ثم دخلت سنة اثنين وستين ومئة بعد الألف، وكانت غرة محرمها يوم السبت. والمرجو من الله ﵎ أن تكون سنة مباركة علينا وعلى جميع إخواننا المسلمين. والآن الناس في شدة وحصر زائد من كثرة الغلاء والشدائد. ولكن استبشرت الناس بالخير بكثرة الأمطار التي هطلت بأول هذا العام. وقد عمل لهذه السنة تاريخًا حسنًا وفألًا مستحسنًا أديب الشام الشيخ عبد الرحمن، وأدرجه ضمن هذين البيتين. فقال:
عام جديد نرتجي من ربنا فيه مزيد الخير والنعماء
فعساه يغنينا بواسع فضله إذ عمنا أرّخت عام غناء
وفي يوم الاثنين ثاني محرم هذه السنة توفي شيخنا محدث الديار الشامية، بل خاتمة المحدثين، من افتخرت به دمشق على سائر الدنيا الشيخ إسماعيل العجلوني المدرّس تحت قبة النسر بجامع بني أمية، ولم يبق أحد من أهل الشام من كبير وصغير إلا حضر جنازته. ودفن بتربة الشيخ أرسلان، ﵁. وعوّض الإسلام خيرًا.
وفي تلك الأيام توفي إبراهيم آغا آغة القبقول المنفصل عن منصبه أشهرًا، وكان ديِّنًا متواضعا ملازمًا لصلاة الجماعة في الجامع الأموي رحمه الله تعالى.
وفي السابع والعشرين من المحرم أقبل جوقدار الحج، وبعد ثلاثة أيام جاء كتّاب الحج. وفي ليلة الخميس دخل الحج الشريف خامس يوم من صفر الخير.
وفي ليلة الجمعة توفي الشاب اللطيف ذو القدر المنيف والأصل الشريف سلاسة السادة السعدية والبضعة الصديقية الشيخ بكري بن الشيخ مصطفى بن سعد الدين، لأن أباه من بيت سعد الدين، وأمه من بيت البكري، ﵀ وعوّضه الجنة آمين.
[ ٣٠ ]
وفي أوائل شهر صفر وقع بيت في حارة العقيبة على جماعة قتل منهم سبعة، ونجا رجل وزوجته، واسمه سعيد بن الشاكوش، وفي عاشر ربيع الأول صار برد شديد مؤلم، وصار يباع الفحم على الفروش، يحملونه على رؤوسهم، كل رطل بخمسة مصاري، ويدوروا به في الأسواق والحارات، وكان ذلك قبل دخول الحسوم بأيام، واستمر إلى أن دخلت الحسوم. وفي سابع عشر ربيع الأول قدم جوقدارية من إصطنبول ودخلوا على أمير الحاج ووالي الشام الحاج أسعد باشا العظم، وأظهر أنه جاءته بشارة من الجناب العالي، فأمر بعمل أعمال نارية التي تسمى شنك. فتراكضت القبقول والعسكر لنحو السرايا، فظنت أهل دمشق أن حادثة وقعت، فسكّرت البلد، فأخبروا الباشا بذلك، فقال: اضربوا مدافعًا واعملوا شنكًا آخر. ففعلوا، فهدأت الناس، وفتحت دكاكينهم. وفي تلك الأيام سكر بعض الأتراك من القبقول وجرح ثلاثة أشخاص من أهل البلد، وبعد أيام ماتوا من أثر جراحاتهم، ولم تقام لهم دعوة. وقد كثر الغلاء وزاد البلاء، فالخبز رطله بست مصاري وهو الدون، والوسط بثمانية مصاري، والمليح باثنا عشر مصرية. وأوقية السمن بسبع مصاري، وأوقية الزيت بمصريتين، واللحم رطله بست وثلاثين مصرية. وبنات الهوى دائرات بالليل والنهار. والناس في كرب عظيم.
وفي شهر ربيع الأول وصل خبر لدمشق بأنه صار في طرابلس الشام غرقة أعظم من التي صارت بدمشق المتقدم ذكرها. وذلك بأن نهر طرابلس زاد كثيرًا وطاف على أهلها حتى أغرق أكثر من خمس مئة إنسان، ماعدا الدّواب والأنعام والأموال. نعوذ بالله من غضب الجبّار. وفي تلك الأيام أغارت أعوان الظاهر عمر شيخ طبرية على جمال سائرة من الشام، ونهبوا أهلها وأخذوا مالها. وسبب ذلك أن في بلاده وأرضه عرب وتركمان، وكان قد أمر أسعد باشا أن يغيروا عليهم، فغاروا عليهم ونهبوهم، وأخذوا مالهم وأغنامهم، وقتلوا منهم جماعة، فأتوا بأغنامهم، ففرّقها الباشا على القرى ولحّامة الشام، والذي كان يساوي قرش طرحه غصبًا بخمسة قروش وهكذا. وفي هذا الشهر صار رطل الخبز من ثمانية مصاري إلى اثني عشر مصرية، والمعروك بسبعة عشر مصرية، ورطل الثوم بأربعة وعشرين مصرية، وغرارة القمح باثنين وخمسين غرشًا، وغرارة الذرة بثمانية وأربعين، والبيض كل اثنتين بمصرية، ورطل الأرز بخمسة عشر مصرية، ورطل الفحم بستة مصاري. وكل شيء زاد عن حدّه، والحكم لله في عبده.
وفي شهر ربيع الثاني قتل أسعد باشا ثلاثة أنفار من المتاولة وقتل البطحيش من جماعة الزرب الأشقياء الفارّين أيام الوقعة.
وفي يوم الاثنين رابع جمادى الثانية من هذه السنة دخل قاضي الشام السيد محمد أفندي بشمقجي زاده. قال المؤرخ البديري: وبلغني أن حامد أفندي بن العمادي مفتي الشام كان قد خزّن القمح مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون الرحيم الرحمن، وأن الكيّالة جاؤوا إليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة بخمسين قرشًا، فقال لهم: مهلًا فلعل الثمن يزيد. فإذا كان مفتي المسلمين ما عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره.
وفي هذه الأيام عملوا ديوان، وأخبروا أسعد باشا بكثرة المنكرات واجتماع النساء بنات الهوى في الأزقة والأسواق، وأنهم ينامون على الدكاكين وفي الأفران والقهاوي. وقال: دعنا نعمل لهم طريقًا إما بترحيلهم أو بوضعهم بمكان لا يتجاوزونه، أو نتبصر في أمرهم. فقال: إني لا أفعل شيئا من هذه الأحوال، ولا أدعهم يدعون عليّ في الليل والنهار، ثم انفضّ المجلس، ولم يحصل من اجتماعهم فائدة.
وفي تلك الأيام زاد الغلاء في بلاد الشام، فبلغنا أن رطل الخبز في طرابلس بعشرة مصاري، وفي غزة والرملة بخمسة وعشرين مصرية، وفي الشام ليس واقف على سعر، وقد زاد الغلاء والبلاء والقهر.
قال المؤرخ البديري: وفي هذه الأيام اشترى أسعد باشا والي دمشق الشام أملاكًا كثيرة من دور وبساتين وطواحين وغير ذلك، وهذا قبل بنائه لداره وقيساريته. وفي ثامن جمادى الثانية من هذه السنة نزل الشعير الجديد، فباعوا خبز شعير رطله بأربع مصاري، والأبيض بستة. ثم ثاني يوم خرج المنادي بأن يباع الخبز الحنطة بأربع مصاري والأبيض بستة مصاري. ولم تحصل للفقراء نتيجة، فكل يوم بسعر جديد، والله يفعل ما يريد.
وفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى توفي العالم الفاضل الشيخ عبد الوهاب الدالاتي ﵀.
[ ٣١ ]
وفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الثانية نزل القمح الجديد، وبيعت غرارة القمح بخمسة وأربعين قرشًا، وكانت قبل نزوله باثنين وخمسين، فصاحت العامة واستغاثت، ونهبوا بعض الأفران، ثم صاروا ينادوا في الأسواق رطل الخبز بثلاثة مصاري وبأربعة مصاري، فباعت أهل دمشق جميعًا بذلك الثمن، وفرحت أهل البلد كثيرًا، فزيّنت البلد. وكان حضرة الوالي أسعد باشا في جنينة أبيه في مسجد الأقصاب قد عمل سيرانًا ومعه أكابر الشام، فلما بلغه هذا الخبر غضب غضبًا شديدًا، وأمر الحاج محمود تفكجي باشا أن يأخذ أعوانه الفسّاق ويدور في البلد والأسواق، وأن ينبه على الخبازين أن لا يبيعوا رطل الخبز إلاّ بستة مصاري والأسود بأربعة، وكل من خالف يأكل علقة، والحذر ثم الحذر. فرجعوا للمنهج الأول، واسودّ الخبز وتغيّر، والله أكبر وأغير، وفي سادس عشر من جمادى الأولى صارت غرارة القمح بستة وعشرين غرشًا، فبيع رطل الخبز بثلاثة مصاري، وبدت تزول الشدة بإذن الله تعالى.
وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق بأن عبد الله آغا بن حمزة وكمال خليل، وهما من رؤوس الزرباوات المنهزمين من دمشق قبض عليهم الظاهر عمر حاكم قلعة طبرية، وقطع رؤوسهم وأرسلهم إلى صيدا، وحاكم صيدا أرسلهم إلى الدولة، وأرسل يطلب فرمان شريف بأن أسعد باشا حاكم الشام لا يمرُّ في سفره بالدورة على أرض طبرية. وفي يوم الاثنين غرة رجب الفرد من هذه السنة نادى أسعد باشا حاكم الشام وأن كل من شرب بها شنق وصلب، ثم أمر برفعها، فرفعت من سائر قهاوي الشام وأسواقها. قال المؤرخ البديري: وقد صار شربها في الشام من أعظم المصائب، فصار يشربها الرجال والنساء حتى البنات، جزاه الله خيرًا.
وفي ثالث رجب نادت الخبازة والسوقية بأن رطل الخبز بأربع مصاري والخاص بخمسة مصاري، والذي خلط ذرة أو شعير بمصريتين، فمن كثرة فرح أهل الشام سيما الفقراء صاروا يبكون وينتحبون سرورًا، حيث فرّج الله عنهم. وقد زينت غالب أسواق الشام. وفي ذلك اليوم بيعت غرارة القمح الجيد والشعير بثمانية قروش، وفرّج الله عن عباده بمنِّه وكرمه.
وفي يوم الجمعة ثاني شعبان المبارك دخل خليل آغا وأحمد آغا أولاد ابن الدرزي، وواجهوا متسلم دمشق، فتلقاهم أحسن ملتقى وكان معهم بيردي من أسعد باشا، حيث واجهوه بواسطة الشيخ إبراهيم السعدي الجباوي، نفعنا الله به وبأجداده، وكانوا هاربين عند العرب، فأعطاهم الأمان، لما طلع أن ليس لهم ذنب بتلك الأعمال.
[ ٣٢ ]
وكانت هلة رمضان هذه السنة، وقبل رمضان بيومين خرج قاضي الشام السيد محمد أفندي بشمقجي زاده، خرج إلى الصالحية مع حريمه، ثم رجع في وقت العصر من الصالحية وحريمه معه، وهو شاهر السلاح بيده طبنجة، وفي رجله الواحد بابوجة والثانية حافية بلا بابوج، وقد جرح من جماعته شخصًا. ولم يزل على هذه الحالة حتى وصل إلى المحكمة، ثم تبيّن أنّه كان سكرانًا قال المؤرخ: قد فحصت عن سبب نزول القاضي بهذه الكيفية، فتبيّن الأمر بخلاف ما ذكرنا من كونه كان سكرانًا، وإنَّما هو من حدّة مزاج وقع منه. والسبب في ذلك أنه كانت له سرية، وكان مغرمًا بها، حتى طلق زوجته لأجلها، فأرادت زوجته أن تنكد عيشته، فيومًا من الأيام جاء بعض ضيوف لجاريته التي يحبها، فأرادت أن تضع أمام الضيوف طعام ودجاج وغيره من الذي هيّأه القاضي للغذاء في الصالحية، فمنعتها زوجة القاضي وكانت غير سخية، فلما جاء القاضي عرفته جاريته بذلك، وأنها لم تضع أمام ضيوفي طعامًا ولا غيره، ثم صارت تبكي، وكان القاضي يحبها فوق العادة، فقام على زوجته فطلَّقها، لما قيل إن ذلك كان سبب طلاقها، وقام على خدامه فجرد عليهم السلاح، وأمر الحريم بالنزول، وطلب هو المركوب، فأبطؤوا، ثم وجد فردة فنزل بها إلى الجسر، ثم ركب ونزل للمحكمة على تلك الحالة، فأظهرت أعداؤه أنه سكر والأمر بخلافه. ثم ما كفى زوجته التي طلَّقها هذا الفعل، حتى اشتكت عليه إلى الدولة العلية، فجاء الأمر بفرمان عزله وبنفيه إلى جزيرة قبرص وبضبط ماله جميعه لزوجته، فباعوا جميع متروكاته، واخذوا جميع ما عنده من المال، فبلغ ثمانية أكياس، فأعطوهم إلى زوجته المطلقة. وكان ذلك بأمر من الدولة، ثم تأسفت عليه غالب الناس، غير الذين لهم أغراض، لما كان عليه القاضي المذكور من الاستقامة والقناعة والتواضع والسخاء الكثير، حتى إنه في شهر رمضان كان يأكل قنطار من السمن ومن الأرز مثل ذلك، ومن اللحم كذلك، حتى إنه على الأقل يوجد عنده في رمضان نحو ثلاثين ماعدا الفقراء. ولما كان لا يأكل الرشوة ولا يميل في دعوى مالت أهل الشام عليه مع زوجته، حتى سمعوا بعزله كما هي عادتهم قديمًا.
وفي يوم الأحد منتصف شوال جاءت خزنة مصر إلى الشام. ويوم الاثنين سادس عشر شوال خرج المحمل الشريف بأميره الحاج أسعد باشا بن إسماعيل باشا العظم، وقد كانت هذه هي الحجة السابعة لحضرة أسعد باشا المذكور. وقد كان أبوه إسماعيل باشا حجَّ ستَّة. وهذه الحجّة بهذه السنة هي السابعة لأسعد باشا. وثاني يوم خروج المحمل شنق المتسلم اثنان من الأشقياء اللصوص، لهم وقوعات كثيرة، ثبت أخيرًا أنهما نزلا دارًا ليلًا، فسرقا جميع ما فيها من غالي الثمن، واسم أحدهما شيخ التكية.
وبعد خروج الحاج الشامي بأربع أيام خرج السيد يونس شريك أسعد باشا بقافلة عظيمة ومعه جماعة كثيرة، ولحقوا الباشا والحاج إلى المزيريب. وفي هذه السنة جدَّد أسعد باشا في مدرسة أبيه إسماعيل باشا التي في سوق الخياطين الحجرات الفوقانية، وجعل في قبليها جامعًا وخطبة، ورتَّب أجزاء من القرآن وشوربة وزيتًا وغير ذلك. جزاه الله خيرًا.
وفي تاسع ذي القعدة سافر القاضي المتقدم ذكره لصيدا، يريد قبرص بنية النفي لها، وخرجت بعض الأكابر لتوديعه. وفي خامس عشر ذي القعدة جرَّصوا ثلاثة أشخاص ودوّرهم في كل البلد مسخمين الوجوه راكبين على حمير بالمقلوب. فسألنا عن السبب، فقيل إنهم يُسكوّن الفلوس الرملية، وهي غش فكان أحدهم كردي والثاني داغستاني.
وفي ذلك اليوم أمر الحاكم بأن يخرجوا بنات الهوى، وهم الشلكات، من البلد إلى خارج البلد، وأظهر أنه يريد أن ينفيهن إلى بلاد أخرى، ونبّه على مشايخ الحارات أن من وجد في حارته ذو شبهة لا يلومن إلا نفسه، ثم نادى منادي إن النساء لا يسبلن على وجوهن مناديل، إلا حرم الباشا ونساء موسى كيخية. ثم شرع أعوان الحاكم بالتفتيش وشددوا، فانفرجت بعض الكربة، ثم ما بقي هذا التشديد غير جملة أيام، إلا وقد رأينا البنات المذكورات يمشين كعادتهن في الأزقة والأسواق وأزيد، ورجعن إلى البلد، ورتب الحاكم عليهن في كل شهر على كل واحدة عشرة غروش وجعل عليهم شوباصيًا، بل قطع من الناس وسلب والله المستعان.
[ ٣٣ ]
وفي يوم الثلاثاء دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا بن العظم إلى الشام بموكب عظيم، لأنه سردار الجردة وأميرها وقد سار بها في السنة الماضية.