منذ قرن واحد من الزمان، كانت معلوماتنا عن تاريخ بلاد العرب قبل الإسلام، تعتمد فقط على ما جاء في التوراة، وعلى ما كتبه القدامى من الأغارقة والرومان، وكان هذا كله شيئًا قليلا لا يشفي غليل العلماء، حتى لو أضفنا إليه بعض ما كتبه العرب عن تاريخهم قبل الإسلام، أو ما نستطيع أن نحصل عليه من معلومات إذا درسنا الشعر الجاهلي، إلا أن الأمر سرعان ما بدأ يتغير عندما أخذت النقوش اليمنية طريقها إلى أيدي العلماء، وقد أصبح عددها الآن أكثر من خمسة آلاف نقش، فيها الكثير من المعلومات عن ممالك شبه الجزيرة العربية، كما وصل إلى أيدي العلماء كذلك عشرات الآلاف من "المخربشات" القصيرة على واجهات الصخور في شمال بلاد العرب، بين ثمودية ولحيانية وسبئية وغيرها١، فضلا عن تلك التي وجدت خارج شبه الجزيرة العربية كالنقوش الصفوية التي وجدت فوق جبال الصفا جنوب شرق دمشق، وهي قريبة -من حيث الخط واللغة وأسماء الآلهة- من النقوش الثمودية٢.
أضف إلى ذلك، تلك النقوش والكتابات غير العربية التي تطرقت إلى ذكر العرب، كما في بعض النقوش الآشورية والبابلية، والتي قدمت لنا معلومات قيمة عن بلاد العرب الشمالية، وعن علاقاتها بالإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، كما عرفنا من هذه النقوش -مثلا- أن المرأة العربية قد وصلت منذ القرن الثامن قبل الميلاد إلى منصب رئيس الدولة، كالملكة "زبيبة" والملكة "شمس" والملكة
_________________
(١) ١ أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم ص١٢٥. ٢ ديتلف نلسن: التاريخ العربي القديم ص٤٦.
[ ٢٢ ]
"تعلخونو" وغيرهن١.
والأمر كذلك بالنسبة إلى النقوش المعينية أو السبئية في مصر أو في الحبشة، فضلا عن النقوش النبطية التي اكتشفت في بعض جزر اليونان، والتي تدل على المدى البعيد الذي بلغه أصحابها في النشاط التجاري والبحري، ومن هذا النوع ذلك النقش الذي اكتشف عام ١٩٣٦م في جزيرة "كوس" ببحر إيجه، فضلا عن نقشين نبطيين وجدا بالقرب من "نابولي"، إلى جانب نقش ثالث وجد في "روما"٢.
وهكذا أصبح لدينا الآن ما يساعدنا في تقديم صورة واضحة إلى حد ما، عما كان جاريًا في تلك البلاد منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وحتى ظهور الإسلام، أي مدى ألف وخمسمائة سنة، سواء أكان ذلك من الناحية السياسية أو الدينية أو الاقتصادية٣.
وهكذا تظهر لنا أهمية الآثار في دراسة التاريخ والحضارة، بل لعلها من أهم -إن لم تكن أهم- ما يجب أن يعتمد عليه المؤرخ في دراسته، فهي الشاهد الناطق الوحيد الباقي لنا من تلك الأيام الخوالي، ومن هنا كانت أهميتها في تقديم صورة للحياة العامة في كل مناحيها المختلفة، فمثلا عن طريق الكتابات المعينية الشمالية التي وجدت في "العلا" استطعنا أن نعرف منها أن المعينيين الشماليين كانوا يستخدمون الكتابة والديانة المعينية التي عرفها المعينيون الجنوبيون، واستخدموها في وطنهم الأصلي١.
_________________
(١) ١ انظر: Nadia Abbot، Pre-Islamic Arab Queens، Ajsl، ٥٨، ١٩٤١. وكذا D.D. Luckenbill، Ancient Records Of Assyria And Babylonia، Ii، Chicago، ١٩٢٧. وكذا A.G. Lie، The Inscriptions Of Sargon Ii، Part، I، The Annals، ١٩٢٩. وكذا A.L.Oppenheim، Babylonian And Assyrian Historical Texts، Anet، ١٩٦٦. ٢ انظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة "مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية" العدد السادس، الرياض ١٩٧٦ ص٢٨٧-٤٣٧، وكذا: سبتينو موسكاتي الحضارات السامية القديمة ص٣٥٥ وكذا G.A Cooke، A Text-Book Of North Semitic Inscription، Oxford، ١٩٠٣، P. ٢٥٦-٧. ٣ أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، القاهرة ١٩٦٣ ص١٢٥-١٢٦. ٤ ديتلف نلسن: المرجع السابق ص٤٢.
[ ٢٣ ]
هذا وقد عرفنا عن طريق الوثائق الصفوية أن الصفويين هم وحدهم الذين نعرف عنهم شيئًا قبل أن يمتزجوا في الشعوب السامية الشمالية، إذ ظلوا محتفظين بالخط السامي الجنوبي واللغة السامية الجنوبية والعقائد السامية الجنوبية١ بل استطعنا أن نعرف عن طريق الجعارين المصرية، والأختام الساسانية، التي وجدت طريقها إلى بلاد العرب الجنوبية، أن نستنتج أن التبادل بين بلاد العرب الجنوبية وبين البلاد الأخرى، لم يكن مقصورًا على التجارة فحسب، بل تعداها إلى الفنون كذلك، وقد تركت هذه الفنون الأجنبية أثرها في الفن العربي الجنوبي٢.
على أنه يجب أن نلاحظ أن في هذه المصادر الأثرية نقاط ضعف كثيرة، منها "أولًا" أنها في معظمها تتشابه في مضمونها وفي إنشائها، لأنها تتعلق بأمور شخصية، كإنشاء بيت أو بناء معبد أو إقامة سور، ومن ثم فقد كانت أهميتها لغوية أكثر منها تاريخية، ولكنها في الوقت نفسه، قد أمدتنا بأسماء عدد من الملوك، لولاها لما عرفنا عنهم شيئًا، كما قدمت لنا بعض المعلومات عن العلاقة بين القبائل بعضها بالبعض الآخر، ومن هذا النوع نقش Cih.١٤٥٠"" والذي يتحدث عن حرب دارت رحاها بين قبائل حاشد وحمير في مدينة "ناعط"٣.
ومنها "ثانيًا" أن معظمها قد وجد في المعابد والقبور، ومن ثم فهي ذات صبغة دينية، ومنها "ثالثًا" أن النصوص اللحيانية عبارة عن "مخربشات" صغيرة، وبعضها -كما في النصوص المعينية الشمالية- ليست نقوشًا كاملة، وإنما هي أجزاء من نقوش، ذلك لأن معظم الأحجار التي دونت عليها النقوش إنما وجدت في غير أماكنها الأصلية، وقد استخدمها القوم أخيرًا كمواد للبناء، ومن ثم فقد وجدت في جدران المنازل وأسوار الحدائق في مدينة "العلاء"، وانطلاقًا من هذا، فإن الفائدة منها جد قليلة، كما أن قلة من العلماء هي التي كانت قادرة على ترجمتها، ومع ذلك فقد أفادتنا في معرفة أسماء بعض الآلهة٤.
ومنها "رابعًا" أن الكتابات المؤرخة منها قليلة، ومن ثم فلم تهدنا إلى تقويم
_________________
(١) ١ Dussaud، Les Arabes En Syrie Avant L'islam، Paris، ١٩٠٧ ٢ أدولف جرومان: التاريخ العربي القديم ص١١٧ ٣ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الأول ص٤٤-٤٦، وكذا. D.S Margoliouth، Lectures On The Arabic Historians، Calcutta، ١٩٣٠، P.٢٩ ٤ ديتلف نلسن: المرجع السابق ص٤٣.
[ ٢٤ ]
ثابت يمكن القول أن العرب القدامى إنما كانوا يستعملونه، وطبقًا لهذا اتجه الباحثون إلى أن العرب إنما كانوا -كغيرهم من الشعوب القديمة- يؤرخون الأحداث طبقًا لسني حكم الملوك، بل إن القوم قد تجاوزوا ذلك إلى التأريخ بأيام الرؤساء وشيوخ القبائل وأرباب الأسر، بل إن البعض منهم قد أهمل التاريخ تمامًا، وإن كان الحميريون قد اتخذوا من قيام دولتهم في عام ١١٥ قبل الميلاد "وربما عام ١١٨ق. م أو عام ١٠٩ق. م"، تقويمًا ثابتًا يؤرخون به الأحداث١.
هذا وقد أشار "المسعودي" إلى أن العرب قبل الإسلام إنما كانوا يؤرخون بتواريخ كثيرة، فأما "حمير" و"كهلان" أبناء سبأ، فقد كانوا يؤرخون بملوكهم، أو بما يقع لهم من أحداث جسيمة، فيما يظنون، كنار صوان التي كانت تظهر في بعض الحرار بأقاصي اليمن، وكالحروب التي كانت تنشب بين القبائل والأمم، فضلا عن التأريخ بأيامهم المشهورة، وكذا بوفاة إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما كانت قريش تؤرخ عند مبعث المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- بوفاة هشام بن المغيرة وبعام الفيل٢، ويذهب الطبري إلى أن العرب لم تكن تؤرخ بشيء محدد قبل الإسلام، غير أن قريشًا إنما كانت تؤرخ بعام الفيل، بينما كان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المشهورة، كيوم جبلة والكلاب الأول والثاني٣.
_________________
(١) ١ جواد علي: المرجع السابق ص٤٨ وكذا- J.B. Philby، The Background Of Islam، P.٩٧ وكذا E. Glaser، Skizze Der Geschichte Und Geographie Arabiens، Berlin،١٨٩٠، I،P.٣ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٠٧-٤٢٧، ٤٢٩-٤٣٠ ٢ أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: التنبيه والإشراف، القاهرة ١٩٣٨ ص١٧٢٠١٨١ "بيروت ١٩٦٨". ٣ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك - الجزء الأول، القاهرة ١٩٦٧ ص١٩٣، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ١/ ٥٤٩-٥٥٢، ٦٢٢-٦٢٦.
[ ٢٥ ]