ثم دخلت سنة ١١٥٦، ألف ومئة وستة وخمسين نهار الاثنين غرة محرم، جعلها الله سنة خير ورحمة وبركة. وكان واليًا بدمشق الشام سليمان باشا العظم، وهو في ركب الحج الشريف.
[ ٦ ]
وقد هلَّ هذا العام الجديد، ورطل الخبز الشامي بأربع مصاري وبخمسة، ورطل الأرز بثمانية مصاري، ورطل الدبس بثمانية مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري ولا توجد، مع أنه كان من نحو شهر كل رطل وثمانية أواق بقرش، ولكن الخزان ما أبقى للفقراء قمصان، وأوقية العسل بخمسة مصاري، ورطل اللحم الضأن بثلاثين مصرية ورطل الثوم باثني عشر مصرية، ورطل لحم الجاموس ولحم البقر بعشرين مصرية، وأوقية الزيت بمصريتين وقطعة، وهذا الغلاء ما سمعنا بمثله أبدًا وقد طال المطال، والناس منتظرة للفرج من الملك المتعال.
قال المؤرخ: وفي أوائل هذه السنة الجديدة توفي الحسيب والنسيب السيد أحمد البابا، رئيس حرفة الدباغين، كان ﵀ بهي المنظر ذا هيبة حسنة، ولنا معه صحبة.
وفي رابع وعشرين محرم، كان دخول الجوخدار من الحاج الشريف، يبشر بالسلامة وحسن السيرة، ثم جاء الكتّاب ومعه المكاتيب، ثامن وعشرين محرم نهار الأحد من هذه السنة المذكورة. وفي سلخ محرم صار في دمشق سيل عرمرم، ما رؤي قط مثله من قديم الزمان، وعقبه نزل برد كبير استقام نزوله مقدار ساعتين، حتى علا على وجه الأرض مقدار ذراع ونصف.
وفي أوائل شهر صفر الخير، جاء خبر عن الحج الشريف بأنه غرق في الحسا قريبًا ممن القطرانة، وذهب على ما قيل مقدار نصف الحاج، من خيل وجمال وبغال، ونساء ورجال وأموال وأحمال وقد غرق لأحد التجار سبعة عشر حمل، كل حمل لا يقام بثمن، فاستغاثوا بحضرة سليمان باشا العظم والي الشام، وأمير الحاج، وقالوا: نحن نهب لك مالنا وخذه أنت ولا تتركه للعرب. فحالًا نهض وأخذ معه جماعة، وذهب نحو مرحلة، وقد خاطر هو وجماعته، ثم غاب يومًا وليلة بعدما جدّوا في طلبه، وإذا هو قادم ومعه الأحمال، لم تنقص ولا ذرة. ثم ناداهم وسلمهم إلى أصحابهم، ولم يدنس حجه بشيء. وقد عدوا هذه المنقبة لمثله، من الهمم العالية والمروءة السامية، وبوصولهم أيضًا للبلقة جاء أيضًا سيل عظيم، أخذ مقدارًا عظيمًا من الحج، وأراد أن يتمم على بقية الحج، لولا أن تداركه الله بلطفه. ولما حصل هذا الأمر، كتب حضرة أمير الحاج سليمان باشا توقيعًا، وأرسله إلى الشام وإلى من حواليه، بأن يأتوه بعلف وذخيرة، فنادى المنادي في شوارع دمشق: يا أمة محمد، من كان يحب الله ورسوله، وتمكن من الخروج فليخرج، ومعه ما يقدر عليه من مأكل ومشرب وملبس، فليخرج ليلاقي الحجاج فخرجت الخلق مثل الجراد.
وفي يوم الأحد رابع صفر الخير دخل الحاج، وثاني يوم دخل المحمل الشريف مع حضرة سليمان باشا، وكانت سنة هائلة أخبر الحجاج أن مدّ العليق صار بقرشين، وفي بعض الأماكن بأربع قروش، وكل ثلاث تمرات بمصرية، وهذا شيء ما سمع من قديم الزمان، وبيع كعب البقسماط بثلث قرش. وكانت دمشق أشد غلاءً من غيرها، حتى مدّ الملح وصل ثمنه إلى ثلاثين مصرية، والدبس الأوقية بمصرية، واللبن في آذار رطله بسبعة مصاري، والخبز لا يوجد، والحكام يخزنون، وأهل البلد يفعلون كفعلهم، وإلى الله المصير.
وفي يوم الاثنين ثالث عشر صفر الخير من هذا العام، توفي العالم العامل، الشيخ أمين أفندي ابن الخراط ﵀.
وفي غرة ربيع الأول من هذه السنة شرع حضرة والي دمشق الشام، سليمان باشا ابن العظم في فرح، لأجل ختان ولده العزيز أحمد بك، وكان في الجنينة التي في محلة العمارة، وجمع فيه سائر الملاعب وأرباب الغناء واليهود والنصارى، واجتمع فيه الأعيان والأكابر من الأفندية والأغوات ما لا يحصى، وأطلق الحرية لأجل الملاعب يلعبون بما شاؤوا. من رقص وخلاعة وغير ذلك، ولا زالوا على هذا الحال سبعة أيام بلياليها. وبعد ذلك أمر بالزينة، فتزينت أسواق الشام كلها سبعة أيام، بإيقاد الشموع والقناديل، زينة ما سمع بمثلها، وعمل موكب ركب فيه الأغوات والشربجية، والأكابر والإنكشارية، وفيه الملاعب الغريبة من تمثيل شجعان العرب وغير ذلك. وثاني يوم طهّر ولده أحمد بك، وأمر من صدقاته أن يطهّر من أولاد الفقراء وغيرهم ممن أراد، فصارت تقبل الناس بأولادهم، وكلما طهّروا ولدًا يعطوه بدلة وذهبين، وأنعم على الخاص والعام، والفقراء والمساكين بأطعمة وأكسية وغير ذلك، مما لم يفعل أحد بعض ما فعل، ولم نسمع أيضًا بمثل هذا الإكرام والإنعام، على الخاص والعام، فرحمه الله وجازاه أحسن الجزاء، آمين.
[ ٧ ]
وبعد هذا الفرح العظيم عمل فتحي أفندي الدفتري فرحًا عظيمًا بهذا الشهر، أعني به ربيع الأول، زوج ابنته لأخيه، وكان فرحًا عظيمًا ما عمل بدمشق نظيره، ولا بلغ أحد أنه عمل مثله، وكان سبعة أيام كل يوم خصّه بجماعة: فاليوم الأول خصّه بحضرة والي الشام سليمان باشا بن العظم، واليوم الثاني إلى الموالي والأمراء، واليوم الثالث إلى المشايخ والعلماء، واليوم الرابع التجار والمتسببين، واليوم الخامس إلى النصارى واليهود، واليوم السادس إلى الفلاحين، واليوم السابع إلى المغاني والمومسات، وهم بنات الخطا والهوى، وقد تكرم عليهم كرمًا زائدًا، ويعطيهم الذهب والفضة بلا حساب. وكان قبل الفرح عمل تهليلة، جمع بها جميع مشايخ الطرق.
وفي السادس والعشرين من ربيع الأول بهذا العام توفي نقيب النقباء في دمشق، على الحرف والصنايع والطرق، الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد الحلاق القادري، صاحب الحلقة في الجامع الأموي.
وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الثاني في هذه السنة المذكورة، توفي الشاب السعيد سلالة الطاهرين، وفخر الصديقين، أحمد أفندي البكري الصديقي، وكان من النجابة على جانب ودفن بتربة الشيخ رسلان ﵀.
وفي يوم الأحد غرة جمادى الأولى من هذه السنة، شرع حضرة سليمان باشا ابن العظم، في تعمير وترميم نهر القنوات، وجعل جميع المصارف من ماله جزاه الله خيرًا، واشتغل بها من الفعلة مائتا فاعل، فأمر بقطع بعض الصخر من طريقها، وبتشييد أركانها وإصلاح ما فسد منها، ورفع جدرانها، وبضبطها ضبطًا جيدًا وبإصلاح فروض مستحقيها على الوجه الحق، وأن يأخذ كل ذي حق حقه. فكانت هذه العمارة والضبط ما سبقه إليه أحد من عهد إصلاحها من أيام التيمور لما أصلحت بعده، وقد تمت عمارته في برهة خمسة عشر يومًا في أول مربعانية الصيف. ولما تم أمر بإطلاق النهر، فكان إطلاقه على أهل دمشق فرجة من أبهج الفرج، ويوم مثل يوم الزحام. وقد أرّخ هذه العمارة شيخ الأدب في الشام الشيخ عبد الرحمن البهلول، مادحًا حضرة الوزير سليمان باشا ومشيرًا لتاريخ تتميم البناء، فقال:
جزى المولى أمير الشام خيرا سليمان الزمان ودام دهرا
بما قد جدد القنوات صدقا بإخلاص زكا سرا وجهرا
فيا طوبى له إذ نال أجرا على مرّ الليالي مستمرا
له في كل مكرمة أياد بإحسان علت وهلم جرا
فكم صنعت يداه وجوه بر بها أرخ سبيل الخير أجرا
وفي نهار الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى توفي الشيخ الفقيه العالم الشيخ علي، مدرس جامع عز الدين في باب السريجة، وقد ناهز الثمانين، رحمه الله تعالى.
وفي يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، قامت العامة وهجمت على المحكمة، وطردوا القاضي ونهبوا الأفران. وسبب ذلك كثرة الغلاء والازدحام على الأفران، وقلة التفتيش على صاحب القمح والطحان والخزان، فتلافى حضرة الوالي سليمان باشا هذا الأمر، وأرسل يشدد على الطحانة والخبازة، ويهددهم ويخوفهم فحالًا وجد الخبز، وتحسن وكسد، بعدما كانت غالب الناس تبات بلا خبز، فابتهلت الناس بالدعاء لحضرته.
وفي سادس جمادى الثانية من هذه السنة، توفي الشيخ مصطفى ابن شيخنا وأستاذنا شافعيّ زمانه، وفاضل أوانه الشيخ محمد العجلوني، من افتخرت به محلة القنوات، ﵀. وبالأمر المقدور، توفيت زوجته أول يوم، ولحقها ثاني يوم، رحمهما الله تعالى.
[ ٨ ]
وفي سابع جمادى الثانية من هذه السنة، خرج سليمان باشا قاصدًا قتال الظاهر عمر، حاكم قلعة طبرية، واستصحب معه من العسكر نحو خمس مئة رجل، ألبسهم قلابق. وكانوا يشبهون الأرنؤوط وسماهم الأرانطة. وجاءه فرمان من الباب العالي بأن يخرج معه والي صيدا ووالي طرابلس والقدس وغزة والرملة وإربد، وقيل ركب معه من جبل الدروز عشرون ألفًا ويوم العاشر أرسل إلى أغاوات الإنكشارية، وأن يرسلوا له ثلاث مئة إنكشاري، وما بقي من العساكر يرسلونهم لمحافظة قرى حوران. وأرسل أيضًا إلى عامة قرى الشام بأن يخرجوا من كل قرية عشرة أنفار، ليحافظوا مع الإنكشارية أيضًا. ثم سار بتلك الجموع، وحطّ على مرج القَدَس بفتح القاف والدال في بلاد المتاولة، وأرسل طلب الأمير ملحم، فجاءه ومعه مئتا خيال. وبعد مدة جاء خبر لدمشق، بأنه وقع قتال بين الدروز والمتاولة، فقتل من المتاولة أكثر من ألف وحرقت الدروز بلادهم ونهبت أموالهم. ثم صالت المتاولة على الدروز فقتلت من الدروز نحو خمس مئة رجل، وكان معهم الأمير حيدر صاحب قلعة دير القمر، فنهاهم الباشا، فاعتذروا له فتركهم وشأنهم. ثم رحل حضرة سليمان باشا، طالبًا قلعة دير حنا وأخذ معه شيخ المتاولة نصار ومعه نحو من أربع مئة إنسان، ورجع الدروز، ولم يرض معاونتهم، وكان في قلعة دير حنا أبو سعد أخو الظاهر عمر.
قال البديري: وفي تلك الأيام جاء الخبر إلى دمشق، بأن القافلة التي سارت إلى بغداد أخذتها العرب، وكان بها من الأموال ما لا يحصى بقلم، ومن جملتها هدية وافية من حضرة سليمان باشا والي الشام، إلى أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد. وقد نقلت الرواة بأن العرب الذين أخذوا القافلة من أعوان الخارجي، الذي خرج من بلاد العراق، ويسمى طهماسب الذي تغلب على ملك العجم وأخذ بلاده، وعلى ملك الهند وأخذ بلاده، وقصد مدينة بغداد وحاصرها أشد الحصار.
وفي سابع يوم من رجب، جاء خبر لدمشق بأن سليمان باشا ابن العظم قد مات، ودخل في خبر كان، فحالًا قام فتحي أفندي بن الفلاقنسيّ، دفتردار الشام، وختم على دوره وخزائنه وأملاكه. وأقام على ذلك حرسًا بالليل والنهار، وقرر علي آغا المتسلم على حاله، وكتب بذلك عرضًا، وأرسله للدولة العلية.
وفي ليلة الخميس ثامن رجب من هذه السنة، في وقت الفجر أدخلوا سليمان باشا في تخت، وأدخلوه لسراية الحكم، وغسّلوه بها ودفنوه ضحوة النهار في مدفنهم في باب الصغير، بجوار سيدنا بلال الحبشي، في القبر الذي فيه ولده إبراهيم بيك، بوصية منه رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فقد كان وزيرًا عادلًا، حليمًا صاحب خيرات ومبرات، محبًا للعلماء وأهل الصلاح. وقد أبطل مظالم كثيرة كانت على أهل الشام، مثل الشاشية والمشيخة والعرض، وهي أموال تفرض على الحرف والصنائع والحارات في الشام مرة أو مرتين في السنة.
[ ٩ ]
قال المؤرخ البديري: وقد أخبرني بعض من أثق به عن سبب موته، وهو أنه دخل إلى حمام عكة، وخرج منه محمومًا، وأن الظاهر عمر حاكم طبرية أرسل له كتابًا، يطلب منه الصلح فأبى، وقال لا يمكن إلا برأسك. فأرسل الظاهر عمر يستغيث به، ويقول خذ من الأموال ما تشاء، ودع سفك الدماء والقتال، وارحم النساء والأطفال، فلم يقبل سليمان باشا إلى أن دخل الحمام وخرج محمومًا، وعلم أنه ميت لا محالة، ثم إنه أوصى أن يرحل به إلى الشام ويدفن عند ولده، ثم قضى نحبه رحمه الله تعالى. فكتم الأمراء موته، ورحل ألاى بيك وأكابر الدولة كخية سليمان باشا من عكة، ومعهم العساكر والمدافع، وقربوا من طبرية، ثم ضربت المدافع، ونزلوا على طبرية، بعدما وضعوا الباشا في التخت وحوله الجوخدارية، والغلمان تروّح له بالمراوح يمينًا وشمالًا، وأمروا الخدام أن تنادي بالعسكر وهم مارين: الله ينصرك يابو خرما يا سليمان باشا. ثم أمر أن تفرد البيارق وتصطف العساكر وتسير، ومرّوا على طبرية، ولم يدر أحد ما جرى. ولما وصلوا إلى جسر بنات يعقوب بلغهم أن خمسة آلاف من المتاولة كامنين لهم، فرحلوا أول الليل وجدّوا في السير، فلطف اللطيف، ووصلوا للشام طلوع الفجر. ويوم دخولهم قامت الإنكشارية وقتلوا جماعة من الدالاتية تعديًا بلا سبب. وأما فتحي جلبي الدفتردار فإنه أمر بسجن السلحدار والخزندار والسيد محمد بيك، ابن عم سليمان باشا ومحمد آغا الديري، وكيل الخرج والمتصرف بدمشق الشام. وكان سجنهم في باب الآغا، ورسم على من معهم من الجماعة، وأقام ينتظر الجواب.
وفي نهار الأربعاء، رابع عشر شهر شعبان من هذه السنة، ورد خبر بأن أسعد باشا بن العظم، الحاكم في حماه، قد تقررت عليه ولاية دمشق الشام مع إمارة الحاج. فأبقوا متسلمها علي آغا المتقدم ذكره إلى حين حضور الباشا المذكور.
وفي ذلك النهار جاء ثلاثة نجابة من المدينة المنورة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وأخبروا بأن المدينة محاصرة وأنها ثلاثة أحلاف: حلف مع غزة القلعة، وحلف مع الطواشي، وحلف مع أهل المدينة، وأنهم في قال عظيم، وأن شريف مكة أرسل إلى الطواشي خمسة عشر بيرقًا تساعده على ذلك، وأن النجابين المذكورين، قاصدين اصطنبول، ليخبروا حضرة السلطان بذلك الحال.
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان المبارك الواقع في سنة ١١٥٦، كان دخول أسعد باشا ابن العظم لدمشق الشام واليًا. وكان دخوله من مسجد الأقصاب، وهي المحلة المشتهرة عند أهل الشام بمز القصب. ودخل بموكب عظيم من الإنكشارية وأكابر دمشق وأمرائها وأعيانها.
وفي ليلة السبت، حكم قاضي دمشق بإثبات هلال رمضان، وضربت المدافع قبيل العشاء، وصليت التراويح في جامع الأموي وفي سائر الجوامع.
وفي ليلة الخميس خامس رمضان المذكور، سافر أسعد باشا بعسكره على الدورة، وترك على البلد المتسلم علي آغا المتقدم ذكره. وكان خروجه بزمن معتدل، والبلد بأمن وخير كثير، فرطل الخبز بخمسة مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، ورطل الأرز بتسعة مصاري، ورطل اللحم بثمانية عشر مصرية، وغرارة القمح بخمسة وعشرين قرشًا. والغلاء بهذه الدرجة، ولم يكن محل ولا جراد، ولا قلة مطر، ولكن من قلة التفتيش، والالتفات. وقد سافر حضرة أسعد باشا، وأبقى المتسلم المذكور آنفًا، وقد ترك كل شيء على حاله.
وقد توسط فتحي أفندي الدفتري في الصلح بين الظاهر عمر حاكم طبرية، وبين حضرة أسعد باشا. فأرسل له الظاهر عمر أربعين حملًا محملة أرزًا وسكرًا وجوخًا، وهذا ما عدا لفتحي الدفتري مما اختص به، فإنه كان هو السلطان في الشام، وصاحب نفوذ الكلام، وكلامه يقتضي الأشغال، والأمر المفوض لذي الجلال.
وفي تلك الأيام وصلت الأخبار بأن الخارجي المسمى بطهماسب، وصل إلى أرض العراق، وأخذ مدينة كركوت، ومحاصر الموصل وبغداد، وقد باع الحريم والأولاد، نسأله الله تعالى اللطف بالعباد.
[ ١٠ ]
وفي تلك الأيام، رجعت الإفتاء إلى حامد أفندي ابن العمادي. وفي ليلة السبت خسف القمر، بعد نصف الليل خسوفًا فاحشًا، وبقي إلى أن طلع النهار. وفي رابع عشر شهر رمضان من هذا العام، ألقى رجل نفسه من أعلى منارة جامع الدقاق إلى الأرض؛ فهلك سريعًا، بعد أن تكسر جسمه؛ واسمه الشيخ حسن بن الشيخ يوسف الرفاعي. فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا إن أخا زوجته أتى بامرأة إلى بيته، وكانت من الخطيئات، فنهاه عن ذلك، فنهره وضربه، فذهب فأخبر أكابر الحارة، فلم يلتفتوا إليه لأنهم فوق ذلك بالانغماس، فذهب إلى جامع الدقاق، وصلى الصبح مع الإمام، وصلى على نفسه صلاة الموت، وصعد المنارة ونادى: يا أمة الإسلام، الموت أهون، ولا التعريص مع دولة هذه الأيام، ثم ألقى نفسه إلى الأرض، عفا الله عنه.
وفي ثامن عشر من هذا الشهر رمضان، وضع رجل يقال له المجرى، طبنجة في بطنه وقتل نفسه، فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا هذا رجل عليه دين، فقتل نفسه من شدة كربه وقهره، مع أنهم أخبرونا أنهم وجدوا عنده نحوًا من خمسة أكياس قمح مخزونة، فما سمحت نفسه أن يبيع شيئًا منها ويوفي دينه، فخسر دينه ودنياه.
وفي يوم الثلاثاء في الخامس والعشرين من رمضان، في هذه السنة، أغلقت أهل الشام دكاكينها، وقامت الأشراف على بيت فتحي أفندي الدفتردار. وسبب ذلك أن تابعًا من أتباع فتحي أفندي، يقال له العفصة، شتم السيد علي أفندي النقيب، وسحب عليه السلاح، وعلى السيد علي أفندي بن الشيخ مراد الكسيح في جامع الأموي. فاجتمعت الأعيان، وعملوا ديوان كذا، وأخرجوا فتوى في قتله وإباحة دمه. فوقع التفتيش عليه، فتخبأ في بيت مصطفى آغا بن خضري الشربجي في الميدان، وكان هذا لعفصة قوّس السيد علي أفندي المرادي، وهو داخل إلى داره فلم تصبه، فانزعجت البلدة، واجتمعت الأكابر والأغاوات والقبجية والبلطجية وأمن الصرة عند القاضي في المحكمة، وعملوا عرض كذا في فتحي أفندي الدفتردار، بأنه من أعظم المفسدين هو وأتباعه، وأرادوا أن يرسلوه إلى الدولة العلية، ولكن انتظروا مجيء حضرة أسعد باشا من الدورة ليختمه، وثاني يوم بطلت همتهم، وكان كلامهم كما قيل: كلام الليل يمحوه النهار.
وفي ليلة الجمعة ثامن والعشرين من رمضان، وجد في جامع الأموي، عند باب الكلاسة، رجل شحاذ مذبوح، وعلى صدره فلوس مبدورة، وما ظهر غريمه، وقيل ظنوا أنهم ذهب، فذبحوه لذلك فلما وجدوهم فلوسًا بدورهم عليه بعد قتله.
وفي يوم الخميس رابع شوال، قدم أسعد باشا من الدورة، وفي تاسع شوال توفي علي آغا بن الترجمان، وكان رجلًا ثناؤه بين الناس جميلًا. وكان قبل يومين، عمل أسعد باشا ديوان كذا وجمع فيه الأكابر والأعيان، وسعّروا الحنطة والخبز، فجعلوا غرارة الحنطة بخمسة وعشرين غرشًا، ورطل الخبز بخمسة مصاري. وهذا أمر التسعير لا يستقيم على الخصوص في الشام.
وفي يوم الاثنين، خامس عشر شوال، رحل أسعد باشا أميرًا للحاج بالمحمل الشريف، متوجهًا إلى مكة المشرفة، ونهار السبت في عشرين شوال رحل الحاج الشريف وكان الفصل فصل الشتاء، والسماء صاحية، وكان غلاء وبعض الطاعون. وبعد سفر الباشا بقي رطل الخبز بخمسة مصاري، ولكن صارت غرارة القمح بثلاثين قرشا. ثم ضجت العامة، ورجموا القاضي، وما أفاد شيء.
قال المؤرخ البديري: وفي ذلك اليوم أفادنا أستاذنا شيخ قرّاء الشام، الشيخ إبراهيم الحافظ، ومن قال في حقه أستاذ الشام الشيخ عبد الغني النابلسي: من أراد أن يسمع القرآن كما أنزل، فليسمعه من فم الشيخ إبراهيم النابلسي، أفادنا بقراءة هذا الدعاء المبارك، وخاصيته لهجوم المخاوف في السفر والحضر، وهو هذا الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم. لقد جاءكم رسول من أنفسكم.
عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم.
بسم الله الخالق، الطائل الأكبر، حرز لكل خائف، لا طاقة لمخلوق، مع الله ﷿، اللهم إني في حماك وتحت لوائك، فارحم حماك وانشر علينا لواءك واكشف عنا بلاءك الخارج من أرضك، والنازل من سمائك مطشين، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
[ ١١ ]
وفي نهار الثلاثاء، الثالث والعشرين من شوال توفي الشيخ العالم الفقيه الواعظ الشيخ أحمد الخطيب. الواعظ والإمام في جامع الدقاق في محلة القبيبات قبلي دمشق الشام، وهي الميدان التحتاني عند باب الله. قال المؤرخ: وتلك المحلة بها مولدي، ومسقط رأسي وبها منزلنا، وبعد وفاة والدنا انتقلنا منها إلى محلة التعديل. وكان الشيخ أحمد المذكور رجلًا فاضلًا، فقد أحيا تلك المحلة بالعلوم والدين، وانتفع به كثير من المسلمين.
وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال من هذه السنة، قدم سلخور من جهة السلطان، بتحصيل مال سليمان باشا، وقدره اثنا عشر ألف كيس، ودخل الشام مثل شعلة النيران، وأخرج حرم سليمان باشا من ديارهم إخراجًا شنيعًا، وصاروا يفتشونهم كذا، واحدة واحدة، مع التفتيش في جيابهم وأعبابهم، وختم على جميع مخادع الدار، وأمر بالقبض على ابن عم المرحوم سليمان باشا، وهو السيد محمد، وعلى جماعة أخرى معه، وأمر بالترسيم الشديد عليهم، وسأل عن محمد آغا الديري، وكيل خرج سليمان باشا، فأخبروه أنه ذهب مع أسعد باشا إلى الحج، فأمر بجلبه، فجاؤوا به، وأمر بالترسيم عليه.
قال المؤرخ البديري: ثم أحضر السلخور القاضي والأعيان، واستجلب حرم سليمان الباشا، وأحضر الجلاد وآلة العذاب، وشدّد على الحريم بالطلب، وأن يعلموه عن المال أين مخبأ، فلما رأوا التشديد خافوا من العذاب وأقروا له عن بعض مخابئ تحت الأرض، فأرسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا، وكانوا نصارى، وكان المعلم نصرانيًا يقال له ابن سياج، فأمر القبجي بتعذيبهم، وقطع رؤوسهم وأيديهم، فلما تحققوا عذابهم قالوا: نحن ندلك على كل ما عمل ثم أنهم حفروا له تحت الدرج، فبان عن سرداب، فرفعوا عنه التراب، ونزلوا في درج، فظهر مكان واسع وفيه صندوق مقفول وعليه غالات وقفول، فأخرجوه وفتحوه، فرأوه ملآن من الدراهم والريالات. ثم أخرجهم النصراني إلى مخدع، فحفر في دوائره، فإذا فيه سبع براني مملوءة من الذهب المحبوب السلطاني، فلما رأى الحاضرون ذلك الحال زاغت منهم الأبصار، ثم عدوه وضبطوه، فوجدوه ثمان مئة كيس وخمسين كيسًا. فلما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، مع سوء الحال، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوّع النساء والرجال والبهائم والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال، ولم يراقب الله ذا الجلال.
وقبلا جاء قبجي لضبط مال سليمان باشا، فضبط ألفين وخمسين كيسًا، فلم يره بشيء كذا. وقد كان فتحي أفندي الدفتردار اشترى غالب متاعه والأغلال، فكان عنده من القمح ما بلغ ثمنه خمسة وعشرين كيسًا، وبلغ الغرارة بخمسة وعشرين غرشا، والكيس بخمس مئة غرش، فانظر كم غرارة بخمسة وعشرين كيسا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وسيأتي الكلام على بطش الله، وغضبه بالدفتري المذكور، لأن الله تعالى يمهل ولا يهمل. ولا تحسبنّ الله غافلًا عما يعمل الظالمون.
وفي اليوم الرابع والعشرين، وهو يوم السبت من شهر ذي القعدة، توفي الشيخ محمد المكتبي، هو وابنه، في الطاعون المشتد في هذه الأوقات. وكان إمامًا في الجامع القلعي، وشيخ كتاب في محلة الخراطين، فتوفي هو في أول النهار، وابنه في آخره. وكان مبدأ هذا الطاعون أول الخريف، في أواخر الصيف، واستمر حتى دخل الشتاء وزاد كثيرًا، وقد قيل بدخول السنة الجديدة يذهب.
وفي أوائل ذي الحجة، طلع نجم له ذنب، من جهة الغرب، ويستمر إلى ما بعد الشتاء بقليل واستقام إلى أن دخلت السنة الجديدة.