المحرّم: وفي يوم الخميس مستهلّه، لبس قاضي القضاة، قطب الدين الخيضري، الشّافعيّ، خلعة عوده إلى قضا دمشق وما مع (^٥) ذلك، عوضا عن القاضي علاء الدين (^٦) بن الصّابونيّ، مضافا إلى ما معه، من وظيفتي كتابة السّر، ووكالة بيت المال. وقرئ توقيعه بالجامع الأموي. قرأه ولده نجم الدين أحمد، وتاريخه مستهلّ ذي الحجّة. وكان الخبر ورد إلى دمشق بذلك، في عاشر ذي الحجة. ثم استناب شيخنا العلاّمة، بدر الدين/ابن شيخ الإسلام، تقي الدين
_________________
(١) انظر: ابن إياس. بدائع الزهور ٣/ ١٧. السخاوي. الضوء اللامع ٢/ ١٧٤/١.
(٢) انظر: ابن إياس. بدائع الزهور ٣/ ١٩. السخاوي. الضوء اللامع ٣/ ٢٨٩/٢ واسمه الكامل: «الأمير شادي بك الأشرفي برسباي ويعرف بشاذ بك بشق».
(٣) العقبة السوداء. موضع على طريق الحج بين أيلة والمدينة. ياقوت الحموي. معجم البلدان ٤/ ١٣٤.
(٤) أي دفن شادي بك وزوجته بالعلا.
(٥) ما يتبع لولاية دمشق.
(٦) علاء الدين بن الصابوني: هو علي بن أحمد بن محمد بن سليمان بن أبي بكر، أبوه شهاب الدين البكري (الخواجا) الدمشقي القاهري الشافعي ويعرف بابن الصابوني مات سنة ٨٧٢ هـ. السخاوي: الضوء اللامع ٥/ ١٨٤/٣.
[ ١ / ١١٢ ]
ابن قاضي شهبة (^١)، وعيب على الشّيخ بدر الدّين، دخوله في نيابة القضا، مع كونه شيخ الشّافعيّة بالشّام، وطعنه في السّن وإعراضه عن ذلك مدّة، ومرافقته تلامذته، إلى غير ذلك من الأسباب التي كان اللاّيق معها، أن يصون نفسه، عن الدّخول في النّيابة.
ثم استناب أيضا، العلاّمة شمس الدين (^٢) بن سعد الشّافعيّ، والعلاّمة عزّ الدّين (^٣) حمزة الحسينيّ، الشّافعيّ، والقاضي محب الدين بن قاضي عجلون، وابن عمّه القاضي زين الدين عبد الرحمن، والقاضي برهان الدين بن المعتمد، والقاضي علاء الدين البصروي (^٤)، والقاضي شهاب الدين بن الفرفور، ثم استناب الشّيخ سراج الدين بن الصّيرفيّ، وهي أول ولايته، وبالله المستعان.
وفي خامسه: قبض على برهان الدين إبراهيم النّابلسيّ، واعتقل بالقلعة بدمشق عن مرسوم ورد بذلك. وأطلق بعد أيام بعد أن حصل له بهدلة من نايب الشام وغيره. ونودي بالكشف عليه بدمشق، نسأل الله السّلامة.
وفي ليلة ثالث عشره توفي الخواجا الكبير الأصيل، شهاب الدين:
• أحمد (^٥) بن الخواجا الكبير شمس الدين محمد بن المزلق/وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق. تقدّم في الصّلاة عليه، قاضي القضاة، جمال الدين الباعونيّ، الشّافعيّ. ودفن بتربة والده، خارج باب (^٦) الجابية. وكانت جنازته حافلة، وكثر
_________________
(١) بدر الدين بن تقي الدين بن قاضي شهبة: محمد بن أبي بكر بن أحمد الأسدي الشهبي الدمشقي الشافعي ابن قاضي شهبة، كان عالما فقيها. ابن إياس، بدائع الزهور ٣/ ٤٤. السخاوي. الضوء اللامع ٧/ ١٥٥/٤.
(٢) شمس الدين بن سعد: هو محمد بن سعد أبو عبد الله الدمشقي الشافعي. الضوء اللامع للسخاوي /٤ ٧/ ٢٤٩.
(٣) عز الدين حمزة الحسيني: هو حمزة بن أحمد بن علي بن محمد بن علي الحسيني الدمشقي الشافعي. الضوء اللامع للسخاوي ٣/ ١٦٣/٢.
(٤) علاء الدين البصروي: هو علي بن يوسف بن علي بن أحمد العلاء البصروي الأصل الدمشقي الشافعي أحد المفتين بدمشق، وناب في القضاء بها. الضوء اللامع ٦/ ٥٣/٣ للسخاوي.
(٥) انظر: ابن إياس. بدائع الزهور ٣/ ١٨. السخاوي: الضوء اللامع ٢/ ١٤٧/١ واسمه الكامل: «أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد الخواجا الشهاب ابن الخواجا الشمس الحلبي الأصل الدمشقي ابن المزلق».
(٦) باب الجابية: أحد أبواب دمشق القديمة من الجهة الجنوبية الغربية وينسب إلى قرية الجابية في حوران. ابن إياس، بدائع الزهور ١/ ٣٦٦/١. النعيمي. الدارس ١/ ٥٦.
[ ١ / ١١٣ ]
الثّنا عليه وعظم التأسّف لفقده. وكان محبا للعلماء، والفقراء، والصّلحاء، محسنا إليهم. وهو أوّل من أنشأ مطبخ الجشيشة (^١)، بباب البريد. ثم وقف عليه أهل الخير، وأوقف جهاته كلّها على بر وجعل النظر في وقفه، للشّيخ العلاّمة نجم الدين ابن قاضي عجلون، ثم لأخيه القاضي زين الدين عبد الرحمن، ثم لأخيه الشّيخ العلاّمة تقي الدين، على الترتيب، رحمه الله تعالى.
وفي خامس عشره، ورد مرسوم السّلطان بطلب نايب الشّام أزبك الظاهري (^٢) إلى القاهرة. وقد عيّنت له الإمرة الكبرى بها. وأعيد برد بك البشمقدار (^٣) الظاهريّ، إلى نيابة دمشق، عوضا عنه. ونقل أينال (^٤) الأشقر الظّاهريّ، من نيابة طرابلس، إلى نيابة حلب، عوضا عن برد بك.
وورد مرسوم أيضا، بطلب تمر الظاهري (^٥) حاجب الحجاب بالقاهرة. وكان مقيما بدمشق، من حين عوده من التجريدة المجهزة لابن دلّغادر (^٦). فشرع هو وأزبك في التّجهّز، وسرّ الخلق/بعزل الأمير أزبك عن نيابة الشّام.
وفي ليلة ثامن عشره، توفي الخواجا شهاب الدين:
• أحمد (^٧) بن الصّابونيّ بقلعة دمشق، وكان معتقلا عليه بها ثلاثة أشهر وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالجامع (^٨) الذي أنشأه خارج باب الجابية. وباشر عن ولده القاضي علاء الدين، العرض، والإمضا، والتقرير بدمشق لغيبة ولده
_________________
(١) مطبخ الجشيشة: أنشأه الخواجا الكبير شهاب الدين ابن مزلق بجانب باب البريد قرب الجامع الأموي لإطعام الناس. السخاوي. الضوء اللامع ٢/ ١٤٧/١.
(٢) أزبك الظاهري: أزبك من ططخ الأشرفي الظاهري جقمق أحد أمراء المماليك. تولى مناصب عدة منها نيابة الشام ثم نقل إلى القاهرة أتابكا. الضوء اللامع ٢/ ٢٧٠/١.
(٣) برد بك البشمقدار الظاهري: هو برد بك الجمالي الظاهري جقمق ويعرف بالبجمقدار، ناب في حلب ودمشق ومات بها سنة ٨٧٥ هـ. الضوء اللامع ٣/ ٦/٢.
(٤) ترجمته في: السخاوي. الضوء اللامع ٢/ ٣٢٦/١.
(٥) تمر الظاهري: من محمود شاه الظاهري جقمق، كان حاجب الحجاب بمصر. واشتهر بالظلم والجور في الأحكام. الضوء اللامع ٣/ ٤٢/٢ للسخاوي.
(٦) هو: سليمان بن ناصر الدين بك محمد بن دلّغادر: أمير التركمان في شمال الشام. ابن إياس، بدائع الزهور ١ - ١/ ٥٨٨، والسخاوي. الضوء اللامع ٣/ ٢٦٩/٢.
(٧) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٢/ ١١٣/١. «أحمد بن محمد بن سليمان بن أبي بكر الخواجا شهاب الدين الدمشقي ويعرف بابن الصابوني».
(٨) جامع الصابوني: بناه الخواجا شهاب الدين أحمد بن الصابوني خارج باب الجابية ولما مات دفن فيه ولا زال قائما في أيامنا. الضوء اللامع ٢/ ١١٣/١.
[ ١ / ١١٤ ]
بالقاهرة. وحضر ولده بعد موته إلى دمشق، فأخذ ما خرج مع والده من المال الذي وجد بالمخبأة في منزله، ودفعه في المصادرة للسّلطان الملك الأشرف قايتباي. ووقعت أمور يطول ذكرها في هذا المختصر، رحمه الله تعالى.
وفي سابع عشريه، توجّه نايب الشّام أزبك، وتمر إلى القاهرة بسبب المرسوم المتقدم ذكره.
وفي تاسع عشريه دخل إلى دمشق، متسلم نايب الشام برد بك البشمقدار، هو ودواداره أبو بكر.
وفي هذا الشّهر، أفرج عن شرامرد (^١) المؤيديّ من سجنه بقلعة دمشق. وكان قدم دمشق في أيام الظّاهر خشقدم، متولّيا دوادريّة السّلطان، ثم أضيف إليه تقدمة ألف، ثم نقل إلى الحجوبيّة الكبرى، ثم عزل، وولي الأتابكية بدمشق، ثم قبض عليه /وضربت الحوطة على موجوده، إلى أن أطلق الآن فأقام بدمشق بطّالا.
وفي هذا الشّهر أفرج عن جاني بك (^٢) الظّاهريّ، من سجنه بقلعة دمشق أيضا.
وكان قدم في أواخر أيام أستاذه الظّاهر خشقدم، متولّيا نيابة القلعة بدمشق، وعمّر بابي القلعة: القبليّ والشّماليّ، والبرج الذي على باب (^٣) الحديد ولم يكمله والمقصف الذي تحته. وظلم النّاس، واستخفّ بعظمة الله ﷿، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. فقبض عليه وضربت الحوطة (^٤) على موجوده وحصلت له بهدلة، وإهنة ثم أطلق، وأقام بدمشق بطالا.
وفي هذا الشّهر أيضا، وصل من القاهرة قاضي القضاة، علاء الدين بن قاضي عجلون الحنفيّ، مستمرا على وظيفة القضا، وأضيف إليه نظر الجوالي بدمشق. وكان ورد المرسوم بطلبه، ومنعه من الحكم. فلمّا وصل إلى القاهرة، وأرضاهم بما يسخط الله ﷿، استمروا به. وقدم بعده خصمه قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، وكان توجه إلى القاهرة، بسبب السعي على وظيفة القضاء، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.
_________________
(١) شرامرد المؤيدي: كان حاجب الحجاب بدمشق. ابن إياس، بدائع الزهور ٢/ ٤٢٥.
(٢) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٣/ ٥٣/٢.
(٣) باب الحديد: هو أحد أبواب قلعة دمشق من جهة الغرب وله جسر من الحديد فوق النهر. ابن طولون، مفاكهة الخلان ١/ ٨٦.
(٤) الحوطة: هي الحجز والاحتياط على المال.
[ ١ / ١١٥ ]
صفر: وفي ثالثه لبس قاضي القضاة شهاب الدّين بن عبادة (^١) الحنبليّ، خلعة عوده/إلى قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة برهان الدّين بن مفلح الحنبليّ.
وقرئ توقيعه بالجامع الأمويّ، قرأه برهان الدّين بن نصر الله، وتاريخه رابع المحرّم.
ثم توجّه إلى الصّالحية، وقرئ توقيعه ثانيا بالجامع المظفّري. واستناب القاضي جمال الدين المرداويّ (^٢)، والشّيخ علاء الدين البغدادي (^٣)، وهي أول ولايته.
وفي رابعه، توجّه قاضي القضاة قطب الدين الخيضري، الشّافعيّ، لملاقاة نايب الشّام برد بك.
وفي تاسعه توفّي قاضي القضاة بدمشق الشيخ العلاّمة:
• سالم بن (^٤) إبراهيم بن عيسى الزواويّ، المالكي، بالمدرسة الشّرابيشية (^٥)، بالقرب من سوق جقمق (^٦) داخل دمشق. وصلّي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة الحميريين. وكان مخبولا، لأنّه هو الذي حكم بقتل أبي الفتح، الذي ضربت عنقه تحت قلعة دمشق، كما قدمته في وفاة أبي الفتح، وكان مظلوما، رحمه الله تعالى.
وفي ثالث عشره، دخل نايب الشّام في موكب عظيم، واحتفل به أهل دمشق احتفالا زايدا، وأوقدوا له شموعا كثيرة، ونثروا على رأسه الفضة، ودخل باب السّر (^٧) وقبّل العتبة على جاري العادة. وقرئ [توقيعه] بدار العدل، قرأه القاضي
_________________
(١) شهاب الدين بن عبادة: هو أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن محمد بن عبادة. تولى قضاء الحنابلة بدمشق وجاور في مكة ومات بها سنة ٨٩١ هـ. السخاوي الضوء اللامع ١/ ٣٥٣/١.
(٢) جمال الدين المرداوي: هو يوسف بن محمد بن عمر الجمال أبو المحاسن المرداوي الصالحي الحنبلي ويعرف بالمرداوي من أعيان الحنابلة كان قاضيا للحنابلة بدمشق. حج وجاور بمكة ومات سنة ٨٧٥ هـ. الضوء اللامع للسخاوي ١٠/ ٣٣٢/٥. وابن إياس: بدائع الزهور ١ - ١/ ٥٨٣.
(٣) علاء الدين البغدادي: هو علي بن إبراهيم بن عبد الوهاب البغدادي الأصل القاهري الحنبلي. الكواكب السائرة للغزي ١/ ١٧٦.
(٤) انظر: السخاوي. الضوء اللامع ٣/ ٢٤٣/٢.
(٥) المدرسة الشرابيشية: إحدى مدارس المالكية بدمشق داخل باب الجابية أنشأها التاجر شهاب الدين ابن نور الدولة بن محاسن الشرابيشي سنة ٧٣٤ هـ. منادمة الأطلال ومسامرة الخيال. بدران ص ٢٢٥. النعيمي. الدارس ٢/ ٦.
(٦) سوق جقمق: أحد أسواق دمشق القديمة. ابن طولون، مفاكهة الخلان ١/ ٤١ و٢/ ٧٨.
(٧) باب السّر: هو باب سر قلعة دمشق وهو الذي في سوق الخجا وسمي باب السر لكون أهل القلعة يخرجون منه سرا ويدخلون سرا وأمام الباب جسر من خشب وتحته الخندق الدائر بالقلعة، وهو عميق ويخزن فيه الماء. إعلام الورى: ابن طولون ص ٧٤. النعيمي. الدارس ٢/ ٤٢.
[ ١ / ١١٦ ]
/نجم الدين أحمد (^١) بن الخيضريّ الشّافعيّ، وحصل للنّاس به من السّرور، ما لا يعبّر عنه.
وفي رابع عشرة، صلّى النّايب بالجامع الأمويّ، واحتفل به أهل باب البريد (^٢)، وأوقدوا له شمعا كثيرا، وصلّى بالمقصورة على يمين المنبر، وأنكر النّاس ذلك لاختصاص ذلك بالسّلطان. وكان ذلك بأمر القاضي الشّافعيّ، ليسمع النّايب خطبته.
وفي سابع عشره، خلع النايب على القضاة، وتأدب معهم غاية التأدّب، وعظّمهم كثيرا، وبالله المستعان.
وفيه توفي الشّيخ الإمام القاضي الخطيب، شمس الدين:
• أبو عبد الله (^٣) محمد بن الخطيب، برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد ابن عليّ بن محمد بن إبراهيم بن يعقوب ابن المعتمد، الشّافعيّ. وكان من سراة النّاس، عقلا، وأدبا، وأصالة، ودينا، وكرما، وتواضعا، وكانت له فضايل، وله نظم قليل. وكانت وفاته بالفالج بمنزله، الذي أنشأه بالقرب من حمّام العلائيّ (^٤) بصالحيّة دمشق. وصلّي عليه بالجامع المظفّريّ. ودفن بالرّوضة، بوصية منه، رحمه الله تعالى.
في مستهل الحجّة كان بداية الطاعون نسأله العافية.