ثم أقامت ثقيف بعد قتل عرة أشهرًا، ثم إنَّهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه
[ ١ / ٢١٤ ]
لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلًا منهم، فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو ومعه إثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك. فلما دنَوا من المدينة ونزلوا قناة ألفَوا المغيرة بن شعبة يرعى في نَوْبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ فلمَّا رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصدّيق ﵁، فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البَيْعة والإِسلام إن شرط لهم رسول الله شروطًا، ويكتبوا كتابًا إلى قومهم. فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدّثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومه. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معه، وعلمهم كيف يُحيُّون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولمَّا قدموا على رسول الله ﷺ ضربت عليه قُبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ فكان إِذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابه. قال: وكان ممّا اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين. فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليه، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم ليتألَّفوا سفهاءه، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمَّى؛ إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها، وسأله مع ذلك أن لا يصلُّوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم. فقال: «أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنُعفيكم، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» . فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة.
وقد أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على
[ ١ / ٢١٥ ]
رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يحشروا ولا يعشّروا، ولا يُجبَوا، ولا يستعمل عليهم غيرهم. فقال رسول الله ﷺ «لكم أنْ لا تُحشروا، ولا تجبوا، ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه» . وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، علِّمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود أيضًا.
وأخرج أبو داود أيضًا عن وَهْب سألت جابرًا ﵁ عن شأن ثقيف إذ بايعتْ، قال: اشترطتْ على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك: «سيتصدَّقون ويجاهدون إذا أسلموا» - انتهى من البداية مختصرًا.
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن ماجه عن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغير بن شعبة ﵁، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدِّثنا قائمًا على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام. فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول: «لا آسى، وكنَّا مستضعفين مستذلِّين بمكة. فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم نُدال عليهم ويُدالون علينا» فلما كا نت ليلة أبطأ عنا الوقت
[ ١ / ٢١٦ ]
الذي كان يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة؟ فقال: «إنه طرأ على جزئي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أُتِمَّه» كذا في البداية، وأخرجه ابن سعد عن أوس ﵁ بنحوه.