باب الدعوة إلى الله وإلى رسوله حب الدعوة والشغف بها حرص النبي ﷺ على إيمان جميع الناس
أخرج الطبرني عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود: ١٠٥) ونحو هذا من القرآن قال: (إِن رسول الله ﷺ كان يحرص أَن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأَخبره الله ﷿ أنّه لا يؤمن إِلا من سبق له من الله السعادةُ في الذِّكْر الأَول، ولا يضلُّ إِلا من سبق له من الله الشقاء في الذِّكْر الأَول، ثم قال الله ﷿ لنبيه ﷺ ﴿طسم تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السَّمَآء ءايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ١ - ٤) . قال الهيثمي رجاله وُثِّقوا إِلا أَنَّ عليَّ بن أَبي طلحة قيل لم يسمع من ابن عباس. انتهى.
[ ١ / ٦٣ ]
عرضه ﷺ الدعوة على قومه عند وفاة أبي طالب
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لمّا مرض أبو طالب دخل عليه رَهْط من قريش فيهم أَبو جهل فقالوا: إِنَّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثتَ إِليه فنهيتَ. فبعث إِليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أَبي طالب قَدْرُ مجلسِ رجلٍ، قال: فخشي أبو جهل - لعنهُ الله - إِنْ جلس إِلى جنب أبي طالب أَنْ يكون أَرقَّ له عليه؛ فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجدْ رسول الله ﷺ مجلسًا قربَ عمِّه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أيْ ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأَكثروا عليه من القول. وتكلَّم رسول الله ﷺ فقال: «يا عمّ إِنِّي أريدهم على كلمة واحدة يقولونها؛ تَدينُ لهم بها العرب وتُؤدِّي إِليهم بها العجمُ الجزيةَ» ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعمْ وأَبيكَ عشرًا، فقالوا: وما هي؟ وقال أَبو طالب: وأَيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ «لا إِله إِلا الله»، فقاموا فَزِعين ينفِضُون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الاْلِهَةَ الهًا واحِدًا إِنَّ هَاذَا لَشَىْء عُجَابٌ﴾ (ص: ٥)، قال: ونزلت من هذا الموضع - إِلى قوله: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ (ص: ٨) . وهكذا رواه الإِمام أحمد والنِّسائي وابن أَبي حاتم وابن جرير كلهم في تفاسيرهم، ورواه الترمذي وقال: حسن، كذا في التفسير لابن كثير؛ وأَخرجه البيهقي أَيضًا والحاكم بمعناه وقال: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه، وقال الذهبي: صحيح اهـ.
[ ١ / ٦٤ ]
عرضه ﷺ الكلمة على أبي طلب عند وفاته
وعند ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ - كما في البداية - قال: لمّا مَشوا إِلى أَبي طالب وكلَّموه وهم أَشراف قومه: عُتبةُ بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأَبو جهل بن هشام، وأُميةُ بن خَلَف، وأبو سفيان بن حَرب، في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إِنَّك منَّ حيث قد علمتَ، وقد حضرك ما ترى، وتخوَّفنا عليك، قد علمتَ الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادْعه فخذْ لنا منه وخذْ له منّا ليكفَّ عنا ولنكفَّ عنه ولْيدَعْنا وديننا ولْنَدَعه ودينه.
فبعث إِليه أَبو طالب فجاءه، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أَشراف قومك قد اجتمعوا إِليك ليعطوك وليأَخذوا منك، قال: فقال رسول الله ﷺ «نعم كلمة واحدة تعطونها تملكون به العرب وتَدين لكم بها العجم»، فقال أبو جهل: نعم وأَبيك وعشر كلمات، قال: «تقولون: لا إِله إلا الله، وتخلَعون ما تعبدون من دونه» فصفَّقوا بأَيديهم، ثم قالوا: يا محمد، أَتريد أَن تجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا؟ إِنَّ أمرك لعجبٌ قال ثم قال بعضهم لبعض: إِنَّه - والله - ما هذا الرجل بمعطيكُم شيئًا مما تريدون، فانطلِقُوا وامضُوا على دين آبائكم حتى يحكُم الله بينكم وبينه، ثم تفرَّقوا.
قال: فقال أبو طالب: الله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططًا، قال: فطمع رسول الله ﷺ فيه، فجعل يقول له: أَيْ عم، فأنت فقُلْها إستحلُّ لك بها الشفاعة يوم القيامة» فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي. والله لولا مخافةُ السُبَّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأَن تظنَّ قريش أني إِنما قلتها جَزَعًا من الموت لقلتها، لا أقلها إلا لأسرَّكَ بها.. فذكر الحديث.. وفيه راوٍ مبهم لا يُعرف حالُه.
وعند البخاري عن ابن المسيِّب عن أبيه أنَّ أبا طالب لما حضرته الوفاة
[ ١ / ٦٥ ]
دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: «أيْ عم، قل: لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملَّة عبد الطلب؟ فلم يزالا يكلِّمانه حتى قال آخر ما كلَّمهم به: على ملَّةِ عبد المطلب؛ فقال النبي ﷺ «لأستغفرنَّ لك ما لم أُنَه عنك» فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣) ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦)، ورواه مسلمك. وأخرجاه أيضًا من طريق آخرَ عنه بنَحْوِه وقال فيه فلم يزلْ رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: على ملَّة عبد المطَّلب، وأبى أن يقول: «لا إله إلا الله» فقال النبي ﷺ «أمَا لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك»، فأنزلَ الله - يعني بعد ذلك - فذكر الآيتين.
وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والنِّسائي والترمذي عن أَبي هريرة ﵁ قال: لم حضرتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسول الله ﷺ فقال: «يا عمَّاه قُلْ: لا إِله إِلا الله أشهدْ لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أنْ تعيِّرني قريش يقولون: ما حمله عليه إِلا فزعُ الموت لأقررتُ بها عينك، ولا أقولها إِلا لأُقرَّ بها عينك؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ
[ ١ / ٦٦ ]
وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦)، كذا في البداية.
إنكاره ﷺ أن تترك الدعوة إلى الله
وأخرج الطبراني والبخاري في التاريخ عن عقيل بن أبي طالب ﵁ قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فذكر الحديث كما سيأتي في باب تحمُّل الشدائد وفيه: فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، والله ما علمتُ إِنْ كنت لي لمطاعًا، وقد جاء قومك يزعمون أنَّك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم تسمعهم ما يؤذيهم فإنْ رأيت أن تكفَّ عنهم. فحلَّق ببصره إلى السماء فقال: «والله ما أنا بأقدرَ أنْ أدَع بعثتُ به مِنْ أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار» . وعند البيهقي أنَّ أبا طالب قال له ﷺ يا ابن أخي، إِنَّ قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا، فأَبْقِ عليَّ وعلى نفسك ولا تحمِّلْني مِنَ الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكففْ عن قومك ما يكرهون من قولك، فظنَّ رسول الله ﷺ أنْ قد بَدَا لعمه فيه، وأنَّه خاذلُه ومسلمُه وضَعفُ عن القيام معه، فقال رسول الله ﷺ «يا عمّ، لو وُضعت الشمسُ عن يميني والقمرُ في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يُظهرَهُ الله أو أهلِكَ في طلبه»؛ ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى - فذكر الحديث كما سيأتي.
وأخرج عبد بن حُمَيد في مسنده عن ابن أبي شيبة بإسناده عن جابر
[ ١ / ٦٧ ]
بن عبد الله ﵄ قال: اجتمع قريش يومًا فقالوا: أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرنا وعاب ديننا، فليُكلمْهُ، وينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدًا غيرَ عُتبة بن ربيعة؛ قالوا: إئتهِ يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ قال: فإن كنتَ تزعم أنَّ هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنَّا - والله - ما رأينا سَخْلة قط أشأم على قومه منك، فرقتَ جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعِبتَ ديننا، وفضحتَنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أنَّ في قريش ساحرًا وأنَّ في قريش كاهنًا والله ما ننتظر إِلا مثلَ صيحة الحبلى أنْ يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإنْ كان إنما بك الباه فاختر أيَّ نساء قريش شئت فلنزوجكَ عشرًا.
فقال رسول الله ﷺ «فَرغت؟» نعم، فقال رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم، حم. تنزيلٌ من الرحمن الرحيم. كتابٌ فُصِّلَتْ آياتُه قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون. - إلى أنْ بلغ - فإن أعرضوا فقل أنذرتكُم صاعقةَ مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمود»، فقال عتبة: حسْبُك ما عندك غير هذا؟ قال: «لا»؛ فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءَك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلِّمونه إلا كلّمته، قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم، ثم قال: لا والذي نَصَبَها بَنِيَّة ما فهمتُ شيئًا ممَّا قال غير أنَّه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئًا
[ ١ / ٦٨ ]
ما قال غير ذكر الصاعقة.
وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم وزاد: وإِن كنتَ إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسًا ما بقيت. وعنده: أنَّه لما قال: «فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» أمسك عتبة على فيهِ وناشده الرَّحِم أن يكفَّ عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش، ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، إنطلقوا بنا إليه. فأتَوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة، ما جئنا إلا أنك صبوْتَ إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك ن طعام محمد، فغضب وأقسم بالله لا يُكلِّم محمدًا أبدًا، وقال لقد علمتُم أني من أكثر قريش مالًا ولكنِّي أتيته - وقصَّ عليهم القصة - فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كِهانة، قرأ «بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم - حتى بلغ - فإنْ أعرضوا فَقُلْ أنذرتكُم صاعقةً مثل صاعقة عاد وثمود»؛ فأمسكت بفيهِ وناشدته الرَّحِم أنْ يكفَّ، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب، كذا في البداية. وأخرجه أبو يَعْلَى عن جابر ﵁ مثل حديث عبد بن حُمَيد. وأخرجه أبو نُعيم في الدلائل (ص ٧٥) بنحوه، قال الهيثمي: وفيه الأجلحُ الكِندي وثَّقه ابن مَعِين وغيره وضعفَّه النِّسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وأخرج أبو نُعيم في دلائل النبوة (ص ٧٦) عن ابن عمر ﵄ أن قريشًا
[ ١ / ٦٩ ]
إجتمعت لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فقال عتبة بن ربيعة لهم: دعوني حتى أقومَ إليه أُكلمه فإني عسى أن أكون أرفقَ به منكم، فقام عتبة حتى جلس إليه فقال: يا ابن أخي، أراكَ أوسطنا بيتًا، وأفضلنا مكانًا، وقد أدخلت على قومك ما لم يُدخل رجل على قومه مثله فإنْ كنت تطلب بهذا الحديث مالًا فذلك لك على قومك أنْ يُجمع لك حتى تكون أكثرنا مالًا. وإن كنت تطلب شَرَفًا فنحن نشرِّفك حتى لا يكون أحد من قومك أشرف منك ولا نقطع أمرًا دونك. وإن كان هذا عن ملمَ يصيبك فلا تقدر على النزوع منه بذلنا لك خزائننا حتى نُعْذَر في طلب الطبِّ لذلك منك. وإن كنت تريد ملكًا ملَّكناك.
فقال رسول الله ﷺ «أَفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ حم السَّجْدة، حتى مرَّ بالسجدة، فسجد رسول الله ﷺ وعتبة مُلْقٍ يده خَلْف ظهره حتى فرغ من قراءتها، ثم قام عتبة ما يدري ما يرجع به إلى نادي قومه، فلما رأوه مقبلًا قالوا: لقد رجع إليكم بوجه غير ما قام من عندكم، فجلس إليهم فقال: يا معشر قريش، قد كلمته بالذي أمرتموني به حتى إذ فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي مثله قط وما دريت ما أقول له يا معشر قريش، فأطيعوني اليوم واعصوني فيما بعده واتركوا الرجل واعتزلوه، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه، وخلُّوا بينه وبين سائر العرب، فإن يظهر عليكم يكن شرفه شرفكم وعزه عزكم، وإن يظهروا عليه تكونوا قد كُفيتموه بغيركم. قالوا: صبأت يا أبا الوليد. وهكذا ذكره ابن إسحاق بطوله كما ذكر في البداية، وأخرجه البيهقي أيضًا من حديث عمر مختصرًا، قال ابن كثير في البداية: وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه.
[ ١ / ٧٠ ]
إصراره ﷺ على الجهاد بما بعثه الله من الدعوة إلى الله
وأخرج البخاري عن المِسْور بن مَخْرَمة ومروان قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية - فذكر الحديث بطوله كما سيأتي في هذا الباب في الأخلاق المُفضية إلى هداية الناس، فيه: فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن وَرْقاء الخُزاعي في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله ﷺ من أهل تِهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ «إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنَّا جئنا معتمرين، وإن نَهكَتْهُم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا مادَدْتهم مدة ويخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي نفسي بيده وقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنَّ أمر الله» .
وعندي الطبراني عن المِسْور ومروان مرفوعًا: «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، فماذا عليهم لو خلُّوا بيني وبين سائر العرب، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن الله أظهرني عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يقبلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أُجاهدهم على الذي بعثني الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة» كذا في كنز العمال.
وهكذا أخرجه ابن
[ ١ / ٧١ ]
إِسحاق من طريق الزُّهْري، وفي حديثه: «فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أُجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفرد هذه السالفة»، كذا في البداية.