يعتبر تاريخ ابن الحمصي «حوادث الزمان»، من المصادر المهمة جدا لدراسة تاريخ بلاد الشام، ومصر، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وقد ركز ابن الحمصي اهتمامه في كتابه، على أخبار وحوادث مصر والشام، وكان اهتمامه بأخبار الولايات العربية ثانويا، وكان يعتمد في تسجيلها على ما يبلّغه له القادمون من البلاد الإسلامية المجاورة (^٣)، ولكن أحداثه، ورواياته عن أخبار مصر والشام، فقد كان شاهد عيان لمعظمها، لأنه عاشها وتأثر بها، وجرت حول مكان إقامته في القاهرة، أو دمشق. وتأتي أهمية تاريخ ابن الحمصي، من تدوينه أحداث دمشق والشام ومصر في الفترة المملوكية، وفترة الانتقال من العصر المملوكي، إلى عهد السلطنة العثمانية، وخاصة بداية خضوع الشام للحكم العثماني، بعد معركة مرج دابق قرب حلب، التي انهزم فيها المماليك وانهارت مقاومتهم في مدن سورية.
وفي الجزء الثالث من كتاب (حوادث الزمان)، سجل ابن الحمصي أحداث عام ٩٢٢ هـ١٥١٦/ م، منذ خروج السلطان قانصوه الغوري مع جيشه من مصر، قاصدا الشام للتصدي للغزو العثماني، ووصف موكبه حين دخل إلى دمشق، والمدة التي
_________________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٤.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ٣ ص /٧١ أالمخطوط.
(٣) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٥.
[ ١ / ١٩ ]
قضاها بها، ورحيله عنها إلى حلب، وركز على التفاصيل في موقعة مرج دابق، التي نشبت يوم الأحد ٢٦ رجب سنة ٩٢٢ هـ - ١٥١٦ م وما كان من «وقوع الكسرة على عسكر سلطان مصر».
وذكر ابن الحمصي تفاصيل وفاة السلطان قانصوه الغوري، وترجم له ترجمة مطوّلة، تناولت حياته، وتاريخ توليه السلطنة، ومدة حكمه، وأعماله وتاريخ وفاته، وما تعرض له خلال سلطنته من مشكلات، واضطرابات.
ثم تناول في الجزء الثالث من الكتاب، وصول السلطان سليم الأول العثماني إلى دمشق، وتحركاته فيها، وتنظيماته الإدارية والعمرانية، وصلاته في الجامع الأموي في يوم جمعة، ورحيله بموكبه خلف جيوشه الزاحفة إلى مصر. وصوّر حالة الفوضى، والاضطراب في الشام ومصر، والخوف من تقدم العثمانيين نحو القاهرة، وترتيب المماليك للمقاومة في القاهرة والصعيد، فقال في مستهلّ سنة ٩٢٣ هـ١٥١٧/ م «استهلّت والناس في اضطراب شديد، وأمور الناس غير مستقيمة لانقطاع الطرق، وكثرة القتلى. وورد الخبر إلى دمشق، بأن السلطان سليم شاه ابن عثمان، المتقدم ذكره، وصل إلى مصر في تاسع عشرينه ذي الحجة».
وذكر ابن الحمصي أحداثا هامة في تاريخه (حوادث الزمان)، منها: مرسوم السلطان سليم الأول الذي بعث به إلى دمشق، وتضمن إتمام السلطان فتح مصر، وإلحاقها بدولته.
وأورد في أحداث عام ٩٢٦ هـ - ١٥١٩ م، ثورة جان بردي الغزالي نائب الشام، على العثمانيين. وكيف تسلطن، وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر، وخرج على السلطنة في استانبول، وجند العساكر وحارب العثمانيين، الذين بعثوا حملة كبيرة قضت على ثورته، وأعادت بلاد الشام، إلى دائرة النفوذ العثماني المباشر.
وسجل ابن الحمصي ثورة أخرى في مصر، قادها أحمد باشا والي مصر للعثمانيين سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م، وذلك في الجزء الثالث من كتاب حوادث الزمان فقال: «وصل الخبر إلى دمشق، أن الأمير أحمد الوزير نائب مصر تسلطن بها، وضرب الدرهم، والدينار باسمه، ولقب بالعادل، فلما بلغ نائب الشام، وأمراء دمشق الخبر، انزعجوا لذلك انزعاجا عظيما، وحصنوا قلعة دمشق».
ودوّن ابن الحمصي من الأحداث الهامة في الشام ومصر، أخبار الحكام، والنواب في دمشق، والقاهرة، وأسماء النواب، ونقلهم إلى وظائف أخرى، أو خلعهم، أو وفاتهم، وكذلك أخبار رجال الإدارة من المماليك، أو من العلماء،
[ ١ / ٢٠ ]
وأخبار الأدباء، والعلماء، ومناصبهم التي شغلوها، ومؤلفاتهم، وأحوالهم، وأخبار القضاة، ومناصبهم في مصر والشام (^١) وتطرق لرجال الجيش، ووظائفهم الحربية، والإدارية، وأورد أيضا سيلا من المصطلحات، التي كانت سائدة في العهدين المملوكي، والعثماني.
ويبدو أن كتب ابن الحمصي ومؤلفاته كانت معروفة في بلاد الشام ومصر، في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، لأن نجم الدين الغزي صاحب كتاب (الكواكب السائرة)، اعترف في كتابه المذكور أن كتاب ابن الحمصي كان من مراجعه، ولا بدّ أنّه نقل نقولا كثيرة منه، ويتضح ذلك من تراجم الرجال المشتركة بين المؤرخين، وذكر الغزي في الكواكب: «وكنت قد وقفت على قطعة صالحة من تاريخ العلاّمة شهاب الدين أحمد الحمصي، الخطيب الشافعي، الذي ضمّنه من مهمات الحوادث والوفيات، فإذا هو تاريخ عجيب، غير أنه سلك فيه مسلك الإيجاز، والتقريب، فدعاني ذلك إلى تأليف هذا الكتاب» (^٢).
ومن يطّلع على كتاب الكواكب السائرة للغزي، يجد أنّه نقل كثيرا من التراجم، من كتاب ابن الحمصي، المسمى بالتاريخ الكبير، والذي اختصره مؤلفه، وسمّاه (حوادث الزمان). والدليل على ذلك، هو أنّ كتاب حوادث الزمان، لم تذكر فيه أحداث سنة ٩١١ هـ - ١٥٠٥ م. في حين نقلها الغزي من تاريخ ابن الحمصي الكبير، والذي يعتبر من المصادر التاريخية الهامة، عن الفترة الزمنية الممتدة من أواخر العصر المملوكي، وبداية العصر العثماني، بشأن بلاد الشام ومصر.