هناك نص سومري يرجع إلى عهد "أرادننار" من أسرة لجش الثانية -والتي تعاصر أسرة أرو الثالثة التي حكمت في النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد١- جاء فيه كلمة "Sabu" وتعني "سبأ"٢، ويذهب "هومل"٣، إلى أن هذه
_________________
(١) ١ انظر عن عصر أسرة أور الثالثة، كتاب أستاذنا الدكتور نجيب ميخائيل: مصر والشرق الأدنى القديم ٥/ ١٦٠-١٦٢ ٢ O'leary، Op. Cit.، P.٨٧. وكذا Ei، ٤، P.٣ ٣ F. Hommel، In Hilprecht's Exploration In The Bible Land، P.٧٩٣ وكذا Encyclopaedia Of Islam، ٤، P.٣
[ ٢٣٣ ]
الكلمة "Sabum" التي وردت في النصوص السومرية إنما تعني "سبأ" التي وردت في التوراة، فإذا كان ذلك كذلك، فإن تاريخ سبأ يعود إلى الألف الثالثة ق. م١، ويرى "مونتمجري" أن قوم سبأ الذين تحدثت عنهم النصوص السومرية، إنما كانوا من العربية الصحراوية، أي من البادية، ثم هاجروا إلى اليمن، في وقت لا نستطيع تحديده على وجه اليقين، وإن ذهبت بعض الآراء إلى أن ذلك إنما كان في القرن الحادي عشر ق. م، وبعد مئات من السنين من هجرة المعينيين والقتبانيين إلى اليمن٢.
على أن رأيًا آخر إنما يذهب إلى أن هجرة أهل معين وقتبان وحضرموت إلى اليمن، إنما كانت حوالي عام ١٥٠٠ق. م، بينما كانت هجرة السبئيين حوالي عام ١٢٠٠ق. م، وأن الأخيرين كانت لهم قوافل تجارية تصل إلى فلسطين قبل عام ٩٢٢ق. م، كما يفهم من بعض نصوص العهد القديم٣.
ويذهب "هومل" إلى أن السبئيين إنما هم أصلا من العربية الشمالية، وأنهم كانوا يعيشون، فيما يعرف عند الآشوريين بـ "أريبي" و"عريبي"، وفي التوراة بـ "يرب" و"يارب"، وفي القرن الثامن ق. م، هاجروا إلى اليمن حيث استقروا في "صرواح" و"مأرب" التي جاء اسمها من "يارب"، و"يرب" ويعتمد "هومل" في ذلك على أدلة، منها "أولًا" ما جاء في نقش "جلازر ١١٥٥" من أن السبئيين قد تعرضوا لقافلة معينية في مكان ما بين "معان" و"رجمت" على مقربة من نجران، ومن ثم فإن السبئيين إنما كانوا يقيمون في منطقة تقع إلى الشمال من دولة معين إبان ازدهارها الأخير، ومنها "ثانيًا" اختلاف لهجة السبئيين عن بقية الشعوب العربية الجنوبية، مما يدل على أن السبئيين شماليون هاجروا إلى الجنوب٤.
على أن هناك وجهًا آخر للنظر، يذهب إلى أن السبئيين إنما كانوا أسبق من
_________________
(١) ١ A. Grohmann، Op. Cit.، P.٢٤ ٢ R.F. Burton، Royal Inscriptions From Sumer And Akkad، P.١١٥ وكذا J.A. Montgomery، Op. Cit.، P.٥٠ وكذا A. Grohmann، Op. Cit.، P.٢٤ ٣ جواد علي ٢/ ٢٥٩-٢٦٠، وكذا ملوك أول ٩: ١٠ وكذا A. Grohmann، Op. Cit.، P.٢٤ ٤ جواد علي ٢/ ٢٦٠ وكذا F. Hommel، Geographie Und Geschichte Des Alten Orients، I، P.١٤٢
[ ٢٣٤ ]
المعينيين، ذلك لأن النصوص القديمة التي ورد فيها اسمهم في التوراة وعند الآشوريين صريحة في الكلام عنهم، كمجتمع منظم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، بينما لم يرد ذكر "معين" بصراحة وتحديد في نفس الفترة، ومهما يكن من أمر الوثائق المكتوبة، فإن الملاحظ من الناحية الأثرية هو أن الكتابات التي وردت بالخط المسند من ممالك اليمن المختلفة تبدأ بالكتابات السبئية، ثم إن الآثار غير المكتوبة تبين لنا أن كل هذه التواريخ متأخرة بالنسبة لقيام الحضارة في اليمن، فهناك بالتأكيد آثار ترجع إلى نهاية الألف الثاني ق. م١.
وهناك وجه ثالث للنظر، يذهب إلى أن الحفائر الأثرية وتطبيق "العملية" الراديو كربونية "Radiocarbon Process" تشير إلى تعاصر السبئيين والمعينيين٢، ومن ثم فمن المحتمل أن تكون المملكتان قد قامتا في آن واحد، أو في وقتين متقاربين جدًّا، معين في الشمال، وسبأ في الجنوب٣.
هذا ونستطيع أن نستنتج من قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇كما جاءت في الكتب المقدسة- أنه كانت هناك حكومة قوية ومنظمة في سبأ في القرن العاشر قبل الميلاد، ذلك لأن سليمان إنما حكم في الفترة "٩٦٠-٩٢٢ق. م"٤، وتلك في الواقع حقيقة يجب الانتباه إليها، ذلك لأن القرآن الكريم٥- والتوراة٦
_________________
(١) ١ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٣٠. ٢ S. Moscati، Op. Cit.، P.١٧٨ ٣ E. Dhorme، Langues Et Ecritures Semitiques، P.٣٩ ٤ يتفق المؤرخون على أن سليمان قد حكم في القرن العاشر قبل الميلاد، ولكنهم يختلفون في تحديد تلك الفترة من هذا القرن، فبينما يرى "فضلو حوراني" أنها في الفترة "٩٧٤-٩٣٢"ق. م يرى الدكتور حسن ظاظا أنها في الفترة من "٩٧٣-٩٣٦"ق. م، ويرى "أبشتين" أنها في الفترة "٩٧٢-٩٢٢"ق. م ويرى "شموكل" أنها في الفترة "٩٧٠-٩٣٣"ق. م، ويرى "فيليب حتى" أنها في الفترة "٩٦٣-٩٢٣"ق. م ويرى "هيتون" أنها في الفترة "٩٦١-٩٢٢"ق. م ويرى "أولبرايت" أنها في الفترة "٩٦٠-٩٢٢"ق. م وهكذا. ٥ سورة النمل: آية ٢٠-٤٤ "وانظر: تفسير البيضاوي ٢/ ١٧٣-١٧٨"، تفسير الطبري ١٩/ ١٤٣-١٧٠، تفسير روح المعاني ١٩/ ١٨٢-٢١٠، تفسير الطبرسي ١٩/ ٢٠٨-٢٣٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٦٠-٣٦٦، في ظلال القرآن ١٩/ ٢٦٣١-٢٦٤٣، تفسير الكشاف ٣/ ١٤٢-١٥١، تفسير القرطبي ١٣/ ١٧٦-٢١٣، تفسير أبي السعود ٤/ ١٢٧-١٣٤". ٦ ملوك أول ١٠: ١-١٣، أخبار ثان ٩: ١-١٣.
[ ٢٣٥ ]
والإنجيل١ من قبل -قد تحدثت عن قصة سليمان مع ملكة سبأ، وإن اختلفت الكتب المقدسة الثلاثة في سردها للقصة، تبعًا للغرض من السرد نفسه، ولكنها اتفقت جميعًا على وجود مملكة في سبأ، على رأسها ملكة ٢، وليس من العلم، فضلا عن الإيمان بكتب السماء، أن نشك في أمر أجمعت عليه هذه الكتب المقدسة، ومن ثم فإن وجود ملكة سبئية، شمالية أو جنوبية، في عهد سليمان- أي في القرن العاشر قبل الميلاد- حقيقة ترقى فوق كل شك، وبالتالي فإن وجود السبئيين كقوة منظمة وقوية على رأسها ملكة في القرن العاشر ق. م، حقيقة تاريخية.
على أن التوراة مضطربة في أصل السبئيين، فهم مرة من الحاميين، أبناء كوش ابن حام٣، وهم مرة أخرى من الساميين٤، وفرق كبير بين الحاميين والساميين، كما هو معروف، ثم إن سبأ "أو شبأ" تقدمه التوراة -وفي سفر التكوين بالذات- مرة على أنه من ولد يقطان٥، ولكنه مرة ثانية من ولد يقشان٦، والمعروف أن "يقطان" من ولد عابر، ولكن "يقشان" من أولاد الخليل ﵇ من زوجه قطورة الكنعانية٧، وفرق بين الاثنين كبير.
ولعل هذا الاضطراب في نصوص التوراة بشأن السبئيين، هو الذي جعل بعض الباحثين يذهب إلى أن ما جاء في التوراة بشأنهم، إنما هو من مصادر غير أصيلة لا يمكن الاعتماد عليها، فضلا عن الثقة بها، فهي مادة كدرة، ليس لها نصيب كبير من الصواب٨، على أننا نرى في نفس الوقت فريقًا من المتخصصين في الدراسات التوراتية يرون في هذا الاضطراب، دليلا على انتشار السبئيين في آسيا وأفريقية، فهناك جاليات قد استقرت في أرتيريا والحبشة، ومن ثم فقد جعلتهم التوراة
_________________
(١) ١ متى ١٢: ٤٢. ٢ انظر مقالنا: "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" -مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- العدد السادس ص٢٨٧-٤٣٧، الرياض ١٩٧٦. ٣ تكوين ١٠: ٧، أخبار أيام أول ١: ٩. ٤ تكوين ١٠: ٢٨. ٥ تكوين ١٩: ٢٨. ٦ تكوين ٣: ٢٥. ٧ تكوين ٢٥: ١-٢. ٨ W.F. Albright، The Bible And The Ancient Near East، London، ١٩٦١، P.٣٠٠
[ ٢٣٦ ]
من أبناء كوش، بينما جعلت المستوطنين منهم في آسيا على فريقين، الواحد ينتمي إلى يقطان والآخر إلى يقشان، ومن ثم فقد صار السبئيون فرقًا ثلاث، طبقًا لأماكن استقرارهم١.
ولست أدري كيف قبل هذا الفريق من العلماء هذا التقسيم لشعب واحد، إلا أن يكون الإيمان بحرفية ما جاء في التوراة هو السبب، حتى إن كان الذي جاء فيها يخالف المنطق، فضلا عن حقائق التاريخ وعلم الأجناس، وإلا فخبرني بربك، كيف قبل هذا الفريق من علماء التوراة، أن يكون السبئيون حاميين وساميين في نفس الوقت، وأن يكونوا من ولد يقشان ويقطان في الوقت نفسه مرة أخرى. ثم ألم يرجع سفر التكوين نفسه الكنعانيين إلى حام، وذلك حين تعمد اليهود في توراتهم -كما يقول كارل بروكلمان -إقصاء الكنعانيين عن الانتساب إلى سام بن نوح، لأسباب سياسية ودينية، مع أنهم كانوا يعلمون ما بينهم وبين الكنعانيين من صلات عنصرية ولغوية٢، والأمر كذلك بالنسبة إلى المصريين الذين جعلوهم من الحاميين "بنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان"٣.
إذن: فالأمر متعمد سببه العداء التقليدي الذي يكنه اليهود للمصريين بخاصة، والعرب بعامة٤، وليس أدل على ذلك من أن سكان واحة ديدان، والذين كانوا يتألفون من طائفتين، أولاهما من أهل البلاد الأصليين، والثانية هي الجالية السبئية التي هاجرت من جنوب بلاد العرب٥، تنظر إليهم التوراة مرة على أنهم من الكوشيين من جنوب بلاد العرب٦، ومرة أخرى من السلالة السامية من ولد إبراهيم من زوجة قطوره٧، مما يدل على الإصرار- فضلا عن الاضطراب- على أن السبئيين من كوش من ولد حام.
_________________
(١) ١ J. Hastings، Op. Cit.، P.٤٩٠. وكذا Eb. P.٢٥٦٤ ٢ جواد علي ١/ ٢٢٤، وكذا R.A. Nicholson، Op. Cit.، P.Xv ٣ تكوين ١٠: ٦. ٤ انظر: مقالنا "الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي" مجلة كلية اللغة العربية، العدد الرابع ص٢٤٥-٢٧١، الرياض ١٩٧٤م. ٥ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٩٦. ٦ تكوين ١٠: ٧. ٧ تكوين ٢٥: ١-٤.
[ ٢٣٧ ]
وأما ما جاء في النصوص الآشورية بشأن السبئيين من عهد "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٧ق. م" و"سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٧ق. م" و"سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" بشأن الجزية التي تلقاها هؤلاء الملوك من الملكات العربيات: زبيبة وشمسي وغيرهن١، والملكين السبئيين "يثع أمر" "أتعمارا" و"كرب إيلو"٢، ربما لم تكن جزية، بقدر ما كانت هدايا، وأن السبئيين إنما كانوا ينظرون إلى أنفسهم كأنداد لملوك آشور، أو حلفاء لهم، وربما كان هناك تحالف بين الفريقين ضد غارات البدو الجامحين في الشمال٣.
على أن الذي لا شك فيه أن سبأ كان لها نفوذ واسع يمتد إلى نجد وإلى شمال الحجاز، وكانت تسيطر على الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط جنوب غرب شبه الجزيرة العربية بسورية ومصر، وأن هناك حكامًا سبئيين معتمدين في الواحات الشمالية التي تقع على هذا الطريق، فضلا عن الحامية العسكرية التي تضمن بقاءه تحت النفوذ السبئي، وكانت واحة ديدان "العلا" المركز الرئيسي الذي تمارس فيه دولة سبأ نفوذها في شمال بلاد العرب، إلى جانب تيماء ومعان، وإن كانت ديدان هي المقر الرسمي للحاكم السبئي المقيم٤.
_________________
(١) ١ S. Moscati، The Semites In Ancient History، P.٢٢، ١٢٣ وكذا N. Abbot، Preislamic Arab Queens، Ajsl، ٥٨، ١٩٤١ ٢ H. Fleisch، Op. Cit.، P.٩٠ وكذا D.D. Luckenbill، Op. Cit.، P.٥١٨ وكذا D. Nielsen، Handbuch، I، P.٧٥ ٣ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٧٦، ٨٧، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٣٨ ٤ عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص١٥٩-١٦٠، ألويس موسل: شمال الحجاز ص٩٦-٩٧.
[ ٢٣٨ ]