر، وقد أوضحت ذلك كله في تاريخي الكبير فراجعه فإنه مهم» (^١).
ولم يصل إلينا كتاب التاريخ الكبير لابن الحمصي، ولم يذكره أحد سواه، وربما ضاع، أو أصابه التلف، أو نقل كغيره من كتب التراث، خارج الوطن العربي، وقد يكتشفه الباحثون في المستقبل، ويضعونه بين أيدي الأجيال القادمة، عندها يمكن جلاء الغموض، الذي أحاط بشخصية المؤرخ ابن الحمصي، ومؤلفاته، وسيرته التي أغفلها المؤرخون الذين عاصروه. كما أنني أميل إلى الرأي القائل، بأن التاريخ الكبير لابن الحمصي تناول الفترة الزمنية للأعوام من ٨٥١ هـ إلى ٩٣٠ هـ - ١٤٤٦ م - ١٥٢٣ م. بكثير من الشمول والتفصيل، وأنّ ما بين أيدينا مختصر له (^٢).
ب - كتاب حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران: ونترك التعريف بهذا الكتاب لمؤلفه ابن الحمصي، الذي قال عنه في مقدمته:
«هذا تعليق مفيد، جامع مزيد، جمعت فيه ما يسّره الله لي من حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران، منذ مولدي سنة إحدى وأربعين وثماني ماية ٨٤١/ هـ - ١٤٣٦ م/ (^٣) وهلمّ جرّا، مفصلا في كل سنة على ما وقع لي وحررته، وشاهدته، واعتمدته، وهذا الكتاب يحسن أن يكون ذيلا على تاريخ العلاّمة، قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر الشافعي (^٤)، المسمّى إنباء الغمر بأبناء العمر. فإنّه وصل فيه إلى سنة خمسين وثماني ماية، وابتدأه من مولده سنة ٧٧٣ هـ - ١٣٧١ م، ووفاته ﵀ السبت ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ - ١٤٤٧ م. وقد جعل كتابه المذكور ذيلا، على تاريخ الحافظ عماد الدين ابن كثير. وسميته حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ
_________________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ١ أحداث عام ٨٧٢ هـ. ودراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام د. ليلى أحمد. ص ١٨١.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨١.
(٣) يتضح من ترتيب الحوادث بحسب السنين في الكتاب أن المؤرخ ابن الحمصي لم يبدأ بذكر الأحداث منذ سنة ٨٤١ هـ كما ذكر في مقدمته وهي تاريخ ولادته، ولكنه بدأ بتدوينها ابتداء من سنة ٨٥١ هـ.
(٤) هو شهاب الدين أحمد بن حجر المؤرخ والعالم المصري الشهير، صاحب المصنفات الكثيرة في علوم الحديث والفقه والتراجم، وأهمها كتاب «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وكتاب «إنباء الغمر بأبناء العمر» وهو تاريخ شامل لمصر بدأه منذ مولده عام ٧٧٣ هـ وحتى وفاته في عام ٨٥٢ هـ١٤٤٨/ م. وكان ابن حجر عالم عصره في الفقه والتدريس والإفتاء والحديث. واطلع على علوم عصره في الحجاز والشام واليمن ومصر، وتولى منصب قاضي القضاة الشافعية في الدولة المملوكية في مصر منذ عام ٨٢٨ هـ١٤٢٤/ م.
[ ١ / ١٦ ]
والأقران. والله أسأل أن يختم لنا بخير وعافية، بلا محنة فإنه المستعان، وعليه التكلان».
ويتألف كتاب حوادث الزمان، من ثلاثة أجزاء، ويؤرخ الأحداث في مصر والشام، وتراجم الأعيان والشيوخ فيهما، في الفترة ما بين عامي ٨٥١ - ٩٣٠ هـ/ ١٤٤٧ - ١٥٢٦ م.
- ويسجل الجزء الأول من الكتاب، الحوادث والوفيات في مصر والشام، في الفترة من سنة ٨٥١ هـ، إلى سنة ٨٩٤ هـ١٤٤٧/ م - ١٤٩٠ م/. والنسخة الموجودة منه بخط المؤلف، وقد أتمها في القاهرة، كما سجل هو في خاتمتها في عام ٨٩٤ هـ - ١٤٨٨ م، وهي موجودة الآن بمكتبة فيض الله باستانبول، وتوجد منها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وتشتمل على ١٦٠ ورقة تحت رقم ٢٢٢ تاريخ.
ويلاحظ سقوط سنوات قليلة بسبب الانتقال من جزء إلى جزء.
- والجزء الثاني من حوادث الزمان، يسجل الأحداث من سنة ٩٠٣ هـ - ١٤٩٧ م إلى سنة ٩٠٨ هـ - ١٥٠٢ م، والنسخة الموجودة منه بخط المؤلف، في مكتبة كمبريدج، وتوجد منها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، مسجلة تحت رقم ٥١ تاريخ وتشتمل على ٩٦ صفحة.
- والجزء الثالث من كتاب حوادث الزمان، يؤرخ للفترة من سنة ٩١٥ هـ - ١٥٠٩ م إلى سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م، وتوجد نسخة منه بخط المؤلف بمكتبة رفاعة رافع الطهطاوي بسوهاج، ومنها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٢٣٩، وهي في ١٩٥ صفحة، ويبدو أن المؤلف كتبها في شيخوخته لأن خطها أقل جمالا، مما كان في الجزأين الأول والثاني.
ونستنتج مما قدمناه، أنّ أجزاء الكتاب كانت مفرقة، ومشتتة في أنحاء العالم، فمنها ما هو في تركيا، ومنها ما هو في بريطانيا، والأخير في مصر (^١) وهذا ينطبق على كتاب التاريخ الكبير لابن الحمصي، الذي ضاع، ولم يعرف مصيره حتى الآن.
ونجد ابن الحمصي، يؤرخ في الجزأين الأول والثاني من كتابه (حوادث الزمان)، للفترة المملوكية في الشام ومصر، كأحد أبرز مؤرخي العصر المملوكي، وفي الجزء الثالث من الكتاب، يؤرخ ابن الحمصي، للفترة العثمانية في مصر والشام،
_________________
(١) وكان لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة الفضل، في نقل صور من الأجزاء الثلاثة لهذا الكتاب إلى القاهرة.
[ ١ / ١٧ ]
ويقف في الصف الأول بين مؤرخي العصر العثماني في الشام ومصر (^١). وكان شاهد عيان لكل ما سجله في كتابه، من حوادث ووفيات، وظواهر اجتماعية، أو مناخية.