أخرج يعقوب بن سفيان الفَسَوي الحافظ عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصَّافًا - عن حِلْية رسول الله ﷺ وأَنا أشتهي أَن يصف لي منها شيئًا أَتعلَّق به، فقال:
كان رسول الله ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يتلألأُ وجهه تلألؤَ القمر ليلة البدر. أطولَ من المربوع وأَقصر من المشذَّب عظيم الهامة. رَجْل الشعر، إِذا تفرقت عقيصته فَرَق، وإِلا فلا يجاوز شعرُه شحمةَ أذنيه إذا وفَّره. أزهر اللون. واسع الجبين. أَزجَّ الحواجب، سوابغ في غير قَرَن، بينهما عِرْق
[ ١ / ٤٦ ]
يُدِرُّه الغضب. أَقنى العِرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأَمله أَشمّ. كَثَّ اللحية. أَدعج. سهل الخدين. ضليع الفم. أَشنب، مُفَلَّجَ الأَسنان. دقيق المَسربة. كأَن عنقه جيد دُمية في صفاء الفضة، معتدلَ الخَلْق. بادنًا متماسكًا. سَوَاء البطن والصدر. عريض الصدر. بعيدَ ما بين المنكبين. ضخم الكراديس. أنورَ المتجرد. موصولَ ما بين اللبة والسُّرَّة بشعر يجري كالخط. عاري الثديَيْن والبطن مما سوى ذلك. أَشعرَ الذراعين والمنكبين وأَعالي الصدر. طويلَ الزندين. رَحْبَ الرَّاحة. سبط القصب. شثن الكفَّين والقدمين. سائل الأطراف. خُمْصن الأخْمَصين.
[ ١ / ٤٧ ]
مسيح القدمين، ينبو عنهما الماءُ. إِذا زال زال قَلْعًا يخطو تكفُّؤًا ويمشي هونًا. ذَرِيع المِشية، إذا مشى كأَنما ينحطُّ من صبب. وإِذا التفت التفت جميعًا، خافض الطرف، نظرُه إِلى الأرض أَطول من نظره إِلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام» .
قلت: صفْ لي منطقه، قال: «كان رسولُ الله ﷺ متواصِلَ الأَحزان. دائمَ الفكرة. ليست له راحة. لا يتكلَّم في غير حاجة. طويلَ السكوت. يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه. يتكلم بجامع الكلم. كلامه فَصْل لا فضول لا تقصير، دَمِث. ليس بالجافي ولا المَهين، يعظِّم النِّعمة وإِن دقَّت، لا يذم منها شيئًا ولا يمدحه. ولا يقوم لغضبه - إِذا تُعرِّض للحق - شيءٌ حتى ينتصر له. وفي رواية: لا تغضبه الدنيا ما كان لها، فإِذا تُعرِّض للحق لم يعرفه أَحد ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إِذا أَشار أَشار بكفِّه كلِّها، وإِذا تعجَّب قَلَبها، وإِذا تحدَّث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إِبهامه اليسرى. وإِذا غضب أَعرض وأشاح. وإذا فرح غضَّ
[ ١ / ٤٨ ]
طرفه، جُلُّ ضحك التبسُّم يفترُّ عن مِثْل حبِّ الغَمام.
قال الحسن: فكتمتُها الحسنَ بن علي زمانًا ثم حدَّثته فوجدته قد سبقني إِليه، فسأَله عما سأَلتُه عنه ووجدتُه قد سأل أَباه عن مَدْخله ومَخْرجه ومجلسه ومَخْرجه ومجلسه وشكله فلم يدعْ منه شيئًا.
قال الحسين: سأَلت أبي عن دخول رسول الله ﷺ فقال: «كان دخولُه لنفسه مأذونًا له في ذلك، وكان إِذا أَوى إلى منزله جزَّأَ دخولَه ثلاثة أَجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزَّأَ جزأه بينه وبين الناس فردَّ ذلك على العامة والخاصَّة لا يدَّخر عنهم شيئًا. وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أَهل الفضل بإِذنه وقَسْمه على قدر فضلهم في الدين، فمن هم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسأَلته عنهم وإِخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول: «ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته؛ فإِنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إِبلاغها إِياه ثبَّت الله قدميه يوم القيامة»، لا يُذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيرَهُ، يدخلون عليه رُوّادًا ولا يفترقون إلا عن ذَواق - وفي رواية: ولا يفترقون إلا عن ذوق - ويخرجون أدلّة - يعني على الخير -.
قال: وسأَلته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: «كان رسول الله ﷺ يخزُن لسانه إِلا بما يعنيه. ويؤلِّفهم ولا ينفِّرهم. ويكرم كريم كل قوم ويولِّيه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أَن يطوي على أَحد منهم بِشْرَه
[ ١ / ٤٩ ]
ولا خُلُقَه. يتفقَّد أَصحابه، ويسأَل الناس عمَّا في الناس، ويحسِّن الحسن ويقوِّيه، ويقبِّح القبيح ويُوَهِّيه. معتدل الأمر غير مختلف. لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا. لكلِّ حال عنده عتاد. ولا يقصِّر عن الحق ولا يحوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم، أَفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأَعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.
قال: فسأَلته عن مجلسه كيف كان؟ فقال: «كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يُوطن الأَماكن وينهى عن إِيطانها. وإِذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أَنَّ أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أَو قومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأَله حاجة لم يردّه إِلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناسَ منه بَسطُه وخلقُه فسار لهم أبًا وصاروا عنده في الحق سوء، مجلسُهُ مجلسُ حلم وحياءٍ وصبر وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُؤْبن فيه الحرم، ولا تُنثَى فلتاته. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقِّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب» .
قال: فسأَلته عن سيرته في جلسائه فقال: «كان رسول الله ﷺ دائم
[ ١ / ٥٠ ]
البِشْر، سهل الخُلُق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخَّاب، ولا فاش، ولا عيّاب، ولا مزَّاح. يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُؤْيس منه راجيَه، ولا يخيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء. والإِكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أَحدًا ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إِلا فيما يرجو ثوابه. إِذا تكلم أطرق جلساؤه كأَنما على رؤوسهم الطير، فإِذا تكلم سكتوا وإِذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده. يضحك ما يضحكن منه، ويتعجب مما يتعجبون من. ويصبر للغريب على الجفْوة في منطقه ومسأَلته حتى إِن كان أَصحابه ليستحلبونه في المنطق، ويقول: إِذا رأَيتم صاحب حاجة فأَرْفدوه. ولا يقبل الثناء إِلا من مكافىء ولا يقطع على أَحد حديثه حتى يَجُور فيقطعه بنهي أَو قيام» .
قال: فسأَلته كيف كان سكوته؟ قال «كان سكوته على أربع: الحلم، والحذر، التقدير، والتفكر؛ فأَما تقديره ففي تسويته النظر والإستماع بين الناس، وأمَّا تذكُّره - أو قال: تفكُّره - ففيما يبقى ويفنى. وجُمع له ﷺ الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه. وجُمَع له الحذر في أربع: أَخذه بالحسنى، والقيامُ لهم فيما جمع لهم الدنيا الآخرة ﷺ
وقد روى هذا الحديث بطوله الترمذي في الشمائل عن الحسن بن علي ﵄ قال: سأَلتُ خالي.. فذكَره، وفيه حديثه عن أخيه
[ ١ / ٥١ ]
الحسين عن أَبيه علي بن أبي طالب. وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم بإِسناده عن الحسن قال: سألتُ خالي هند بن أبي هالة.. فذكره، كذا ذكر الحافظ ابن كثير في البداية قلت: وساق إِسناد هذا الحديث الحاكم في المستدرك ثم قال.. فذكر الحديث بطوله. وأَخرجه أَيضًا الرُوياني والطبراني وابن عساكر كما في كنز العمال والبغوي كما في الإصابة، وفيما ذكر في الكنز في آخره: وجُمع له الحذر في أربع: أخْذُه بالحسنى ليُقْتَدَى به، وتَرْكُ القبيح ليُتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أَصلَح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة. وهكذا ذكره في المجمع عن الطبراني.