[ ٢٥ ]
ثم دخلت سنة إحدى وستين بعد المئة والألف، وكان أولها محرم الثلاثاء، وقد خربت القرى من جور الدالاتية، ومن أعمالهم التي هي غير مرضية.
قال المؤرخ البديري: وفي محرم توفي شيخنا ومحبنا الشيخ محمد المصري الأزهري الملقب بأبي السرور، ودفن بمرج الدحداح قريبًا من النهر بقبر مبلط بشاهدتين. كان رحمه الله تعالى عالمًا فاضلًا دينًا. ومن مناقبه أنه ما اجتمع به أحد إلا وحصل له سرور وفرح، ولو لم يتكلم، وهذا أكبر دليل على صلاح طويته.
وفي نهار السبت سادس وعشرين محرم جاء جوقدار الحج، وبشّر بأن هذه السنة لا نظير لها في الرخص والرخاء. وفي خامس صفر جاء كتّاب الحج وأخبر أن الحج متأخر من كثرة الثلج والمطر. وفي ليلة الثلاثاء من صفر الخير دخل الحاج ليلًا، وثاني يوم الأحد دخل أمير الحج أسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا أمير طرابلس الشام. وقد حصل للحجاج في هذه السنة كل خير، ولم يروا مكدرًا سوى سيل جاءهم وهم في بدر، فأتلف وأغرق، وفي محلة العلا نزل ثلج ومطر وبدر، وصار للحج مشقة. لكن بها لطف عظيم. وفي غيبة الحاج جاء تقرير إبقاء لأسعد باشا في الشام.
وفي يوم الخميس سابع عشر صفر أجازنا الشيخ أحمد بأن نقرأ كل يوم عقب صلاة الصبح بعد الصلاة على النبي ﷺ يا عزيز سبعة وثمانين مرة، وأخبر أن خواصها عظيم، وأن يدعو المرء بعدها بما أحب، فإنها تجاب دعوته.
وفي اثنين وعشرين صفر الخير وردت خزنة مصر إلى دمشق والغلاء مشتد في دمشق، حتى صار رطل اللحم بثلاثين مصرية، ورطل الأرز باثني عشر مصرية، والخبز رطله بخمسة مصاري وبستة وبسبعة وكل من يبيع برأيه.
وفي آخر ربيع الأول من هذه السنة نادى حاكم الشام أسعد باشا على الفلوس كل تسعة بمصرية، والمصاري الفضة كل ستة وثلاثين بقرش.
وفي يوم الأحد ثاني ربيع الثاني قتل محمد آغا ابن الزرخلي، وهو كاتب العربي في طرابلس، وكان مع سعد الدين باشا حاكم طرابلس في الجردة، فلما رجع ووصل إلى الشام أمر أسعد باشا أن يرفع للقلعة، وبعد أيام أمر بقتله، فقتل، ولم يعلم ذنبه.
وفي نهار الثلاثاء آخر جمادى الثانية من هذه السنة وقعت الفتنة بين الأشراف والقبقول. وسبب ذلك أن رجلًا شريفًا اشترى من رجل شريف طبنجة وأراد أن يجربها، فأتى إلى الخندق ليجربها، فلما ضربها سمع صوتها آغة القبقول، وكان نائمًا، فاستيقظ مرعوبًا، وقال: ائتوني بمن يضرب بهذه البارودة، فجاءت أعوانه وقبضت عليه وعلى جماعة كانوا معه، وأخذوهم إلى أغاتهم، فأمر أن يضرب كل واحد منهم ثلاث مئة سوط، فضربوا ضربًا وجيعًا وتركوا كالأموات، ثم وضعوا شاشاتهم في لباسهم فبلغ نقيب الأشراف ما فعل بهم؛ فأرسل وأتى بهم إلى داره، وفي اليوم الثاني قامت الأشراف على قدم وساق، وهجمت على القبقول وتقاتلوا، فقتل من الأشراف ثلاثة، وجرح كثيرون وسكّرت البلد كلها. وفي اليوم الثالث صار ديوان عند أسعد باشا حاكم الشام، واجتمعت فيه الأعيان كالمفتي والنقيب والعلماء، ثم انقضى الديوان، وحكموا على القبقول بأن يعطوا دية الشهداء الأشراف لورثتهم. ثم أمر الباشا بأن تفتح الأسواق ويقصد الرزاق. وكان يوم الوقعة اثنان من الأشراف الأول يقال له السيد حسن شيخ شباب باب المصلى، والثاني السيد محمد بن الدهان من السنانية كان قد كرا بعصاهما وهجما على القبقول، وردوهم إلى القلعة خاسئين، وبعد يومين وهو نهار السبت بعد العصر بينما كان السيد محمد بن الدهان مارًا في القنوات، وإذا بشخص من جماعة القبقول ضربه طبنجة، فجاءت في بطنه. فقامت الأشراف وأهل البلد، وهجمت على أسعد باشا وأخبرته بالخبر، فقال لهم: إن مات قتلت غريمه، وإلا فأنا أدبره. فمات المضروب بعد الظهر، فذهبت الأشراف إلى الباشا، فأمر بإحضار الشهود لأجل الحكم على القاتل، فذهبوا للشهود، فلم يرض أن يشهد أحد على القاتل، وقالوا: من يشهد ليقتل، ويكون خصمه نحوًا من خمسة آلاف بطل شقي. وحاصله ما أثبتوا الدعوى، وتركوا دم الأشراف يروح هدرًا. والأمر لله العلي الكبير.
[ ٢٦ ]
وهؤلاء القبقول قد جاء فيهم أمر سلطاني وخط شريف بإبطالهم من الشام، وأن من استخدمهم أو ردّهم ملعون بن ملعون. فالحاكم وقتئذ تيقّن أن البلد لا تصلح إلا بهم، فأقرهم وأبقاهم. وبعدها صارت تقول القبقول: إن قتلة الشريف قيمتها أخشاية فضة. والحكم لله والغيرة لله ولرسوله.
وفي ثاني يوم الجمعة عمل أسعد باشا ديوانًا، وجمع فيه علماء الشام وأعيانها، وقال لهم: أنا الليلة مسافر على الدورة، فتسلموا البلد ولا تتركوا أحدًا يتعدى على أحد. فقالوا: يا أفندينا نحن أناس منا علماء ومنا فقراء ومنا مدرسون، وصنعتنا مطالعة الكتب وقراءتها. فقال لهم: هذا إقراركم، وكيف وأنتم الأعيان، فقالوا: حاشا لله إنما أعيان الشام القبقول. فقال لهم: هذا إقراركم، وقد تحققتم بأن أعيانها والمحافظون لها القبقول. فعند ذلك أرسل خلف رؤساء القبقول وسلّم البلد لهم. وكان ذلك منه دهاء. ثم سافر وترك الناس تتقلب في فرش القهر والكدر.
وقد كان رجل من الأشراف من جملة من كان أيام فتنتهم قد فتح دكانه بعد أن هدأت الأمور، فبينما هو يفتح دكانه إذ قبضت عليه جماعة من القبقول ورفعوه إلى القلعة، بعد أن شدوا وثاقه وثقلوه بالقيود، حتى كأنه من اليهود أو من قوم عاد وثمود، ثم فتشوا على غيره ليقرنوه، فهربت غالب الأشراف. فانظروا يا مسلمين إلى هذا الإنصاف، وقولوا: يا خفيّ الألطاف نجنا مما نخاف.
وفي تلك الأيام ازداد الفساد وظلمت العباد وكثرت بنات الهوى في الأسواق في الليل والنهار. ومما اتفق في حكم أسعد باشا في هذه الأيام أن واحدة من بنات الهوى عشقت غلامًا من الأتراك. فمرض، فنذرت على نفسها إن عوفي من مرضه لتقرأن له مولدًا عند الشيخ أرسلان. وبعد أيام عوفي من مرضه، فجمعت شلكات البلد وهن المومسات، ومشين في أسواق الشام، وهن حاملات الشموع والقناديل والمباخر، وهن يغنين ويصفقن بالكفوف ويدققن بالدفوف، والناس وقوف صفوف تتفرج عليهن، وهن مكشوفات الوجوه سادلات الشعور، وما ثم ناكر لهذا المنكر، والصالحون يرفعون أصواتهم ويقولون: الله أكبر.
ومما وقع في شهر رجب المبارك من هذه السنة أن رجلًا زوّج ابنه وعمل وليمة عرس، وعند المساء أخذ العريس بعراضة وشمع وطبول. فخرجت عليهم أعوان المتسلم موسى كيخية، وكان رأس أعوان الحاكم محمود بشة البغدادي، وكان مدعوًّا في الوليمة، فلما توسّطوا السوق بالعراضة كان أول من بطش بهم، فتهاربت الخلق كلهم فهذا طار قاووقه، وهذا ترك بابوجه، والآخر أخذت جبته. وفي ثاني يوم أمر الحاكم بالقبض على أبي الغلام ورفعه للقلعة، وقد طلب منه مالًا عظيمًا، والأمر لله العلي الكبير.
وفي هذه الأيام ذبح رجل في فراشه بقرية زبدين. وفي يوم السبت سابع عشر رجب ذُبح رجل شريف في حارة باب السلام في داره وما وجد عنده أحد. وكان قبل ذلك بأيام ضرب عمَّ هذا القتيل رجل في الدرويشية بطبنجة في رقبته، فذبحته ومات لوقته. قال المؤرخ وقد رأيته بعيني وهو مرمي في الطريق، ولم يثبتوا على القاتل شيئًا.
وفي نهار الثلاثاء تاسع رجب دخل مغربي إلى بعض البساتين يريد فسادًا، فكلّمه صاحب البستان في الحسنى، فسبّه المغربي وشتمه شتمًا بليغًا، وكان صاحب البستان شجاعًا، فقام إلى المغربي وخلّصه عدّته وكتّفه، ثم خاف من غائلة هذا الأمر، فحلّ كابه، وأعطاه عدّته واعتذر إليه، فما كان من المغربي إلاّ أن غلب عليه لؤمه، فأخذ بارودته وضربه رصاصًا، فقتله حالًا، فجاء أخو صاحب البستان فضرب المغربي بطبنجة جاءت في يده، فأراد المغربي الهرب، فوقع الصياح من الرجال والنساء، فجاء غلام فضرب المغربي بنبّوت فرماه إلى الأرض، فكتّفوه وإلى الحاكم أخذوه، فأقرّ لدى الحاكم بالقتل، وفي ثاني يوم خنقوه.
[ ٢٧ ]
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين ممن رجب ضرب مغربي حماته فقتلها. وبعد ثلاثة أيام قتل نصرانيًّا في الشاغور. وهذا المغربي بوّاب مصطفى بيك بن العظم، أخو أسعد باشا باشا الشام. وفي التاسع والعشرين من رجب هذه السنة كسفت الشمس حتى أظلمت الشام. ورأت الناس النجوم كما تراها في الليل، ومكثت مكسوفة إحدى وعشرين درجة، وصلّت الناس صلاة الكسوف في الجامع الأموي. وكان الإمام بالناس الشيخ أحمد المنيني أحد خطباء الجامع الأموي. وبلغني أنه في وقت الكسوف شعل قنديل جارنا الولي صاحب الكرامات الشيخ عز الدين أبو حمرة، ومقامه بجامعه المعروف به في باب السريجة. وفي تلك الأيام غارت العرب على جمال كثيرة في قرية القدم، وأخذت ولم يرجع منها شيء، كما وأنه في هذه الأيام غارت الدروز على قرية الزبداني وغيرها، وأخذوا منها كثيرًا من المواشي والأمتعة وغير ذلك.
وفي ليلة الجمعة رابع عشر من شعبان من هذه السنة خسف القمر خسوفًا بليغًا، حتى لم يظهر منه شيء، وكان ذلك في الساعة السابعة من الليل.
وفي يوم الثلاثاء خامس والعشرين من شهر شعبان قدم إلى دمشق السيد أبو بكر منلا خنكار قاصدًا الحج إلى بيت الله الحرام، وهو أوّل من قدم من الحجاج البعيدين. وفي ليلة الاثنين عشرة شهر رمضان المبارك قدم حضرة والي الشام وحاكمها الوزير الخطير أسعد باشا لعظم من الدورة، وهو في غاية الصحة، ولم يحصل منه ولا أدنى مكدر. وفي يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان قتل رجل في سوق ساروجا وقبضوا على قاتله. وفي يوم الاثنين ثالث والعشرين من شهر رمضان وجد رجل مشنوق في قصر السرايا في حارة السياس الذي فيها إقميم حمام الملكة، وبقي معلّقًا قبيل العصر، ولم يعلم قاتله، فأمر الباشا بدفنه، وذهب هدرًا. وفي الخامس والعشرين وجد قتيل في تربة باب الصغير عند قبر يزيد، ولم يعلم قاتله. وفي هذه السنة صمنا رمضان ثلاثين يومًا، وكان عيد الفطر الثلاثاء.
وفي يوم الأربعاء سادس عشر شوال جاء الحج الحلبي، وثاني يوم سابع عشر خرج موكب المحمل الشريف صحبة أميره وأمير الشام الحاج أسعد باشا، وفي تاسع عشر تبعه الركب الشامي.
وفي ليلة الاثنين قبل نصف الليل أقبل أحمد بشه بن القلطقجي وحاشيته وعبد الله بن حمزة وجماعته وكمال خليل وعنبر بشه وأحمد بشه دقماق ومعهم جماعة من الدروز الذين كانوا هاربين، ومعهم ستين رجلًا من الدروز من جماعة ابن تلحوق ونزلوا في حارة الميدان، وحرقوا بوّابة بيت القباني، ودخلوا داره بالتراويد والشوباش، ونهبوا كل ما فيه من أمتعة وغيرها، ولم يروا أحدًا من الرجال، ولم يقربوا الحريم، ونهبوا حاصلين حنطة وشعير، ونهبوا دار الحاج إسماعيل بن زعيتر، وكان شيخ الجمّالة، ولم يقربوا الحريم، وكان صاحب الدار في الحج. ونهبوا دار عبد الفتاح آغا باش شاويش، لأنه كان عليهم أكبر عواني، وبعد هروبهم كان يؤذي أهلهم، ثم قبضوا على ولده، وقالوا: إن لم تعلمنا بأبيك قتلناك، وإن دللتنا عليه فعليك الأمان، فمن خوفه أخرجه لهم وهو مخبأ في قليط، فقتلوه وقتلوا معه رجلًا من حاشية السرايا كان مارًّا عليهم وهم يقتلوه.
ولما بلغ موسى كيخية متسلم الشام فعلهم أرسل خلف الوالي والمفتي والقاضي، وأمرهم أن يأخذوا معهم الصنجق، ونادوا عليهم خوارج، ومن كان يحب الله ورسوله والسلطان يخرج لمقاتلتهم. فخرج المتسلم موسى كيخية ومعه القبقول والدالاتية والتفكجية، ولما قربوا من سوق السويقة نادوا عليهم وطلبوهم، وكانوا نازلين في قهوة الميدان، ثم لما وصلوا إلى باب المصلّى هجموا عليهم من كافة أقطار الميدان، وقتلوا منهم جماعة وجرحوا كثيرين، وقوّسوا فرس المتسلم وفرس المفتي ورجعوا خائبين. وثاني يوم سار إليهم الشيخ إبراهيم الجباوي نفعنا الله به، فتلقوه وقبلوا يديه، وقال لهم: يا أولادي ما مرادكم؟ قالوا: يخرج لنا محابيس الدروز ومجيئنا لأجلهم. فقال لهم: غدًا أردّ لكم الجواب. فأقاموا ذلك النهار بلا قتال. وثاني يوم جاء إليهم الشيخ إبراهيم، وقال لهم: يا أولادي، اصبروا حتى يأتي الباشا أو نرسل له حتى يأتي جوابه.
[ ٢٨ ]
قال البديري: وقد جاء صبيحة ذلك اليوم رجل من الأتراك ومعه نفر من الدالاتية، وقد كانوا في صيدا، فأرسل حضرة أسعد باشا يطلبهم ليخدموا عند متسلمه في الشام. وهؤلاء كانوا أول من ضرب بالسيف ونهب وسلب في حركة الزرب في الشام، وكان قائدهم يسمى عبد الله الترك. ويوم الأربعاء صارت مقتلة عظيمة، ذهب فيها نحو من خمسين قتيلًا، كانوا من جماعة المتسلم والقبقول، وواحد من الدروز خرج وقتل غلامين. وصارت أهل الشام تبيت وتصبح في أشأم حال. ثم أرسل المتسلم وأتى بخمسين خيّالًا من بني صخر، وأرسل للقرى والفلاحين، حتى صار عنده عسكر عظيم.
وبتلك الأيام لم تبطل طول الليل والنهار ضرب البندق والمدافع، وفتحوا عسكر الباشا دكاكين باب الجابية ونهبوا وأكلوا وشربوا وهدموا المصاطب وعملوها متاريس. وفي يوم الخميس بكّروا للقتال، وزحفوا إلى جهة السويقة، ومعهم الفعلة والمعامرية وحرقوا الدور والقصور، وبعد الظهر ضيّقوا على الزرب وهم الأشقياء، وحاصروهم وضربوا عليهم المدافع فولّوا الأدبار، فتبعوهم وقطعوا أربع رؤوس منهم، ومن جملتهم رأس موسى جربجي، وكان محسوبًا من الزرب. وهو من جملة من هرب، وما قتل حتى حمل على عسكر المتسلم أربع مرات، والرصاص نازل عليه مثل المطر فأصابته رصاصة، فوقع فقطعوا رأسه وجاؤوا به إلى السرايا، وأما كور عثمان فإنه كان يقاتل خلف المتاريس، بلا سلاح بل بالأحجار، حتى أصابته رصاصة دخلت من يمين رأسه وخرجت من الشمال. فوقع وحملوه أصحابه ورجعوا مكسورين خائبين. فهجمت العساكر على الميدان، ولم يبق فيها مكان إلاّ ودخلوه، وأذن لهم المتسلم بالنهب والسلب من السويقة إلى آخر الميدان، فنهبوا وقتلوا فلم يبق دار ولا دكان إلاّ نهبوها وهدموها فسلبوا الأموال وقتلوا الرجال وسبوا الحريم وفضحوا نساءهم، ودام ذلك إلى وقت العصر.
ثم جاءت جماعة من الزرب، ومعهم فرقة من الدروز وجماعة من أهل الميدان، فردّوهم عن بقية الميدان، ثم لما علمت هذه الجماعة الذين ردّوهم أنهم لا طاقة لهم بتلك الجموع فرّوا هاربين بالليل، ومعهم جماعة من أهل الميدان. ولما طلع النهار نادى الحاكم بالأمان، وأن تفتح الأسواق ولا أحد ينهب، وكل من ينهب أو يأخذ شيئًا فروحه وماله يسلب. ثم طلع آغة القبقول على الميدان، وخرجت الناس لتنظر ما جرى بها.
قال المؤرخ أحمد البديري: وأنا سرت مع من سار، فوجدناها قاعًا صفصفًا، والقتلى بها مطروحة والأبواب مكسرة والدكاكين مخربة وجدرانها متهدمة. والحاصل حالها حال تقشعر منه الأبدان وتشيب منه الأطفال. قال تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبِما كسَبَتْ أيديكم، ويَعْفُو عن كثير " الشورى ٣٠.
وأصبح نهار الجمعة وأهل القبيبات وما بقي من دور الميدان وباب المصلى والسويقة ينقلون أمتعتهم وما بقي منها إلى داخل المدينة والقنوات وباب السريجة، ووقع الإرجاف والخوف والهمّ والغمّ في دمشق الشام. وقد خافت الأكابر والعوام، حتى أصحاب الدكاكين صاروا ينقلون ما عندهم ويضعونها داخل البيوت. وكانت الدور التي انتهبت في تلك الواقعة ألفًا وتسع مئة دار. وأما الدكاكين فلا تحصى بالعدد ولا بالحساب. وصارت القبقول يأخذون الناس ويأتون بهم إلى الحاكم ويقولون له: هذا كان يقاتل مع الزرب، وهذا مع الدروز، وهذا وهذا، فيقتلهم المتسلم من غير شرع ولا إثبات. وصار كل منهم يقصد من أعدائه أخذ الثارات. وأما بيت القباني فإنه وقع التنبيه من المتسلم أن من أخذ منه شيئًا من العامة يأتي به، فصارت العوام تأتي بكل ما أخذته من قمح ومتاع ودراهم، حتى إنهم جاؤوا بأكياس المال مختومة. قال المؤرخ: هكذا تكون الحظوظ وقد تشددت الأمور على أهل الشام وصاروا يسهرون بالليل والنهار، والناس في هم وغم وغلاء. وفي كل وقت يصير فزعة وتسكير دكاكين، حتى انتقلت غالب الدور التي كانت خارج المدينة إلى داخلها وإلى القلعة.
وفي يوم الخميس دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا العظم، ومعه عسكر كالبحر الزخار، وبلغه جميع ما صار، فغضب على المتسلم، وأضمر له التكدير.
[ ٢٩ ]
وفي هذه الوقعة توفي الولي المجذوب الشيخ إبراهيم الملقب بالكيكي وكان رجلًا مباركًا، وأبوه رجل من الصلحاء من محلة القبيبات. وكان في غالب أوقاته يدق على يديه ويميل إلى ورائه وإلى قدامه، وينادي بأعلى صوته: ولك كيكي يا غوّاص، وتارة يبكي ويقول: بدّي امرأة حتى..، ويقول له الناس: أي شيء لك في المرأة؟ فقال: المرأة خبزة، وله وقائع وكرامات. ومن كراماته التي نقلوها عنه واشتهرت أنه رأى يومًا من الأيام رجلًا يبيع علب لبن، فصاح على صاحب اللبن وقال بدّي علبة، وصار يبكي ويدق بيديه، فاجتمعت الناس وأخرجوا له علبة، فقال الشيخ وهو يبكي لا أريد إلا هذه، وأشار إلى واحدة من علب اللبن، فأخرجوها له، فأخذها بيده وأفرغها على الأرض، وإذا قد نزل منها حية، فتركها وذهب، وله كرامات غيرها كثيرة. وسبب موته أنه أصابه قوّاس في رجله، فصار يبكي وينادي يا أبي يا غوّاص، قرصتني زلقطة، ومات بعد أيام، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة أرسل موسى كيخية متسلم دمشق الشام بيرقين دالاتية ومعهم بعض من جماعتهم، فجاؤوا له بإسماعيل آغا ابن الشاويش بالجنزير، وكان مقيمًا في بعض القرى صوباصيًا، ورفعه إلى القلعة، وكذلك جاؤوا له بأخيه سليمان آغا ابن الحملي وبأحمد آغا ابن عساكر فأوقفوهم، وذكر للمتسلم أنهم كانوا مساعدين للدروز والزرب.
وفي يوم السبت كانت وقفة عيد الأضحى في دمشق الشام، ذلك العام. وقد كانت سنة كثيرة الأهوال والآلام. فقد صار فيها جدري كثير حتى أفنى وأمات أولادًا كثيرة فسبحان الباقي بعد فناء.