ثم دخلت سنة خمس وستين ومئة ألف نهار السبت فاستبشرت الناس بقدومها، حيث ليلة الهلّة هطل مطر غزير وفرحوا وزرعوا وفلحوا، وبدت ترخص الأسعار، غير أن ما فيه أن يفتش على الخلق بالرحمة والرأفة من الحكام والوجوه، والخزّانة كثيرون والأكابر ساكتون والحكام يأكلون، فإنا لله وإنّا إليه راجعون، وانظر غلاء الأسعار: فقد أقبلت هذه السنة بخيراتها وبركاتها، ورطل الخبز بأربع مصاري، والدبس أربع أرطال إلاّ ثلث بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل البصل بأربع مصاري، ورطل الثوم بسبعة مصاري، ورطل الفحم بأربع مصاري، وعلى هذا فقس. فالأغنياء منعّمون والفقراء صابرون.
قال المؤرخ عفا الله عنه: وفي يوم الاثنين عاشر المحرم من هذه السنة ورد فرمان من الدولة العلية بأن حضرة خليل أفندي البكري صار قاضيًا في دمشق الشام، وسجلوا الفرمان، وجلس مكانه ولده أسعد أفندي البكري إلى مجيء أبيه كما يأتي.
ونهار الأحد ثاني وعشرين محرم ورد جوقدار الحج الشريف يبشر عن الحجاج بكل خير، وأن الحاج وقف بعرفات يوم الجمعة. وهذه السنة التاسعة من حجج حضرة أسعد باشا المتواليات. وهذا ما سبق لغيره، والحمد لله الذي أعطاه. وفي ثاني يوم دخلت خزنة مصر إلى دمشق. قال المؤرخ: ومعها نسيبنا شيخ السعدية في الديار المصرية الشيخ يحيى أفندي الجباوي، أخو الشيخ إبراهيم الجباوي الشاغوري من أبيه. وفي يوم الثلاثاء غرة صفر الخير كان دخول ركب الحج الشامي إلى دمشق، ولم يروا أدنى مكدر كما أخبروا، غير أنهم جاءهم في هدية برد كبير كل بردة وزنها ستون درهمًا، ولم يحصل منه أذية.
وفي تلك الأيام بلغنا أن أهل مصر طردوا كل غريب، والذي يجدونه بعد نهبوا ماله وعذبوه أشد التعذيب. وفي أوائل ربيع الأول دخل خليل أفندي البكري قاضيًا لدمشق الشام، ففرحت ناس وغمت ناس، وظنوا أن معه أمور من تغيير وتبديل وتفتيش، فلم يقع شيء من ذلك. وفي ليلة الأربعاء سادس عشر ربيع الأول توفي العالم الجليل شيخ الشافعية في دمشق الشام، بل شيخ شيوخ الفضلاء من علمائها الأعلام، شيخنا وأستاذنا الشيخ على كزبر، وصلينا عليه صلاة الظهر في جامع الأموي، ودفن بتربة باب الصغير من قبلي أوس بن أوس الثقفي. وقبل وفاته عمل وصية. ومن جملة ما أوصى بخمسين قرشًا لتعمير القبور الذي حول قبره، فكانت منه كرامة، لأن ساعة دفنه تهدمت قبور كثيرة من تزاحم الخلق المحتاطين بجنازته. رحمه الله تعالى، وأعاد علينا من بركاته. وفي ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الأول وجد السيد محمد بن السيد أحمد خادم سيدي أبي الدرداء مذبوحًا بداره التي بداخل القلعة، وكان له عبد ومملوك فلم ير لهما أثر، قيل قتلاه، والله أعلم، وذهب كأنه ما كان.
[ ٤١ ]
وفي تلك الأيام توفي حسن أفندي بن حمزة نقيب الأشراف سابقًا، وحضر الصلاة عليه حضرة والينا حاكم الشام أسعد باشا العظم وقاضيها خليل أفندي البكري الصديقي ومفتيها حامد أفندي العمادي ونقيبها الحالي محمد أفندي العجلاني وعلي أفندي المرادي وأكابر الشام وخلق كثير، ودفن بمقبرة مرج الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي اليوم الثاني توفي العالم الجليل إمام المحرابين اللذين للشافعية الشيخ المصري وهو الذي جاب ماء السمرمر، وكان يحب قضاء الحوائج لعباد الله، ودفن بمقبرة الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي غرّة جمادى الثانية توفي حسن جلبي بن السفرجلاني، وكان من الصدور في الشام. وبهذا النهار مات ثلاث مشايخ حرف في الشام: الشيخ عبد القادر شيخ الحلوانية، وشيخ الحلاقين الأسطه محمد البوشي، وشيخ القواقجية الأسطه محمد. وفي يوم الخميس ثالث جمادى الثانية نزل برد بدمشق، وزنت واحدة جاءت سبعون درهمًا.
وهذه السنة كثيرة الأمطار والخيرات والبركات، وقد نبتت حبة الحنطة اثنين وعشرين قصلة سنبلة، حتى نقل لي بعضهم أن حبة قمح نبتت فوق سطح بيته، فوجدها بعد شتلها اثنين وعشرين قصلة أي سنبلة، مع ذلك فكل شيء غالي: فرطل السمن بأيام كثرته عشرة أواق بقرش، والدبس ثلاث أرطال بقرش، والبصل خمسة أرطال بقرش. وكل شيء على أسعار ما قدمناه، والحكم لله.
وفي هذه المدّة عمّر حضرة الحاج أسعد باشا بن العظم والي الشام طريق الميدان من باب المصلّى إلى باب الله، ولم يظلم أحدًا بذلك ولا أخذ من أحد شيئًا.
وفي أوائل شهر رجب قدم الأمير ابن الظاهر عمر حاكم طبريا وعكا، فتلقّاه حضرة أسعد باشا بواسطة موسى كيخية وخلع عليه وأكرمه وطيّب خاطره من جهة أبيه، لأنه كان بينه وبين أبيه الظاهر عمر أمور، فأصلح الباشا بينهما.
وفي تلك الأيام عمّر خليل أفندي البكري القاضي المتقدم ذكره المأذنة التي فوق المارستان. وفي هذه الأيام جاء قبجي من الدولة العلية بطلب السيد محمد أفندي المرادي ليتمثل بين حضرة السلطان الأعظم، وأن يجلب مكرمًا، وأن يعطيه أربعين كيسًا، فأعطي المبلغ المذكور وحمل بتخت روام، وقدمت له أعيان الشام وأكابرها الهدايا العظام من الدواب والأموال والملابس الفاخرة، وخرجت إلى وداعه الأعيان مع حضرة والي الشام الحاج أسعد باشا العظم، وكان خروجه من دمشق نهار الاثنين تاسع رجب الفرد من هذه السنة.
وبهذه الأيام توفي أحمد أفندي ديوان أفندي الباشا وهو الذي عمّر القصر في حائط الأحمدية في سوق الأروام، فمات عن غير ولد ولا وارث. قيل بلغت تركته سبع مئة كيس أكثرها من النقود الذهب، فأخذهم حضرة الباشا، والله يفعل ما يشاء. وفي تلك الأيام تعطلت مياه حارة الشاغور، ففرض على أصحابها أموال كثيرة، فاشتكوا لحضرة أسعد باشا والي الشام حفظه الله، فأمر أن لا يأخذوا من أحد شيئًا، بل أمر أن يدفع من خزنته خمسة عشر مئة غرش لعمل الماء وإجراء السيل.
قال المؤرخ البديري عفا الله تعالى عنه: خرجت لزيارة السيدة زينب ومعي ولدي مصطفى، نتلو كلام الله في طريقنا، إلى أن وصلنا إلى الست ودخلنا مزارها، وتفرجنا على العمارة التي عمّرها الحاج أسعد باشا العظم به في هذه السنة، فعمل بها داخل الحريم قصرين وإيوان ومشارق ومنافع، وغير ذلك مما خلد له الذكر بها، ووجدنا حضرة ابن عم الباشا مصطفى بيك حفظه الله قد زخرف حيطانها وسقوفها وحسّن بنيانها، وشرع في عمارة الحمام في هذا العام ونحن هناك. فجزاهما الله تعالى على هذا العمل الخيري أحسن الجزاء آمين.
وفي أول ليلة شهر شعبان سافر حضرة الحاج أسعد باشا إلى الدورة. وثاني ليلة من سفره قُتِلَت امرأة في أوّل الليل بين حارة السويقة وحارة قبر عاتكة ولم يتحقق قاتلها. وقد ثبت رمضان الخميس، ونائب السياسة موسى كيخية، وقاضي البلد خليل أفندي البكري، وأسعار الخبز وغيره كما ترى: فرطل الخبز بثلاث مصاري وبأربعة وبخمسة، وغرارة القمح باثني عشر قرش، ورطل اللحم بعشرين مصرية، ورطل الرز بعشرة مصاري في أيام موسمه، والدبس ثلاث أرطال وثلث بقرش، والوقية بمصرية وقطعة، ورطل البصل بثمانية مصاري، والحطب الرطل بمصرية، والسنديان قنطاره بمئة مصرية وعشرة مصاري. ولا أحد يسأل ولا كبير يتكلم، والفساد كثير والمولى خبير.
[ ٤٢ ]
وبهذا الشهر في جامع الأموي جلس رجل يعدّ ذهبًا معه، جاء رجل وخطفهم أمام مئات من الناس، وأسرع في الجري فصاح صاحبهم، فأدركه بعض أعوان السياسة، فأعطاه شيئًا من الذهب فتركه. وبهذا الشهر أيضًا رجل حمل ولده وعلى رأسه شيء من الدنانير، فتبعه لص حتى دخل حامل الولد زقاقًا، فخطف الدنانير والطاقية وذهب. وفي ليلة السبت عاشر رمضان بعد ما سكّر بوّاب حرم الأموي الأبواب نام، فجاء المؤذنون وطرقوا باب الجامع، فقام ليفتح لهم فوجد ثيابه مفقودة، فأعلمهم بذلك، فدخلوا وسكّروا وفتّشوا الحرم جميعهم، فلم يجدوا أحدًا والأغرب أن جميع الأبواب مسكّرة، ثم ذهبوا لجهة الضريح، فوجدوا ثمانية قناديل من فضة مفقودة وقنديل واحد من ذهب، ولم يعلم لهم غريم.
وفي سابع رمضان المبارك جاء ركب الصرة أميني من إصطنبول. وفي يوم الخميس في نصف رمضان دخل حضرة الوزير أسعد باشا إلى الشام حين كان غائبًا في الدورة، وهو والحمد لله في غاية الصحة والسلامة. وفي يوم السبت سابع عشر رمضان جاءت البلطجية من إسلامبول ومعها اثنان وعشرون تخت أروام ومعها أيضًا ابن الوزير الأعظم المنفصل عن الوزارة في هذه السنة ومعه الملكة وطواشي كبير، وأخبروا أن الدولة العلية متضعضعة.
وفي يوم الجمعة كان يوم عيد الفطر، وصار في ذلك اليوم هزّة عظيمة، وهي فتنة صارت بين المغاربة وأولاد الشاغور، وسكنت ولله الحمد من غير قتل أحد. ونهار الاثنين رابع عيد الفطر غرق شاب في نقب الربوة وما ظهر له أثر. وفي ليلة الخميس خامس شوّال قُتِل إبراهيم آغا ابن قوسر، قوس في داره التي في قبر عاتكة، ولم يُعلَم قاتله.
ونهار الأحد سابع عشر شوّال رحل أسعد باشا العظم حفظه الله بموكب المحمل الشريف. وكانت السنة العاشرة من حجاته المتواليات بالركب الشامي أميرًا ولدمشق الشام وزيرًا. وبذلك اليوم جاء الركب الحلبي، وقبله بيومين جاءت قافلة العجم، وهي قليلة بالنسبة للعام الذي قبله، وقد نزلوا في الخراب والسويقة. وفي تاسع عشر شوال سار ركب الحج الشامي من دمشق بالسلامة قاصدًا بيت الله الحرام. وبعد أيام نادى حضرة محمد آغا المتسلم على اللحم الرطل بثمانية عشر مصرية، وسمر جماعة من اللحامة، ولم يقبل رشوة ولا برطيلًا، وعدل في حكمه وفّقه الله تعالى حتى صارت الفقراء تدعو له جهارًا. وبعد مدة سعّر جميع البضائع وشدّد، وصار يأخذ بيد كل من يشتكي له، جزاه الله خيرًا. وفي ذلك العام خزن الفحم، ففتش المتسلم وسعّر، فلم يفد ذلك شيئًا، ولم يصل أحد للفحم إلاّ من كان قويًّا مثل القبقولي والدالاتي.، ولم يجد المتسلم له بهذا الخصوص مساعد.