أَخرج ابن جريج وابن أَبي حاتم عن السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠) قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو شاء الله لقال: «أنتم» فكنَّا كلُّنا ولكن قال: «كنتم» خاصّة في أَصحاب محمد ﷺ ومَنْ صنع مثل صنيعهم، كانوا خيرَ أمّة أُخرجَتْ للنَّاس) . وعند ابن جرير عن قَتَادة ﵁ قال: ذُكرَ لنا أَن عمر بن الخطاب ﵁ قرأَ هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠) - الآية، ثم قال: (يا أيَّها الناس، من
[ ١ / ٥٢ ]
سرَّه أَن يكون من تِلْكم الآية فليؤدّ شرط الله منها) . كذا في كنز العمال.
وأَخرج أَبو نُعيم في الحلية عن ابن مسعود ﵁ قال: (إِنَّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا ﷺ فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه. ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحابًا، فجعلَهم أَنصارَ دينه ووزراءَ نبيِّه ﷺ فما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسنٌ وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيحٌ) . وأخرجه ابن عبد البر في الإستيعاب عن ابن مسعود ﵁ بمعناه ولم يذكُر: (فما رآه المؤمنون - إلى آخره) وأخرجه الطَّيالسي (ص ٣٣) أيضًا نحو حديث أبي نُعيم.
وأَخرج أبو نُعيم أَيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (من كان مُستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أَصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمّة، أبرَّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ ونقل دينه، فتشبَّهوا بأَخلاقهم وطرائقهم؛ فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله ربِّ الكعبة: كذا في الحلية وأَخرج أَيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: (أنتم أَكثرُ صيامًا وأَكثرُ صلاةً وأَكثرُ اجتهادًا من أَصحاب رسول الله ﷺ وهم كانوا خيرًا منكم قالوا: لِمَ يا أبا عبد الرحمن، قال: هم كانوا أزهد في الدنيا وأَرغب في الآخرة) كذا في الحلية. وأخرج أيضًا عن أَبي وائل قال: سمع عبد الله رجلًا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فقال عبد الله: (أولئك أَصحاب الجابية، اشترط خمسُ
[ ١ / ٥٣ ]
مائة من المسلمين أن لا يرجعوا حتى يُقتلوا، فحلقوا رؤوسهم ولقُوا العدو فقُتلوا إِلا مخبرٌ عنهم) كذا في حلية الأَولياء.
وأَخرج أيضًا عن ابن عمر ﵄ أَنه سمع رجلًا يقول: أَين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فأَراه قبرَ النبي ﷺ وأَبي بكر وعمر ﵄ فقال: (عن هؤلاء تسأَل) كذا في الحلية.
وأَخرج ابن أَبي الدنيا عن أَبي أَراكة يقول: صليتُ مع علي ﵁ صلاة الفجر، فلما انفَتَلَ عن يمينه مكث كأَنَّ عليه كآبةً، حتى إِذا كنت الشمس على حائِط المسجد قِيدَ رُمْح صلَّى ركعتين ثم قَلَب يده فقال: (والله لقد رأَيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئًا يُشبههم لقد كانوا يُصبحون صُفْرًا شُعْثًا غُبْرًا بين أعينهم كأَمثال رُكَب المِعزى، قد باتوا لله سُجّدًا وقيامًا، يتلُون كتاب الله، يتراوحون بين جباهم وأقدامهم، فإِذا أَصبحوا فذكروا الله مادُوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأَنّ القومَ باتوا غافلين) ثم نهض فما رُئِيَ بعد ذلك مفترًَّا يضحك حتى قتله ابن مُلْجَم عدوُّ الله الفاسق، كذا في البداية. وأخرجه أيضًا أبو نُعيم في الحلية والدينَوَرِي والعسكري وابن عساكر كما في الكنز.
وأَخرج أبو نعيم أَيضًا عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكِناني
[ ١ / ٥٤ ]
على معاوية فقال له: صِفْ لي عليًا، فقال: أَوَ تُعْفيني يا أمير المؤمنين؟ قال لا أُعفيك، قال: (أما إِذْ لا بدَّ؛ فإنَّه كان - والله - بعيد المدى، شديد القوى، يقول فَصْلًا ويحكم عدلًا، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنسُ بالليل وظلمته، كان - والله - غزير العَبْرة، طويل الفكرة، يقلِّبُ كفّه ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللباس ما قَصُر. ومن الطعام ما جَشُب، كان - والله - كأَحدنا يُدنينا إِذا أتيناه، ويُجيبنا إِذا سأَلناه، وكان مع تقرُّبِه إِلينا وقربهِ منا لا نكلمه هيبة له، فإِن تبسم فَعَنْ مثل اللؤلؤ المنظوم، يُعَظِّمُ أَهل الدين، ويُحبُّ المساكين، لا يطمعُ القويُّ في باطله، ولا ييأَسُ الضعيف من عدله، فأَشْهدُ بالله لقد رأيتُه في بعض مواقفه - وقد أَرخى الليل سدوله وغارت نجومه - يميلُ في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأَني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا: يتضرع إِليه ثم يقول للدنيا: إِليَّ تَغَرَّرْتِ؟ إِليَّ تشوَّفتِ؟ هيهات هيهات، غُرِّي غيري، قد بتَتُّكَ ثلاثًا. فعرُك قصيرٌ، ومجلسُك حقيرٌ، وخطرُك يسير، آه، آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشةِ الطريق) فَوَكَفَتْ دموع معاوية على لحيتها يملكها وجعل ينشفها بكمه - وقد اختنق القوم بالبكاء - فقال: (كذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وَجْدُك عليه يا ضرار)؟ قال: «وَجْد مَنْ ذُبح واحدها في حِجْرها، لا ترقأُ دمعتها، ولا يسكن حزنها) ثم قام فخرج. وأَخرجه أيضًا ابن عبد البر في الإستيعاب عن الحِرماني - رجل من همْدان - عن ضِرار الصُدَائي بمعناه.
وأخرج أبو نُعيم عن قتادة قال: سُئل ابن عمر ﵄ هل كان أَصحاب النبي ﷺ يضحكون قال: (نعم والإِيمانُ في قلوبهم أعظمُ من
[ ١ / ٥٥ ]
الجبال) كذا في الحلية. وأَخرج هنَّاد عن سعيد بن عمر القرشي أنَّ عمر ﵁ رأى رُفْقة من أهل اليمن رحالهم الأَدَمُ فقال: (من أحبَّ أن ينظر إلى شَبَهٍ كانوا بأصحاب رسول الله ﷺ فلينظر إلى هؤلاء) كذا في كنز العمال.
وأَخرج الحاكم في المستدرك عن أَبي سعيد المَقْبُري قال: لما طُعن أبو عبيدة ﵁ قال: يا معاذُ صلِّ بالناس، فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح، فقام معاذ في الناس فقال: (يا أيّها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا فإِن عبد الله لا يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقًا على الله أَن يغفر له. ثم قال: إنكم أيها الناس، قد فُجِعتم برجل - والله - ما أَزعم أَني رأيت من عباد الله عبدًا قطُّ أَقل غِمْرًا، ولا أبرأ صدرًا، ولا أَبعد غائلة، ولا أَشد حبًا للعاقبة، ولا أَنصح للعامة منه، فترحَّموا عليه ثم أَصْحِروا للصلاة عليه، فوالله لا يلي عليكم مثله أبدًا) . فاجتمع الناس وأُخرج أَبو عبيدة ﵁ وتقدَّم معاذ ﵁ فصلّى عليه، حتى إذا أُتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو ابن العاص والضحَّاك بن قيس، فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنّوا عليه التراب، فقال معاذ بن جبل: (يا أبا عبيدة،
[ ١ / ٥٦ ]
لأثنِيَنَّ عليك ولا أقول باطلًا أَخاف أَن يلحقني بها من الله مَقْتٌ: كنتَ - والله - ما علمتُ من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الذين يمشون على الأَرض هَوْنًا وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، ومن الذين إِذا أَنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتُروا وكان بين ذلك قوامًا، وكنت والله من المُخبتين، المتواضعين، الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويُبغضون الخائنين المتكبرين) .
وأخرج الطبراني عن رِبْعي بن حِرَاش قال استأذن عبد الله ابن عباس على معاوية ﵃ وقد عَلِقت عنده بطون قريش وسعيد ابن العاص جالس عن يمينه، فلما رآه معاوية مقبلًا قال: يا سعيد، والله لأُلقِيَنَّ على ابن عباس مسائل يعيَى بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عباس يعيى بمسائلك، فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أَبي بكر؟ قال: (رحم الله أبا بكر، كان - والله للقرآن تاليًا، وعن المَيْل نائيًا، وعن الفحشاء ساهيًا، وعن المنكر ناهيًا، وبدينه عارفًا، ومن الله خائفًا. وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، ومن دنياه سالمًا وعلى عدل البرية عازمًا، وبالمعروف آمرًا وإِليه صائرًا، وفي الأحوال شاكرًا، ولله في الغدو والرواح ذاكرًا، ولنفسه بالمصالح قاهرًا. فاق أَصحابه ورعًا وكفافًا وزهدًا وعفافًا وبرًّا وحِياطة زهادة وكفاءة، فأعقبَ الله مَنْ ثَلَبه اللعائن إِلى يوم القيامة) .
قال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: (رحم الله أبا حفص، كان - والله - حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحلَّ الإيمان، ومعاذَ الضعفاء، ومعقلَ الحنفاء، للخَلْق حصنًا، وللناس عونًا، قام بحق الله صابرًا محتسبًا حتى أَظهر الله الدين وفتح الديار، وذُكِر الله في الأقطار والمناهل وعلى التلال وفي
[ ١ / ٥٧ ]
الضواحي والبقاع، وعند الخَنى وقورًا، وفي الشّدة والرخاء شكورًا، ولله في كل وقت وأَوان ذكورًا، فأَعقب الله من يبغضه اللعنة إِلى يوم الحسرة) .
قال معاوية ﵁: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: (رحم الله أبا عمرو، كان - والله - أَكرم الحَفَدة، وأَوصلَ البررة، وأَصبرَ الغزاة، هجّادًا بالأَسحار. كثيرَ الدموع عند ذكر الله، دائمَ الفكر فيما يعنيه الليلَ والنهارَ، ناهضًا إِلى كل مكرمة، يسعى إلى كل منجية، فرّارًا من كل مُوبقة، وصاحب الجيش والبئر، وخَتَن المصطفى على ابنتيه، فأعقب الله من سبَّه الندامة إلى يوم القيامة) .
قال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: (رحم الله أَبا الحسن كان - والله - علمَ الهدى، وكهفَ التقى، ومحل الحجى، وطَوْدَ البهاء، ونور السُّرَى في ظلم الدُّجَى، داعيًا إلى المَحَجَّة العظمى، عالمًا بما في الصحف الأُولى، وقائمًا بالتأويل والذكرى، متعلِّقًا بأسباب الهدى، وتاركًا للجَوْر والأَذى. وحائدًا عن طرقات الرَّدَى، وخيرَ من آمن واتقى، وسيِّدَ من تقمَّص وارتدى، وأَفضلَ من حجَّ وسعى، وأسمحَ من عدل وسوَّى، وأَخطبَ أَهل الدنيا إِلا الأنبياء والنبي المصطفى، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحِّدٌ؟ وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تَرَ عيني مثله ولا ترى إِلى يوم القيامة واللقاء، من لعنه فعليه لعنةُ الله والعباد إِلى يوم القيامة) .
قال: فما تقول في طلحةَ والزبير؟ قال: (رحمة الله عليهما، كانا - والله - عفيفَين، برّين، مسلمَين، طاهرَين، متطهِّرَين، شهيدَين، عالَمَين، زَلا زلَّة
[ ١ / ٥٨ ]
والله غافرٌ لهما إِن شاء الله بالنُّصرة القديمة والصُّحبة القديمة والأفعال الجميلة) .
قال معاوية: فما تقول في العبَّاس؟ قال: (رحم الله أَبا الفضل كان - والله - صِنوَ أَبي رسول الله ﷺ وقرَّة عين صفيِّ الله، كهف الأقوام، وسيّد الأعمام، وقد عَلا بصرًا بالأمور ونظرًا بالعواقب. قد زانَه علمٌ، قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأسباب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دبَّ وهب عبدُ المطلب، أفخر من مشى من قريش وركب)؟ فذكر الحديث. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم.
[ ١ / ٥٩ ]
الباب الأول