وأخرج البيهقي وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر ﵁ براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله ﷿: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (الغاشية: ٣، ٤) رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار، كذا في كنز العمال.
الدعوة للأفراد والأشخاص دعوة النبي ﷺ وبي بكر ﵁
أخرج الحافظ أبو الحسن الأطرابلسي عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله ﷺ وكان له صديقًا في الجاهلية - فلقيه فقال: يا أبا القاسم، فُقدْتَ من مجالس قومك واتَّهموك بالعيب لآبائها وأُمهاتها، فقال رسول الله ﷺ «إني رسول الله أدعوك إلى الله»، فلما فرغ من كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشَبَيْن أحد أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر؛ مضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سَلَمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا ﵃، كذا في البداية.
[ ١ / ٧٨ ]
وذكر ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق ﵁ لقي رسول الله ﷺ فقال: أحقٌ ما تقول قريش يا محمد من تَرْكِ آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ «بلى، إنِّي رسول الله ونبيُّه، بعثني لأُبلِّغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته» وقرأ عليه القرآن، فلم يقرَّ ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق. قال ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحُصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوتُ أحدًا إلى الإِسلام إِلا كانت عنده كَبْوة وتردّد ونظر إلا أبا بكر، ما عَكَم عنه حين ذكرته ولا تردد فيه» - عكم: أي تلبَّث.
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في قوله: «فلم يقر ولم ينكر» مُنْكَرٌ، فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله ﷺ قبل لبَعْثة، كان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق فكيف يكذب على الله؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له أنَّ الله أرسله بادر إلى تصديق. ولم يتلعثم ولا عَكَم. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي الدرداء ﵁ في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر ﵄ في الخصومة وفيه: فقال رسول الله ﷺ «إِنَّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله؛ فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟» مرَّتين؛ فما أُوذي بعدها. وهذا كالنص على أنَّه أول من أسلم، كذا في البداية (٣٢٦ و٢٧) .
دعوته ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁
أخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ أعزَّ الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام»،
[ ١ / ٧٩ ]
فجعل الله دعوة رسوله ﷺ لعمر بن الخطاب، فبنى عليه الإِسلام وهدم به الأوثان. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير مجالِد بن سعيد وقد وُثِّق - انتهى. وعند الطبراني من حديث ثَوْبان - فذكر الحديث كما سيأتي في باب تحمّل الصحابة الشدائد في سعيد بن زيد وزوجته فاطمة أخت عمر، وفيه: وأخذ رسول الله ﷺ بضَبْعَيه وهزه وقال: «ما الذي تريد؟ وما الذي جئت؟» فقال له عمر: اعرض عليَّ الذي تدعو إليه، فقال: «تشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله»، فأسلم عمر مكانه وقال: أخرج. وعند أبي نعيم في الحلية عن أَسْلَمَ قال: قال لنا عمر ﵁: أتحبُّون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشد الناس عداوة إلى رسول الله ﷺ قال: فأتيت النبي ﷺ في دار عند الصَّفا، أهدِه»، قال: فقلت: أشد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّك رسول الله، قال: فكبَّر المسلمون تكبيرة سُمعت في طرق مكة - فذكر الحديث. وأخرجه البزار أيضًا بسياقٍ آخر كما سيأتي.