" الفصل الثالث " في الحث على الإقامة والصبر والموت بها واتخاذ الأصل ونفيها الخبث والذنوب ووعيد من أحدث بها حدثا أو آوى محدثا أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم
وقد سبق حديث مسلم يأتي على الناس زمان الحديث وفي الموطأ والصحيحين حديث تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون الحديث
[ ١ / ٨٥ ]
ويبسون بفتح أوّله وضم الموحدة وبكسرها أي يسوقون دوابهم مسرعين وفي الصحيحين حديث من صبر على لأوائها وشدّتها كنت
[ ١ / ٨٦ ]
له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ولمسلم عن سعيد مولى المهري إنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها فقال ويحك لا آمرك بذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصبر وفي رواية لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة وفي رواية فقال أبو سعيد
[ ١ / ٨٧ ]
لا تفعل الزم المدينة وذكر الحديث ولمسلم وغيره أن مولاة أتت أبن عمر ﵄ في الفتنة تسلم عليه فقالت إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتدّ علينا الزمان
[ ١ / ٨٨ ]
فقال لها عبد الله اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة والظاهر كما قال عياض إنّ أو ليست للشك لكثرة رواته بها بل
[ ١ / ٨٩ ]
للتقسيم ويكون شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده وكل من هذه الشفاعة أو الشهادة خاصة تزيد على شفاعته وشهادته العامتين أو تكون أو بمعنى الواو فقد رواه البزار برجال الصحيح عن عمر ﵁ بالواو والمفضل الجنيدي عن أبي هريرة ﵁ بلفظ لا يصبر أحد على لأواء المدينة وفي نسخة وحرها
[ ١ / ٩٠ ]
إلا كنت له شفيعا وشهيدا وفيه البشرى للطابر بها بم الموت على الإسلام لاختصاص ذلك بالمسلمين وكفى بها مزية بل كل من مات بها فهو مبشر بذلك فقد ثبت حديث من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة وحديث من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فأني أشفع لمن يموت بها وفي رواية فأني أشهد أن يموت بها وللبيهقي وأبن حبان في صحيحه من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فأنه من يمت بها أشفع له وأشهد له وفي رواية فأنه من مات بها كنت له شفيعا أو شهيد يوم القيامة وفي رواية عقب ذلك وأني أوّل من تنشق عنه الأرض ثم
[ ١ / ٩١ ]
أبو بكر ثم عمر ثم آتى أهل البقيع فيحشرون ثم انتظر أهل مكة ولأبي ذر الهروي في سنته عن أبن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ أنا أوّل من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي ثم انتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين
[ ١ / ٩٢ ]
وفي حديث أوّل من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف وفي الموطأ أنّ النبي ﷺ كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة فاطلع رجل في القبر فقال بئس مضجع المؤمن فقال رسول الله ﷺ بئسما قلت قال الرجل أني لم أرد هذا إنما أردت القتل في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ لا مثل للقتل في سبيل الله ما على الأرض بقعة أحب إليّ من أن يكون قبري بها منها يعني المدينة ثلاث مرّات
[ ١ / ٩٣ ]
ولا حمد برجال الصحيح إنّ النبي ﷺ كان إذا دخل مكة قال اللهمّ لا تجعل منايانا بمكة حتى تخرجنا منها
[ ١ / ٩٤ ]
وصح أن عمر ﵁ قال اللهمّ ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ
[ ١ / ٩٦ ]
وروى أن ذلك كان من أجل دعائه وفي الكبير للطبراني في حديث من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به ومن لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها وفي رواية فليجعل له بها أصلا ولو قصرة أي ولو شجرة وزنا ومعنى ورواه أبن شبة بنحوه ثم أسند عن الزهري
[ ١ / ٩٧ ]
مرفوعا لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها في دار هجرتكم فأنّ الرجل مع ماله وعن أبن عمر ﵄ مرفوعا أيضا لا تتخذوا من وراء الرق حاملا ولا ترتدوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء أهل مكة الحديث وفي مسلم عقب قوله في الحديث السابق لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ألا إن المدينة كالكير
[ ١ / ٩٨ ]
تنفي الناس وفي رواية تنفي الرجال
[ ١ / ٩٩ ]
أي شرارهم أو خبثهم ولذا روى خبث الرجال وفي صحيح البخاري حديث إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة وفي
الصحيحين قصة الإعرابي القائل أقلني بيعتي فأبى ﷺ
[ ١ / ١٠٠ ]
فخرج الإعرابي فقال ﷺ المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها
[ ١ / ١٠١ ]
وهو ظاهر في أنّ المراد إبعاد أهل الخبث ولا يختص بزمنه ﷺ لقوله ﷺ في الحديث السابق لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها أي عند ظهور الدجال حين ترجف المدينة فيخرج إليه منافقوها ولذا جاء في حديث أحمد الآتي وذلك يوم التخليص ذلك يوم تنفى المدينة الخبث وقال عمر بن عبد العزيز إذا خرج منها لمن معه أنخشى أن نكون ممن نفت المدينة وقد أبعد الله عنها أرباب الخبث الكامل وهم الكفار وأما غيرهم فقد يكون إبعاد أن مات بها بنقل الملائكة له كما أشار إليه الأقشهري فقوله تنفى خبثها وتنفى الذنوب أي أهل ذلك أو المراد إبعاد أهل الخبث الكامل فقط وهم أهل الشقاء لعدم قبولهم للشفاعة أو
[ ١ / ١٠٢ ]
المراد فيما عدا قصة الإعرابي والدجال أنها تخلص النفوس من شرهها وظلمات ذنوبها بما فيها من اللأواء والمشقات ومضاعفة المثوبات والرحمات إذ الحسنات يذهبن السيئات أو المراد من كان في قلبه خبث وفساد ميزته عن القلوب الصادقة وأظهرت ما يخفي من عقيدته كما هو مشاهد بها ويؤيده قوله ﷺ عند رجوع المنافقين في غزوة أحد المدينة كالكير الحديث والذي ظهر لي أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة وتنصع بفتح الفوقانية وسكون النون وبالمهملتين أي تميز وتخلص طيبها بالنصب على المفعولية هذا هو المشهور وفي الصحيحين في أحاديث تحريم المدينة فمن أحدث فيها أحدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم
[ ١ / ١٠٣ ]
القيامة صرفا ولا عدلا ولفظ البخاري لا يقبل منه صرف ولا عدل والجمهور أنّ الصرف الفريضة والعدل النافلة وقيل عكسه وقيل الصرف التوبة والعدل الفدية أي أتى فيها إثما
[ ١ / ١٠٤ ]
أو آوى من أتاه وحماه فلا يقبل منه فريضة ونافلة قبول رضا ولا يجد في القيامة ما يفتدى به من كافر وقيل غير ذلك ولعنه إبعاده عن رحمة الله وطرده عن الجنة أوّلا لا كلعن الكفار وفيه دلالة على أنّ ذلك من الكبائر مطلقا إذ اللعن خاص بها فيستفاد منه أنّ الصغيرة بها كالكبير بغيرها تعظيما للحضرة النبوية وفي صحيح البخاري مرفوعا لا يكيد أهل المدينة أحد إلا أنماع
[ ١ / ١٠٥ ]
كما ينماع الملح في الماء ولمسلم من أراد أهل هذه البلدة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وله في رواية ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء قال عياض قوله في النار يبين أنّ هذا حكمه في الآخرة أو المراد من أرادها في حياة النبي ﷺ بسوء اضمحل كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله أو ذوب الملح في الماء أو المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرّتها فيضمحل كيده ولا يتم أمره بخلاف من أتاها جهارا أو المراد من أرادها بسوء مطلقا فأن أمره يضمحل في الدنيا كما عوجل
[ ١ / ١٠٦ ]
مسلم بن عقبة وكذا مرسله عقب إغزائها قلت هذا هو الأرجح إذ ليس في اللفظ ما يقتضي التخصيص بزمان ولأنه لا يتم لمن أرادها بسوء ما أراده بل الوعد بإهلاكه سريعا وهذا هو المشاهد من شانها
[ ١ / ١٠٧ ]
وقد يضاف لذلك الإذابة في النار أيضا وللجنيدي حديث أيما جبار أراد المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وللبزاز بإسناد حسن حديث اللهمّ اكفهم من دهمهم محرّكا أي غشيهم بسرعة وأغار عليهم
[ ١ / ١٠٨ ]
ولأبن زبالة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أشرف على المدينة فرفع يديه حتى رؤى عفرة إبطه ثم قال الهمّ من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجل هلاكه وفي الأوسط للطبراني برجال الصحيح حديث اللهمّ من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وفي رواية لغيره من أخاف أهل المدينة أخافه الله
[ ١ / ١٠٩ ]
يوم القيامة وغضب عليه ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا وللنسائي من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله وكانت عليه لعنة الله ولأبن حبان نحوه ولا حمد برجال الصحيح عن جابر أنّ أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين
[ ١ / ١١٠ ]
ابنيه فنكب فقال تعس من أخاف رسول الله ﷺ فقال أبناه أو أحدهما يا أبت وكيف أخاف رسول
الله ﷺ وقد مات فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي
[ ١ / ١١١ ]
قلت ولعل هذا الأمير بسر بن أرطاة كما رواه أبن عبد البر من إرسال معاوية ﵁ له إلى المدينة في جيش بعد تحكيم الحكمين وإنه أرسل إلى بني سلمة ما لكم عندي أمان ولا بيعة حتى تأتون بجابر وروى أن أهل المدينة فرّوا يومئذ حتى دخلوا حرّة بين سليم
[ ١ / ١١٢ ]
وفي الكبير للطبراني حديث من آذى أهل المدينة آذاه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ولأبن النجار عن معقل بن يسار المزني مرفوعا المدينة مهاجري فيها مضجعي ومنها مبعثي حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر ومن حفظهم كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ومن لم يحفظهم سقى من طينه الخبال قيل للمزني وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار
[ ١ / ١١٣ ]
ورواه الكبراني بلفظ المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض حق على أمتي أن يكرموا جيراني ما اجتنبوا الكبائر فمن لم يفعل ذلك منهم سقاه الله من طينة الخبال قلنا يا أبا يسار وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار وفي فوائد القاضي أبي الحسن الهاشمي عن خارجة أبن زيد مرفوعا المدينة مهاجري وفيها مضجعي ومنها مخرجي
[ ١ / ١١٤ ]
حق على أمتي حفظ جيراني فيها من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة ومن ضيعها أورده الله حوض الخبال قيل وما حوض الخبال يا رسول الله قال حوض من صديد أهل النار ولأبن زبالة حديث أنّ الله جعل المدينة فيها مهاجري وفيها مضجعي ومنها مبعثي فحق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر فمن حفظ فيهم حرمتي كنت له شفيعا يوم القيامة ومن ضيع فيهم حرمتي أورده الله حوض الخبال وفي رواية له المدينة مهاجري وبها وفاتي ومنها محشري وحقيق على أمتي أن يحفظوا جيراني ما اجتنبوا الكبيرة من حفظ فيهم حرمتي كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة وفي مدارك عياض قال محمد بن مسلمة سمعت مالكا يقول دخلت على المهدي فقال أوصني فقلت أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ
[ ١ / ١١٥ ]
قال المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني وحقيقة على أمتي حفظ جيراني فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال وقال مصعب لما قدم المدينة أستقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال فلما بصر بمالك أنحرف المهدي إليه فعانقه وسايره فألتفت إليه مالك فقال يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فأن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا بلد خير من أهل المدينة قال ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله فقال إنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ ومن كان قبر محمد ﷺ عندهم
[ ١ / ١١٦ ]
فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم ففعل ما أمر به اه وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر النبي ﷺ وقد قال ما زال جبريل يوصيني بالجار ولم يخص جارا دون جار
[ ١ / ١١٧ ]
ومن تأمل هذا الفضل لم يرقب في تفضيل سكنى المدينة على مكة مع تسليم مزية المضاعفة لمكة فتلك لها مزيد العدد ولهذه تضاعف البركة والمدد ولتلك جوار بيت الله تعالى
[ ١ / ١١٨ ]
ولهذه جوار حبيب الله ﷺ وأكرم الخلق على الله تعالى وقال أبو بكر بن حماد إنه سأل أبا عبد الله يعني ابن حنبل أين ترى أحب إليك أن يسكن الرجل مكة أو المدينة قال المدينة لمن كبر عليها وفي رواية المدينة لمن قوى عليها قيل له لم قال لأن بها خير المسلمين واختيار سكنا المدينة هو المعروف من حال السلف ولأبن كبة عن الشعبيّ إنه كان يكره المقام بمكة ويقول هي دار إعرابية هاجر منها رسول الله ﷺ وقال ألا يغنى حبيب نفسه حيث جاور بمكة وهي دار إعرابية
[ ١ / ١١٩ ]
وعن عامر نحوه وقال لأن أنزل دور أن أحب إلىّ من أنزل مكة وهي قريه هاجر منها النبي ﷺ ودوران كحوران عند طرف قديد وفي مصنف عبد الرزاق أن الصحابة كانوا يحجون ثم يرجعون ويعتمرون ثم يرجعون ولا يجاورون قلت ولم أر للسلف خلافا في كراهة المجاورة بالمدينة بخلاف مكة وأن اقتضى كلام النووي حكاية الخلاف فيهما بناء على أن
العلة
[ ١ / ١٢٠ ]
خوف الملل وقلة الحرمة والأنس وخوف ملابسة الذنوب قال والمختار استحباب المجاورة بهما إلا أن يغلب على ظن الوقوع فيما ذكر وفي الأوسط للطبراني حديث من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة. لة خوف الملل وقلة الحرمة والأنس وخوف ملابسة الذنوب قال والمختار استحباب المجاورة بهما إلا أن يغلب على ظن الوقوع فيما ذكر وفي الأوسط للطبراني حديث من غاب عن المدينة ثلاثة أيام
[ ١ / ١٢١ ]
جاءها وقلبه مشرب جفوة.
[ ١ / ١٢٢ ]