أخرج أحمد عن مَرْثَد بن ظبيان ﵁ قال: جاءنا كتاب من رسول الله ﷺ فما وجدنا له قارئًا يقرأ علينا حتى قرأه رجل من ضَبِيعة: «من رسول الله ﷺ إلى بكر بن وائل: أسلموا تسلموا» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أيضًا البزَّار وأبو يَعْلَى والطبراني في الصغير عن أنس ﵁ بمعناه، قال الهيثمي: رجال الأوَّلين رجال الصحيح.
كتابه ﷺ إلى بني جذامة
أخرج الطبراني عن عُمير بن مقبل الجُذامي عن أبيه قال: وفد رِفاعة بن زيد الجُذامي على رسول الله ﷺ فكتب له كتابًا، وفيه:
«من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد: إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل
[ ١ / ١٧٢ ]
فيهم، يدعوهم إِلى الله وإلى رسوله: فمن آمن ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين» .
فلما قدم على قومه أجابوه - فذكر الحديث. قال الهيثمي: رواه الطبراني متصلًا هكذا، ومنقطعًا مختصرًا عن ابن إسحاق، وفي المتصل جماعة لم أعرفهم، وإسنادهما إلى ابن إِسحاق جيد. انتهى.
وأخرجه الأمويُّ في المغازي من طريق ابن إِسحاق من رواية عُمير بن معبد بن فلان الجذامي عن أبيه نحوه كما في الإِصابة.
قصصه ﷺ في الأخلاق والأعمال المفضية إلى هداية الناس إسلام زيد بن سُعْنة الحبر الإِسرائيلي ﵁
أخرج الطبراني عن عبد الله بن سَلام ﵁ قال: إنَّ الله ﷿ لمَّا أراد هُدى زيد بن سُعنَة قال زيد بن سُعْنَة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إِليه إلا اثنتين لم أخبُرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلمًا. قال زيد بن سُعْنة: فخرج رسول الله ﷺ يومًا من الحُجْرات - ومعه علي بن أبي طالب - فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، لي نفر في قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وكنت حدَّثتهم إِن أسلموا أتاهم الرزق رَغَدًا.
[ ١ / ١٧٣ ]
وقد أصابتهم سَنَة وشدّة وقحط من الغيث، فأنا أخشى - يا رسول الله - أن يخرجوا من الإِسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا؛ فإن رأيتَ أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلتَ. فنظر إلى رجل إِلى جانبه - أُراه عليًا - فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء. قال زيد بن سُعْنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا في حائط بني فلان إلى أجل معلوم، إلى أجل كذا وكذا. قال: «لا تُسمِّ حائط بني فلان» قلت: نعم، فبايَعَني، فأطلقت هِمْياني فأعطيته ثمانين مثقالًا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاه الرجل وقال: «إعدل عليهم وأغثهم» .
قال زيد بن سُعْنة: فلما كان قبل مَحِلِّ الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ في نفر من أصحابه، فلم صلّى على الجنازة ودنا إلى الجدار ليجلس إليه أتيته، فأخذته بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت له: يا محمد، ألا تقضيني حقِّي؟ فوالله، ما عُلِمْتُم بني عبد المطلب إلا مُطْلًا، ولقد كان بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفِلك المستدير، ثم رماني ببصر فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فَوْته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إليَّ في سكون وتُؤدة. فقال: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن أتباعه. إذهب به يا عمر، فأعطه حقَّه وزِدْه عشرين صاعًا من تمر مكان ما رْعْته» .
[ ١ / ١٧٤ ]
قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعًا من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعتك. قال: قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سُعْنة. قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحَبْرُ. قال: فما دعاك إلى أن فعلتَ برسول الله ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر، لم يكن من علامات النبوّة شيء إِلا وقد عرفت في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إِليه إِلا اثنتين، لم أخبُرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلمًا. وقد اختبرتهما، فأشهدك - يا عمر - أنِّي قد رضيتُ بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وأشهدك أنَّ شطر مالي - فإني أكثرها مالًا - صدقةٌ على أُمة محمد ﷺ قال عمر: أو على بعضهم فإنَّك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر، وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وآمن به وصدَّقه وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة؛ ثم توفي في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر. رحم الله زيدًا. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات؛ وروى ابن ماجه منه طرفًا: انتهى.
وأخرجه أيضًا ابن حِبَّان، والحاكم، وأبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ وغيرهم كما في الإِصابة وقال: ورجال الإِسناد مُوثّقون، وقد صرّح
[ ١ / ١٧٥ ]
الوليد فيه بالتحديث، ومداره على محمد بن أبي السَرِي الراوي له عن الوليد. وثَّقه ابن مَعِين، وليَّنه أبو حاتم. وقال ابن عدي: محمد كثير الغلط. والله أعلم. ووجدت لقصَّته شاهدًا من وجه آخر لكن لم يُسمَّ فيه، قال ابن سعد: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن حازم، حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهوديًا قال: ما كان بقي شيء من نَعْت محمد ﷺ في التوراة إلا رأيته؛ إِلا الحلم فذكر القصة. انتهى. وأخرجه أبو نُعَيم في الدلائل (ص ٢٣) .