ثم دخلت سنة ستين ومئة وألف، وكان غرة محرمها نهار الخميس، وفي نهار الاثنين خامس محرم الحرام من هذه السنة الموافق لأول كانون الثاني زادت المياه بسبب سيل عظيم، ودخوله للشام كان نصف الليل، فحصل طوفان لم يسمع له نظير من قديم الزمان، هجم الماء من نصف الليل إلى الشام، وأغرق جميع ما كان في طريقه من الدكاكين، وأتلف أموالًا كثيرة لا تعد ولا تحصى، حتى صار المرجة كالبحر، ومع ذلك الماء يخطف الطير، وله خرير ودويّ وهدير. وقد غطت هذه الزيادة حجر تاريخ القلعة، ومرت في الأسواق والدور وأخرجت شيئًا غير محصور، وقد صارت تحت القلعة وفي المناخ بالارتفاع طول قامة الإنسان.
قال المؤرخ البديري: وقد دخلت إلى قهوة المناخلية بعد انصراف الماء فوجدت الماء في أعلى مساطبها أعلى من ذراع، وقد شاب من هولها الكبير والصغير. وقد غرق بها أناس غير محصورين، مع ما أتلف من البهائم والأموال وقد أضرت بجميع ما مرت عليه وانهدمت أماكن كثيرة لا تحصى وتركتها بلاقع. نسأله تعالى اللطف في المقدور آمين.
وفي خامس صفر كان قدوم الحاج الشريف، وقد أخبرت الحجاج بأن هذه السنة من أجمل السنين وأحسنها، وجميعهم شاكرون وداعون لحضرة أسعد باشا بالدوام، من كثرة ما حصل لهم في الطريق من الراحة والخير والإنعام من حضرة الباشا لعموم الحجاج، فجزاه الله أحسن الجزاء آمين.
وقدم مع أسعد باشا من الحجاز في هذه السنة باكير شاه والي جدة، وأقام في دار فتحي أفندي المتقدم نحو شهرين في الشام، ثم سار قاصدًا حماه، ولم يعلم ما سبب مجيئه. وعاد أيضًا مع الركب الشامي شيخ الإسلام وأقام مدة في الشام، وسار طالبًا إسلامبول. وكان رجلًا كبير السن وقورًا، ما حرّك ساكنًا في الشام مدة إقامته.
وبعد قدوم الحج خزنة مصر إلى الشام، وقد تأخرت عن ميعادها. وقد شدد الطلب حضرة أسعد باشا بعد مجيئه من الحج على الزرب الأشقياء، فقبضوا على أمين ابن الحديد وعلى عبده بن حمزة عنبر، فأمر بقتلهما فقتلا شر قتلة. وقد زادت الدالاتية الاعتداء والجور، وخربوا البلاد والقرى، فكثرت الشكاية منهم إلى والي الشام أسعد باشا، فكتب للدولة عليهم في شأنهم، فجاءه مرسوم بإبادتهم، فأمر مناديًا أن ينادي كل من أقام من الدالاتية في الشام أكثر من ثلاثة أيام من أهل الفساد والعناد فدمه مهدور، ثم بعد أيام ظهرت الدالاتية ولم تتم القضية والحكم لله عالم الخفيّة.
[ ٢٠ ]
وفي يوم الأربعاء جاء خبر بأن عرب عنزة نهبت عرب الرشا، وأن الأكراد الذين كانوا مع عرب عنزة أخذوا جميع ما نهبوه وسلبوه من مال وجمال وغنم ونساء. وكانت الغنم كثيرة لا يحصي عددها إلا الله، وأن الواقعة كانت مهولة، وأنه قتل من الفريقين خلق كثير. والمساعد للعرب حضرة أسعد باشا على ما قيل. فجاؤوا بالأغنام إلى الشام. وقد كان أهل الشام في غلاء اللحم وأكل الذرة والشعير لهم سنين، فبيع رطل اللحم في هذه السنة بسبعة مصاري وثمانية إلى العشرة، مع علم الناس أنه سلب حرام، فمنهم من ترك أكله وهم أقل من القليل، والباقي وهم عموم الناس لم يبالوا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال المؤرخ البديري ﵀: وكان الجراد مفرزا من العام الماضي في الشام وأراضيها، فلما جاء الربيع صار يظهر شيئًا فشيئًا إلى أن ظهر مظهرًا شنيعًا، وبدأ يزحف مثل النمل والذر، فبدأ يأكل الزرع ويتلف النبات، فوقعت الناس في كرب عظيم. فنبه حضرة أسعد باشا حفظه الله على الفلاحين عمومًا بأن تجمعه وتأتي به. وقد فرض على الأراضي الخُمس كل أرض قنطارين، وكذلك القرى والضياع، كل ضيعة شيئًا معلومًا يجمعونه. فجيء به أحمالًا وأمر به أن يدفن، فدفن منه بعض في مغارة عند مقبرة البرامكة وردم عليه، ثم صاروا يحفرون حفاير في قبور النصارى واليهود ويضعونه فيها. ثم لم يزل يكثر وينتشر، فأمر حضرة أسعد باشا أثابه الله بأن تعاد الفريضة على كل قرية من قرى دمشق، مئتا قنطار، وأن من لم يأت بالمطلوب فعليه جزاء كذا، وأمر أيضًا حفظه الله بعض المأمورين أن تضبط عليهم، وأن يضعوه في جبل الصالحية في آبار ومغاير.
قال المؤرخ البديري: وبلغني أنه في ثلاثة أيام وضعوا في الصالحية ألف وسبع مئة قنطار من الجراد، عدا ما وضع في المغاير والآبار في غير الصالحية.
وفي يوم الاثنين سلخ ربيع الثاني من هذه السنة جاء خبر إلى دمشق بأن الطير المسمى بالسمرمر قد جاء ومرّ على قرية عدرا وضمير، وأتلف من الجراد شيئًا كثيرًا، ففرحت أهل البلاد سيما أهل الشام. فخرجت أهل الصالحية ومعهم المشايخ والتغالبة والنساء والرجال والأطفال بالبكاء والعويل والتضرع إلى الله تعالى بدفع هذا البلاء ورفع الغلاء، ثم زينت أهل دمشق فرحًا بوصول السمرمر أحسن زينة.
وفي هذه الأيام شاع خبر بدمشق بأن في الشام امرأة يقال لها السماوية تمسك الأولاد بالاحتيال والرجال أيضًا، لأجل أن تخرج السمّ منهم، فخافت الناس وكثر الفزع، وصارت الناس توصي بهم بعضًا منها. وبعد مدة أيام وقعت ضجة بين الناس، فقيل ما الخبر، قالوا: قبضوا على السماوية، وإذا هي امرأة عجوز قبضت عليها العامة، وخلفها الأولاد والرجال كالجراد، وهم يضربونها ضربًا وجيعًا، وذهبوا بها لعند القاضي، فسألها عن حالها ومن أين أتت. فقالت: والله يا سيدي أنا امرأة فقيرة الحال ولي أولاد وعيال، وهذا القول عني زور وبهتان. قال: فأمر القاضي بتفتيشها وتفتيش بيتها، ففتشوها فإذا معها لعب يلعب بها الأولاد والأطفال، وفي جيبتها طواقي كبار وصغار، ثم ذهبوا وفتشوا بيتها، فلم يجدوا فيه غير متاع عتيق وقطعة من الحصير، ثم شهد جيرانها بأنها امرأة فقيرة الحال، ولها زمان قاطنة في هذا المكان، ولم نعلم لها سوء حال، ثم أطلقوها فذهبت لحال سبيلها.
[ ٢١ ]
ثم في تلك الأيام كثر الجراد وأضرّ بالعباد، وكأن الناس لم يجمعوا منه شيء كذا، وهذا كله مع ازدياد الفجور والفسق والغرور والغلاء والشرور. فخرج الشيخ إبراهيم الجباوي ومعه التغالبة بالأعلام والطبول، وقصدوا زيارة السيدة زينب، واستغاثوا عندها بكشف البلاء عن العباد، ورجعوا آخر النهار، ثم داروا حول مدينة دمشق، ومروا أمام باب السرايا وعملوا دوسة، وصار حال عظيم وبكاء شديد، وشعلت قناديل الرجال أصحاب كذا، وهم يدعون بهلاك الجراد ورفع البلاء. وبعد يومين جاءت أهل الميدان بطبول وأعلام وحال وصريخ، وقصدوا جامع المصلى بالدعاء برفع الجراد وهلاكه. ويقولون: يا من له المراد في كل ما أراد، بالمصطفى الحبيب فرّج عن البلاد فلم يفد ذلك. فكيف يفيد ذلك وأكثر النساء قد باحت، وبنات الهوى وهم كذا الخاطئات دائرات ليلًا ونهارًا بالأزقة والأسواق، ومعهم الدالاتية والفسّاق، ولا أحد يتكلم بقيل وقال، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر، والصالح في همّ وكرب، والفاجر والطالح متقلب في لذيذ نعيم، اللهم فرّج آمين.
وفي يوم الخميس ثامن جمادى الأولى من هذه السنة أمر حضرة الباشا على الإنكشارية في الشام والزعماء والسباهية وكل قرية عشرة أنفار بالمسير إلى جبل الدروز، وأمر أن تعمّر في البقاع أفران لأجل خبيز الخبز. وبلغنا أنه جاءه فرمان بأن يكون معه باشا صيدا وباشا طرابلس لمساعدته، وأمر المتاولة بأن تساعده على حربهم. وكان الزمن في شهر أيار، والزروع في الأرض باقية، ما حصد منها شيء، فخافت الخلق من تلك الأحوال، والغلاء واقع بالشام، ورطل الخبز من سبعة إلى ثمان مصاري.
وفي ليلة الخميس خامس عشر جمادى الأولى من هذه السنة قتل أسعد باشا العظم السيد صالح بن إبراهيم بيك السوقية. فسألنا عن السبب، فقيل إن أباه اشتكى للباشا أن ولده صالح تكلم مع أبيه بكلام فاحش، وأراد أن يقوّسه، فأرسل حضرة الباشا وأمر أن يؤتى بولده مهانا، وعند المساء أمر بخنقه فخنق ورمي، والأمر لله.
وفي يوم الجمعة بعد الصلاة برز حضرة أسعد باشا إلى المرجة وأمر بأن تعرض عليه عسكر الشام من الإنكشارية والزعماء، ثم رحل، وبعد ثلاث أيام من رحيله تبعته أوجاقات الشام. ولما وصل إلى البقاع خرّب بعض قرى للدروز وحرق ونهب وقتل، ثم أغار هناك على عرب يقال لهم الفريخات، وهاوشوه مدة أيام، ثم نجوا بطرشهم والعيال، وتركوا الخيام والمال، وذلك بعدما قتلوا جماعة من عسكر الباشا وجرحوا. وبلغنا أنهم كانوا طائعين. وأرسل يطرح بقرهم على الضيع والأصناف، وعمل عملًا يؤدي إلى الخلاف، ثم نزل في البقاع وأمر بحصد زرع الدروز، فحصدوا مغل البقاع. والغلاء متزايد، والجراد في أرض الشام زايد، لكن الله ملجمه رحمة بخلقه.
وفي يوم الخميس ثامن جمادى الثانية قبل قدوم مربعانية الصيف بخمسة أيام صار رعد وبرق مخوف، وأرمت السماء بمطر كأفواه القرب، وقبل ذلك بأيام صار رعد كثير من غير مطر. فهذه الأحوال عبرة لمن اعتبر.
وقد بلغني عن حضرة أسعد باشا حينما كان بجبل الدروز أنه جاءته شكاية من أهل قتيل سني على رجل درزي، أنه كان مشاركًا لرجل تركماني على نحو خمس مئة رأس غنم، وأن الدرزي اغتال شريكه التركماني فقتله، فأمر حضرة الباشا أن يفتش على الدرزي، فقبض عليه وأمر بقتله، فقتل، واستلب الغنم التي عنده وأرسلها إلى الشام، وبيعت طرحًا على لحامة الشام، كل رأس بثمانية غروش، والذين اشتكوا ما أعطاهم درهمًا ولا دينارًا، ولله الأمر.
وفي هذه الأيام ورد إلى دمشق الشام ثلاثة يهود من مدينة حلب، ولهم مهارة في ضرب الآلات بأحسن النغمات، فصاروا يشتغلون في قهاوي الشام، ويسمعهم الخاص والعام.
[ ٢٢ ]
وفي منتصف جمادى الثانية بلغني أن بعض عسكر أسعد باشا قيل هم المغاربة تحرش بالدروز، وذلك حينما كان الباشا وعساكره مخيمين ببلادهم، وأطلقوا عليهم الرصاص، ووقعت المناوشة بالقتال، نهض حضرة الباشا على قدميه، وكان جالسًا على الغداء، وأخذ بيده رمح كذا وقيل تدرّع، وطلب أمام عسكره القتال، وأخذ بين يديه إنكشارية الشام، وكان عليهم محمد آغا بن عبد الله آغا كمش أغلى. فصاح الآغا على جماعته وطلب الغارة وحده وتبعه الباشا وبقية العسكر، وجرّوا المدافع وجدّوا الغارة طالبين فم الجبل، والرصاص منهم وعليهم مثل المطر، فكان أول من انهزم عسكر الدالاتية أهل الكبر والجبروتية. ولم يصب أحد ولله الحمد من عسكر أوجاق الشام سوى رجل من إنكشارية بعلبك. ثم إن حضرة أسعد باشا عنّف عسكر الدالاتية بعد غضب منه شديد، وقال لهم: تبًا لكم من أعوان، ولمن اتخذكم من أنصار، تأخذون العلايف والمال وتهربون من الحرب والقتال، والمتطوعون يقاتلون لله ورسوله، ويتسابقون للحرب، مع ما قد فعلت معهم من الفعال من قتل وسلب وخراب ديار، ولكن سوف أعرف لهم هذا الأمر وأزيل عنهم الشر والقهر. ثم إنه دعا أوجاق الشام وأوعدهم بالإحسان والإكرام. ثم بقي كذا الحرب في اشتعال بقية ذلك النهار، ثم أخذ حضرة الباشا المدافع إلى الجبل، وحلف الأيمان المعظمة أنه لا يرجع عن الجبل، حتى يرمي كل من فيه بالهلاك والتلف، ويجعلهم أحاديث. ثم كتب إلى حمص وحماه والمعرّة والشام بأن يجردوا له الرجال الأجلاد، وطلب من كل قرية خمسة عشر نفرا، وعمل على أهلها كل واحد أجرته نصف غرش، وأرسل فرض عليهم بعض أنفار، وأكثر عليهم من فرائض الأموال. وشدد الأمر على الناس حتى ضيّق منهم الأنفاس، وزاد عن القياس. وكان قد قتل من أهل الجبل أربعة أنفار من كبارهم مع من قتل ذلك النهار، ومع ذلك فقد طلبوا الصلح ووزنوا له المال، فأبى إلا القتل والسلب. وكان قبل الواقعة بأيام أمر حضرة الباشا بأن تحصد الغلال التي للدروز وغيرهم وأمر بضبطه، وكلما جمعوا شيئًا نهبوه، وقد كانت بركات كثيرة، لأن إقبال هذا العام شيء كثير ما سمع بمثله، وغالبه اندرس تحت الأقدام. وكان رطل الخبز بدمشق بستة مصاري. فلما جاء القمح الجديد باعوه بخمسة مصاري، وبعد يومين نادوا على الرطل بثلاثة مصاري. وقالوا: يا رعية قد أنعم عليكم رب البرية، رطل الخبز بثلاثة مصاري. وثاني يوم اشتغل البرطيل والرشوة للمتسلم موسى كخية وغيره من لأهل الظلم، فحالًا سمعوا مناديًا ينادي لا أحد يبيع رطل الخبز بأقل من أربعة مصاري. وقيل كان ذلك من شيخ الطحّانة، وكان يُلقب بالتخان، عامله الله بما يستحقه آمين. وكانت الحركة المتقدمة التي أزعجت الباشا سببها من الله، والجزاء من جنس العمل، لأنه حضرة الباشا قد أخذ بيد التخان المذكور، وهو شيخ الطحانة، وقد أمره الباشا أن يبيع قمحه على سعر الغرارة بخمسة وثلاثين قرشًا. ثم بعد مسير الباشا وهو يوم الحركة كان قد نزل سعر القمح، فصار ثمن الغرارة خمسة وعشرين غرشًا، فلم يقدر أحد أن يبيع بهذا السعر إلا خفية. وقد ضاق الأمر على الفقراء والمساكين. وكان كل من تحرك من العامة ربطوه بحبل طويل، وجرّوه إما إلى العذاب وإما إلى القتل وسلب المال والعرض. والأمر لله العلي الكبير.
[ ٢٣ ]
قال المؤرخ البديري: وقد بلغني عن أسعد باشا وهو نازل إلى جبل الدروز بلغه بأن ضيعة من ضيع البقاع إلى الدروز، فأمر بعسكره بنهبها وسلبها، فلما وصلوا إليهم تلقتهم أهلها بالبشر والفرح والسكون، وهم عمّا يراد بهم غافلون، ثم أنزلوهم وذبحوا لهم وضيفوهم، فنزلوا وأكلوا واكتفوا، ثم قاموا وجردوا عليهم السيوف، فصاحوا عليهم لا تفعلوا أنتم أصدقاؤنا ونعم الضيوف. فلم يسمعوا بل قتلوا منهم جماعة وجرحوا، فطلبوا الهزيمة حالًا وفروا من وجوههم، فنهبوا متاعهم ومصاغهم وأموالهم. ثم طلبوا النساء فانهزمن من بين أيديهم، ودخلوا بعض البساتين هناك، وكانوا يزيدون على ثلاث مئة امرأة وبنات أبكار، فهجم عليهم كذا ذلك العسكر، ومسك كل واحد منهم واحدة، وهم يصطرخون بالبكاء والعويل، فلم يجدن مساعدًا حتى فعلوا بهن المنكر. وهذا نقله لي من اطلع على حقيقة هذا الخبر. وحرقوا القرية بعدما نهبوا جميع ما فيها وترك أهلها بالويل والتنكيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وكان ذلك قبل الوقعة، وقيل هي سبب الفتنة.
ولما جمع حضرة أسعد باشا الجموع وملأت البراري والربوع، فكان من جملة من قدم لعند الباشا محمد باشا صيدا، وكان رجلًا كبير السن، قد جرّب الدهر وأهله. فتلقاه أسعد باشا بالعز والإكرام وشكى إليه ما فعلته الفرقة الدرزية من الغدر والقتال، وسأله المعونة على هذا الحال. فلامه محمد باشا على ذلك، وأمره بالكف عن قتالهم، وقال له: هذا أمر يعود علينا وعليك بالتلف، ولا ترضى الدولة به لأنهم أي رجال الدولة يريدون العمار للبلاد ويكرهون الجور والفساد، قادرون على إرسال عشر وزراء بيوم واحد، ولا يقدرون أن يعمروا في عشر سنين قرية إذا خربت من هذه القرايا، ولأجل خاطري أيضًا صالحهم، وخذ مالك عليهم من المال المعلوم واترك أولادهم. وكان أولاد أمرائهم قد حبسهم أسعد باشا في القلعة، ولهم أكثر من سنتين، وهم صغار غير بالغين. ثم شدّد عليه بذلك.
فأجابه لذلك حضرة أسعد باشا، لكن ظاهرًا لا باطنًا، لأن مقصود الباشا المذكور تدميرهم عن بكرة أبيهم، وهذا من قبيل المستحيل.
فقال له حضرة أسعد باشا: أنت إذن دبّر هذا الأمر برأيك. فقال: دعنا نشترط عليهم ما تريد من الشروط. فحلف له أنه لا يشرط عليهم شرطًا ولا يأخذ مالًا ولا يفعل معهم شيئًا. ثم ودع محمد باشا باشة صيدا بعدما عظمه واحترمه، وأضمر خلاف ما أظهره.
وبلغني أنه بالوقت أرسل خبرًا إلى الدولة العلية يطلب لأخيه مصطفى بيك الوزارة بصيدا، حتى يفعل بالجبل ما أراد، ويشفي منهم الفؤاد. وقيل إن باشة صيدا أرسل يطلب من أهل الجبل إلى أسعد باشا جملة من المال، فحلفوا له أن لا يعطوه ولا عقال، ولكن إذا أرسل أولادنا أرسلنا له أربعين كيسًا، الذي كذا هي علينا معتادة، وإلا دعه يفعل ما أراد، فوالله إن حرّك ساكنًا لنهدمنّ عليه البلاد، فنحن ما الذي فعلناه حتى يقابلنا بهذه الأمور، أما كفاه أنه أهرق دماءنا وأباح مالنا ونساءنا، وقد أعدم لنا أكثر من مئتي كيسًا من الحنطة والحبوب.
هذا وأسعد باشا قد فرّق ما جمع، وعيونه من غيظه تدمع، وبقيت الأمور تحت الأوهام. وقد عادت الأوجاقات السباهية والإنكشارية إلى الشام، ولم تنتظم الأمور والأحوال، والحكم لله الملك المتعال.
وفي شهر رجب من هذه السنة، وهي سنة ستين ومئة وألف وقع حرب بين بني صخر وعرب عنزة في بلاد حوران بسبب استيلاء أغنام بعض القبائل.
وفي هذا الشهر أيضًا وصل خبر إلى دمشق بأن الدروز نزلوا من الجبل ونهبوا وسلبوا، وحرقوا ثمانية عشر قرية من بلاد البقاع، وحاصروا بعلبك وضيقوا عليها الحصار.
وفي يوم الأربعاء ثامن رجب ورد من صيدا عبد الله باشا ابن الكبرلي، وكان مجيئه من جهة إسلامبول، وشاع عنه أنه يريد الحج ونزل بدار أبو شنب.
وفي يوم الاثنين من هذا الشهر توفي الشيخ عبد الرحيم بن الإسطنبولية ﵀. وبهذا النهار ضربت مدافع، فسألت عن السبب، فقيل: إن صيدا جاءت إلى موسى كيخية متسلم دمشق من قبل أسعد باشا. وكان هذا الرجل أولًا كيخية عند إسماعيل باشا ابن العظم. وجاء مع القبجي فرمان بأن نشدّ الرحال لقتال الدروز، وأن يضيقوا عليهم وأن يدمروهم عن بكرة أبيهم.
[ ٢٤ ]
وفي يوم الاثنين سابع شعبان من هذه السنة أمر حضرة أسعد باشا الدالاتية والأطلية بأن تركب وتغير على أرض البقاع ومن فيها من الدروز، فيقتلوا ويأسروا وينهبوا ويفعلوا ما أرادوا. ثم بلغني أنهم أغاروا على جماعة من الدروز وهم على حين غفلة، فقتلوا منهم ومن مشايخهم، وقبضوا على الباقين منهم، ونهبوا الأموال والدواب والغنم والنساء والأولاد، وجاءوا برؤوسهم إلى دمشق. فكان يوم مجيئهم يومًا تقشعر منه الجلود مع الجلال. فنسأله تعالى أن يصلح الأحوال، ويرحم أهل الشام ويرخص لهم الأسعار.
وفي يوم الخميس عاشر شعبان عمل الشيخ إبراهيم الجباوي متولي جامع الأموي فرح عرس إلى ابن ابنه، وأمر أن تزين الأسواق بالقناديل والشمع، وأمر أن تشعل منائر الجامع الأموي فشعلت وهذا شيء ما سمعناه أنه سبق لغيره.
وفي ليلة السبت مات الشيخ الولي معتقد أهل الشام الشيخ عمران بن الشيخ إبراهيم إمام داء السعادة. كان ﵀ من أرباب الأحوال، وكان له سنة أصابع في يده اليمنى، وكان يكتب خطًا حسنًا بيده اليسرى ويقلد كل خط، وكان حسن الصوت بقراءة القرآن. ودفن بباب الصغير بجوار سيدنا بلال ﵁.
وفي هذا العام جاءنا الخبر بوفاة أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد وقيل إن سبب موته أن الدولة أرسلت له فروة مسمومة فلبسها فدب السم في بدنه، فمات ﵀. كان ﵀ شجاعًا مقدامًا مدبرًا للأمور أطاعته العباد ودانت له البلاد، وقد دفع عن بغداد كل جبار، ولقد قصده طهماسب الخارجي ومعه عسكر جرار، وحاصر بغداد أشهرًا فلم يقدر على فتحها فرجع ذليلًا صاغرًا، وطلب بلاد الهند والتتر، فسلط عليه ولده فقتله ودمره، وتولى ولده مكانه، ولم يخرج على الدولة وكان اسمه دبوس. ولما توفي أحمد باشا والي بغداد أرسلت الدولة إلى بغداد واليًا كور محمد باشا، وكان صدرًا أسبق، فلما استقر ببغداد، طلبت منه الإنكشارية العلايف أي المعاشات. فقال لهم: علايفكم عندي. قالوا: لا، فقد كان أحمد باشا الذي كان قبلك يعطينا إياها من ماله، ولما تأتي له من الدولة يأخذها. قال لهم: أنا لا أفعل. قالوا: لا بد من ذلك وشددوا عليه بالكلام، وكانوا مثل البحر الزخار. فقال: إن كان ولا بد من ذلك فأرسلوا إليّ من أكابركم من كل بلد ثلاثة رجال، حتى يستلموا المال ففعلوا، ولما حصلوا عنده أمر بقتلهم ورمي جثثهم. فلما رأوا إلى ذلك أسرعوا إلى القلعة ورموا عليها بالمدافع والبارود، حتى هدموا سرايته، وقتلوا آغة جماعته. فخرج الباشا من سرداب تحت الأرض ينفذ من خارج البلد وفرّ هاربًا إلى بلاد العجم. ثم كاتبت أهل بغداد إلى الدولة العلية بأن يرسلوا واليًا لبغداد عليهم سمّوه لها، كان عند مخدومه أحمد باشا المتقدم، وكان فيه استعداد تام، فأرسلوه لهم وقد رضوا به.
وفي سابع وعشرين من شعبان قدم أسعد باشا من الدورة، وكان دخوله قبيل المغرب، وجاءت معه مغاربة كثيرة.
وفي هذه السنة صار ثبوت رمضان الأربعاء، وضربت المدافع ليلتها في الساعة الخامسة، وبعض الأئمة صلى التراويح تلك الليلة. وقد صارت غرارة القمح بعشرين قرشًا، والله يعيننا على هذا الغلاء، الذي هو رطل الخبز بخمسة مصاري، والأرز بإحدى عشرة مصرية، والباذنجان بأربع مصاري.
وفي ثامن رمضان جاء من اصطنبول شيخ الإسلام يقصد الحج إلى بيت الله الحرام، وخرجت لملاقاته أعيان الشام، ومكث اثنا عشر يومًا، وتوفي لرحمة الله تعالى وصار قبره بالشام، ودفن بباب الصغير قبلي سيدنا بلال ﵁.
وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان نبّه أسعد باشا بأن يكون الريال بقرشين إلا ثلث، وكان أولًا بقرش ونصف وأربع مصاري، وكان عيد الفطر في هذه السنة نهار الجمعة.
وفي يوم السبت سادس عشر شوال خرج المحمل الشريف صحبة أمير الحاج أسعد باشا العظم حفظه الله، وأقام نائبًا عنه بدمشق متسلمًا موسى كيخية المتقدم ذكره. وقد جاء خط شريف بعد خروج الباشا إلى الحج بإخراج أولاد الدروز من القلعة، فأخرجهم المتسلم، وصار في الجبل فرح عظيم. ولو كان أسعد باشا في الشام لما أخرجهم، لأنه طالما جاءته أوامر بإخراجهم فلم يخرجهم. وفي هذه السنة المطر قليل والغلاء كثير، وكان غالب قوت أهل الشام خبز الذرة والشعير، والفقراء مالهم من دون الله معين ولا نصير.