لعل من الأفضل هنا أن نحدد معنى كلمة "عربي" وأصولها، تلك الكلمة التي تضاربت فيها آراء المفسرين، ولم يتفقوا على رأي واحد بشأنها، حتى أدلى بعضهم برأي أو بآخر، لا يعدو أن يكون مجرد حدس أو تخمين، فما هي المادة التي اشتقت منها كلمة عربي إذن؟، وما هو أقدم ذكر لها؟ وهل سمي سكان بلاد العرب أنفسهم عربًا؟ ومتى كان ذلك؟
إن علماء العربية أنفسهم حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما ذهب فريق إلى أن "يعرب بن قحطان" كان أول من أعرب في لسانه، وتكلم بهذا اللسان العربي، وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية١، لأنه "أول من سجع في العربية الواسعة، ونطق بأفصحها وأبلغها وأوجزها، والعربية منسوبة إليه مشتقة من اسمه"٢، ولكنهم في نفس الوقت يجعلون العربية لسان أهل الجنة،
_________________
(١) ١ أبو الفداء ١/ ٦٦، المزهر في علوم اللغة ١/ ٣١-٣٢، تاج العروس ١/ ٣٧١، ٢/ ٤٣٧، نهاية الأرب ١٤/ ٣٣٩، المعارف ص١٣، المقدسي ٣/ ١٧٤، خلاصة الوفا ص١٦١، الإكليل ١/ ١١٦، ياقوت ٣/ ٩٦-٩٨، روح المعاني ١٢/ ١٧٢، ثم قارن: تفسير المنار ٨/ ٤٩٥، حيث يذكر رواية مرفوعة لابن عباس تذهب إلى أن هودًا كان أول من تكلم العربية، وأنه قد ولد له أربعة: قحطان ومقحط وقاحط وفالغ، فهو إذن أبو مضر، وقاحط وفالغ، فهو إذن أبو مضر، وقحطان أبو اليمن، ثم انظر: روح المعاني ٨/ ١٥٤، السمهودي: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى -الجزء الأول- القاهرة ١٣٢٦هـ، ص١٢٢". ٢ عبد الملك بن قريب الأصمعي: تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد ١٩٥٩ ص٨، لسان العرب ١/ ٥٨٧، روح المعاني ٢/ ١٧٢، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٧٥، ثم قارن: وفاء الوفا ١/ ١٢٢-١١٤.
[ ١٢١ ]
كما هي لسان آدم قبل أن ينحرف إلى السريانية١، أي أنهم يجعلون "يعرب بن قحطان" هذا، إنما يرجع إلى مبدأ الخليقة، ومن نافلة القول أن نقول: إن الأمر لم يكن كذلك.
هذا فضلا عن أن هؤلاء الذين ينادون بقحطانية اللغة العربية، إنما يجهدون أنفسهم ليأتوا بالغث والسمين من الروايات لإثبات صحة ما يذهبون إليه، من أن القحطانيين هم أصل العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلم العدنانيون العربية٢، حتى ذهب البعض منهم إلى أن يكون دليله القاطع على صحة ما ذهب إليه أبياتا من شعر "حسان بن ثابت"٣، وتجاهل أصحاب هذا الاتجاه أن شعر حسان هذا جدّ متأخر، بحيث لا يمكن أن يكون دليلنا على أول من نطق بالعربية، فضلا عن أن الصحابي الجليل قحطاني، ومن ثم فربما كان متعصبًا لقومه في شعره. هذا، ويبدو أن فريقًا من أصحاب هذا الاتجاه قد تنبهوا إلى ذلك، ومن ثم فقد نسبوا إلى "يعرب" نفسه شعرًا عربيًّا فصيحًا، يقول فيه:
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل وذو البيان واللسان الأسهل
نفرت والأمة في تبلبل نحو يمين الشمس في تمهل
وكنت منهم ذا الرعيل الأول٤
_________________
(١) ١ المزهر ١/ ٢٠، روح المعاني ٢/ ١٧٢ وأما اللغة السريانية، فهي لهجة آرامية قديمة، وهي كلغة متأخرة جدًّا من الناحية الزمنية عن اللغة العربية، وقد نشأت السريانية وترعرعت في إقليم مدينة "الرها"، "اديا" عند الرومان، و"أورفا" الحالية جنوب شرق تركيا"، ثم ظهر الخط السرياني المعروف "بالخط السرنجيلي" عقب الانشقاق المسيحي المذهبي بين سريان الرها في عام ٤٨٩م، ثم سرعان ما نشأت لهجتان من السريانية "غربية وتسمى اليعقوبية وشرقية وتسمى النسطورية"، وعلى أي حال، فلقد أصبحت السريانية لغة حية في العلم والفكر في الشرق حتى القرن العاشر الميلادي، وإن استمرت لغة الكنائس حتى القرن الثالث عشر الميلادي، ثم حلت محلها العربية بعد ذلك، وأما سبب استعمال السريانية، فإن اسم الآراميين هناك أصبح له مدلول وثني غير مستحب بعد انتشار المسيحية هناك، ومن ثم فقد سمى القوم أنفسهم بالاسم اليوناني "سوريين" بالنسبة للشعب، و"سرياني" بالنسبة للغة، تمييزًا لها عن الآراميات الوثنية واليهودية "انظر حسن ظاظا: المرجع السابق ص١١٥-١١٦، فيليب حتى: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الأول ص١٨٤-١٨٥". وهكذا يبدو واضحًا أن السريانية ظهرت بعد المسيح بقرون، وبعد "آدم" ﵇، بآلاف السنين. ٢ جواد علي ١/ ١٤-١٥، ثم قارن: مروج الذهب ٢/ ٤٦. ٣ الإكليل ١/ ١١٦. ٤ البكري ٤/ ١٤٠١.
[ ١٢٢ ]
وبدهي أن هذا شعر منحول، ما في ذلك من ريب.
أضف إلى ذلك، أنه -على ما يبدو- لم يكن يخطر ببال هؤلاء المنادين بقحطانية اللغة العربية، أن سكان اليمن قبل الإسلام إنما كانوا ينطقون بلجهات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وأن من يأتي بعدهم قد يكشف سر "المسند" -الخط الذي كان الناس يكتبون به في جنوب شبه الجزيرة العربية- ومن ثم يمكن قراءة نصوصه والتعرف على لغته١، وأن عربيته إنما هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندون بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الأخرى في جنوب شبه الجزيرة العربية من اللغة العربية، وقصر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرع منها من لهجات٢، ومن هنا يروي "الجمحي" أن أحد علماء العربية سئل عن لسان حمير، فقال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا٣، وإن كان دون شك أن هذا هو رأي العدنانيين في القحطانيين.
هذا فضلا عن أن القائلين بأن "يعرب بن قحطان" هو جد العربية وموجدها عاجزون عن التوفيق بين رأيهم هذا، وبين رأيهم في أن العربية قديمة قدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضًا عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب"؟ وكيف اهتدى إلى استنباطه لهذه اللغة العربية؟، وكيف تمكن وحده من إيجادها من غير مؤازر ولا معين؟ إلى غير ذلك من أسئلة لم يفطن إليها أهل الأخبار في ذلك الزمن٤.
على أن هناك من حاول أن يقدم تفسيرًا أسطوريًّا ذهب فيه إلى أن عادًا قد انقرضت من اليمن بعد عهد هود عليه السلام٥، فأرسل النمرود ابن عمه قحطان أو ولده يعرب ليسكنها، وحين وصل الأخير إلى اليمن لم يجد فيها إلا قليلا ممن
_________________
(١) ١ انظر: أحمد حسين شرف الدين: اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام، القاهرة ١٩٧٥، جويدي: المختصر في لغة حمير ١٩٣٤، وغيرهما من كتب اللغة. ٢ جواد علي ١/ ١٥، قارن: المسعودي: مروج الذهب ٢/ ٤٦. ٣ محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، القاهرة ١٩٥٢، ص٤ ٤ جواد علي ١/ ١٥، قارن: الدينوري: الأخبار الطوال ص٧، المعارف ص٢٧١. ٥ انظر عن سيدنا هود: الفصل السادس من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني".
[ ١٢٣ ]
آمن بهود، ولكنهم سرعان ما بادوا١، ومن ثم فقد خلصت الأرض لقحطان، وكان "يعرب" دون إخوته من امرأة من عاد، فتكلم بلسانها وهو العربية، على أن رواية أخرى تذهب إلى أن المرأة إنما كانت من العماليق، وأن أولادها جميعًا قد أخذوا العربية عنها٢، فضلا عن أن "النمرود" هذا -في رأيهم- هو صاحب إبراهيم ﵇. والذي يأتي بعد عصر "هود" بقرون، فيما يزعمون.
وهناك فريق ثان إنما يزعم أن هودا، ﵇، إنما كان أول من تكلم بالعربية، بينما يزعم آخرون أن أباه هو أو من تكلم بها، على أن فريقًا ثالثًا يرى أن نوحًا -﵇- هو أول الناطقين بالعربية٣، ويتجه فريق رابع إلى أنه "عمليق"، وهو أبو العمالقة، وذلك حين ظعن القوم من بابل، ومن ثم فقد كان يقال للعماليق -وكذا لجدهم- "العرب العاربة"٤.
وأخيرًا فلقد ذهب فريق خامس إلى أن إسماعيل بن إبراهيم، ﵉، كان أول من ألهم هذا اللسان العربي المبين، وهو ما يزال بعد في الرابعة عشرة من عمره٥، ولعل هذا الاتجاه الأخير إنما كان السبب في أن يذهب البعض إلى أن قحطانًا إنما هو من ولد إسماعيل، عليه السلام٦.
ولعل هذه الآراء المتضاربة إنما كانت السبب في أن يحاول البعض التوفيق بين الرأيين الأساسيين -الأول والخامس- ومن ثم فقد ذهب هذا النفر إلى أن "يعرب" هو أول من نطق بمنطق العربية، وأن إسماعيل هو أول من نطق بالعربية الحجازية الخالصة، التي أنزل بها القرآن الكريم٧.
_________________
(١) ١ هناك اتجاه إلى أن قوم عاد -مثلهم في ذلك قوم ثمود -إنما كانوا من شمال بلاد العرب، وليس من جنوبها: "انظر كتابنا" دراسات في التاريخ القرآني" الفصل السادس، عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق: ص٨٨، البكري ١/ ١١٩، نهاية الأرب ص١٩" وكذا Basor، ٧٣، ١٩٣٩، P.١٤-١٥. وكذا C. Forster، Op. Cit.، P.٣٢ ٢ الدينوري: الأخبار الطوال ص٧٨، وانظر: المعارف ص٢٧١. ٣ أبو الفداء ١/ ١٢٠، المحبر ص٣٨٤، تفسير المنار ٨/ ٤٩٥، ١٢/ ١١٤، عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء ص٤٩، قارن: تفسير روح المعاني ٨/ ١٥٤. ٤ الطبري: تاريخ الرسل والملوك، القاهرة ١٩٦٧، ١/ ٢٠٧. ٥ تاريخ الخميس ص١٠٤ تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٢١، العقد الثمين ١/ ١٣٤، شفاء الغرام ص١٣، وفاء الوفا ١/ ١٢٢-١٢٤، تاج العروس ٢/ ٣٥٢، لسان العرب ٢/ ٧٥٤، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٨٦، قارن: ياقوت ٤/ ٩٨. ٦ وفاء الوفاء ١/ ١٢٢-١٢٣. ٧ تاريخ الخميس ص١١٠، تاج العروس ٢/ ٣٥٢، تفسير روح المعاني ١٢/ ١٧٢-١٧٣، الطبقات الكبرى ١/ ٢٤.
[ ١٢٤ ]
وعلى أي حال، فإن الألولسي يذهب إلى أن لفظ العرب، إنما يطلق أصلا لقوم جمعوا عدة صفات، منها أن لسانهم كان العربية، ومنها أنهم كانوا من أولاد العرب، ومنها أن مساكنهم كانت بأرض العرب حتى ظهور الإسلام، ثم تفرقوا بعد ذلك في البلاد التي دانت بعقيدة التوحيد وبرسالة محمد -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ١- ويذهب آخرون إلى أن كل من سكن جزيرة العرب ونطق بلسان أهلها، فهم العرب، سموا عربًا باسم بلدهم العربات٢.
هذا وقد اختلفت الآراء كذلك في معنى كلمة "عرب" ومصدر اشتقاقها، فبينما ذهب البعض إلى أن أصل الكلمة ما يزال غامضًا٣، ذهب آخرون إلى أنها مشتقة من الفعل "يعرب"، بمعنى يفصح في الحديث، ومن ثم فقد أصبحت تدل على العرب لفصاحتهم٤، إلا أن هناك من يعارض هذا الاتجاه ويرى أن العكس هو الصحيح، وأن الفعل "يعرب" هو الذي اشتق من كلمة "عرب"، ذلك أن المرء عندما يعبر عن أفكاره باللسان، فإنه إنما يعبر عن رأيه٥.
على أن هناك من يذهب إلى أن كلمة "عرب" إنما هي مشتقة من أصل سامي قديم بمعنى "الغرب"٦، وأن القاطنين في بلاد الرافدين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم، لأنهم يقيمون في البادية الواقعة إلى الغرب من العراق، والتي كان يطلق عليها "أرض عربي"٧، غير أن هناك من يرى أن العرب كانوا يستخدمون هذا الاسم إذا ما تحدثوا عن أنفسهم، ومن ثم فليس من المعقول أن يسمي قوم أنفسهم باسم يدل على موقعهم بالنسبة إلى غيرهم من الشعوب المجاورة٨.
والرأي عندي أن ذلك ليس صحيحًا، فالأموريون، كما نعرف، كان قد أطلق
_________________
(١) ١ انظر: السيد محمود شكري الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، "ثلاثة أجزاء" القاهرة ١٩٤٢م. ٢ ياقوت الحموي: معجم البلدان، بيروت ١٩٥٧، الجزء الرابع ص٧. ٣ برنارد لويسك العرب في التاريخ، ترجمة نبيه فارس، ومحمود يوسف بيروت ١٩٥٤ ص٩. ٤ محمود شكري الألوسي: المرجع السابق ص٨. ٥ المزهر ١/ ٣٥، ٢٠٩، لسان العرب ١/ ٥٨٨. ٦ أحمد فخري: اليمن ماضيها وحاضرها ص١٣. ٧ A. Grohmann Ei، Article Al-Arab P.٥٢٥ ٨ برنارد لويس: العرب في التاريخ ص٩، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٧٥.
[ ١٢٥ ]
عليهم جيرانهم السومريون في الشرق اسم "مارتو"، كما أطلق عليهم الأكديون اسم "أمورو" ويعني "الغرب" وهو الاسم الذي عرفوا به في التاريخ، بل إن البابليين توسعوا في استعمال كلمة "أمورو" فأطلقوها على كل سورية القديمة، كما سموا البحر الأبيض المتوسط "بحر أمورو العظيم"، وأما عاصمتهم فقد كانت "ماري" وهي كلمة سومرية من جهة الاشتقاق، شبيهة باسم البلاد "مارتو" و"أمورو" أي بلاد الغرب١، ناهيك بما نستعمله الآن -سياسيًّا وعلميًّا- من اصطلاحات "الشرق الأدنى" و"الشرق الأوسط" و"الشرق الأقصى"، وكلها اصطلاحات أوربية، تدل على موقع تلك المناطق من أوربا.
وهناك من يرى أن كلمة "عربي" ترتبط بكلمة "عبري" ارتباطًا لغويًّا متينًا لأنهما مشتقان من أصل واحد، ويدلان على معنى واحد، فهما مشتقان من الفعل الثلاثي "عبر" بمعنى قطع مرحلة من الطريق، أو عبر الوادي أو النهر من عِبْرِهِ إلى عِبْرِهِ، أو عبر السبيل شقها، ذلك لأن العرب والعبريين كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها بحثًا عن الماء والكلأ، ومن هنا فإن كلمة عربي وعبري مثل كلمة بدوي، أي ساكن الصحراء أو البادية٢، وقريب من هذا ما يراه "نولدكه" من أن كلمة عربي معناها صحراء٣.
وإذا ما تتبعنا تاريخ لفظة "العرب" ومدلولها في اللغات السامية القديمة، لوجدنا أنه على الرغم من وجود علاقات قديمة بين سكان "ميزوبوتاميا" والمناطق الشرقية في شبه الجزيرة العربية٤، فإن أقدم نص وجدت فيه هذه اللفظة- فيما نعلم- يرجع تاريخُهُ إلى عهد الملك الآشوري "شلمنصر الثالث" "٨٥٩-٨٢٤ق. م"،
_________________
(١) ١ راجع كتابنا إسرائيل ص٣٢٢ "القاهرة ١٩٧٣". ٢ إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية، القاهرة ١٩٢٩ ص٧٧-٧٨. ٣ محمد مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص١٢. ٤ انظر عن هذه العلاقات: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة "مجلة كلية اللغة العربية"، العدد السادس، الرياض ١٩٧٦ ص٢٨٧-٤٣٧، عبد الله حسن مصري: مجلة الدارة، العدد الأول، السنة الثانية، ١٩٧٦ ص٦٦-٧٥. وكذا A.H. Masry، Prehistory In Northeastern Arabia، Miami، Florida، ١٩٧٤، P.١f
[ ١٢٦ ]
أو بالتحديد إلى موقعة "قرقر" عام ٨٥٣ق. م، والتي اشترك فيها أمير عربي يدعى "جندب"، "جنديبو"، إلى جانب حلف من الأمراء السوريين ضد العاهل الآشوري١.
وهناك من عهد "تجلات بلاسر" الثالث "٧٤٥-٧٢٧ق. م"، حوليات عثر عليها في "كالح" جاء في بعضها إشارات إلى جزية من "زبيبة" ملكة "بلاد العرب"، هذا فضلا عن نص آخر يقول فيه الملك الآشوري: "أما شمسي "سمسي" ملكة بلاد العرب، التي حنثت بيمين "شمس" فقد أصبحت خائفة من قوة جيشي، وأرسلت لي جمالًا ونياقًا، ثم عينت موظفًا من لدني هناك"٢، وعلى أي حال، فيبدو أن "شمسي" قد نقضت عهد الولاء لآشور، ومن ثم رأينا "سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٥ق. م" يحدثنا أنه قد تلقى الجزية" من بيرو صاحب موصري، ومن "شمسي" ملكة بلاد العرب، ومن "أتعمارا" "يثع أمر" أمير سبأ، تبرا وخيلا وجمالا"٣.
هذا وتتحدث نقوش "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" وولده "إسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ق. م" عن سيطرة الأول على بادية حتى شمال بلاد العرب، حتى دعاه "هيرودوت" بملك العرب والآشوريين، فضلا عن إخضاعه لملكة العرب "تعلوخونو" صاحبة دومة الجندل، وأسر الملكة أو الأميرة العربية "تاوبو" "تبؤة"٤.
_________________
(١) ١ انظر كتابنا "إسرائيل" ص٤٩٤-٤٩٥، وكذا M. Noth، History Of Israel، London، ١٩٦٥، P.٢٤٥-٦ وكذا J.A. Montgomery، Arabia And The Bible، P.٢٧ وكذا Anet، P.٢٧٩ وكذا S.A Cook، In Cah، Iii، P.٣٦٣. وكذا The Jewish Encyclopedia، N.Y.، ١٩٠٢، P.٤١ وكذا Alois Musil، In The Arabia Deserta، N.Y.، ١٩٣٠، P.٤٧٧ ٢ انظر: نجيب ميخائيل: مصر والشرق الأدنى القديم، الإسكندرية ١٩٦٣، الجزء الخامس ص٢٦٨. وكذا A.T. Olmstead، History Of Assyria، P.١٨٩ وكذا A.L. Oppenheim، Babylonian And Assyrian Historical Texts، In Anet، ١٩٦٦، P.٢٨٠ ٣ A.G. Lie، The Inscription Of Sargon، Ii، Part، I، The Annals، P.٥ وكذا A. Musil، Op. Cit.، P.٤٧٩. وكذا Anet، P.٢٨٤ ٤ Herodotus، Ii، ١٤١. وكذا Anet، P.٢٩٠ وكذا D.D. Luckenbill، Ancient Records Of Assyria And Babylonia، Ii، Chicago، ١٩٢٧، P.٥١٨ وكذا A. Musil، Op. Cit.، P.٤٨٠ وانظر: موسكاتي: المرجع السابق ص٣٥٥، نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص٢٨٩-٢٩٠.
[ ١٢٧ ]
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن لفظة "عرب" عند الآشوريين، إنما تعني "بداوة" أو "إمارة" على تخوم الحدود الآشورية، تتسع حدودها وتضيق، طبقًا للظروف التاريخية، وطبقًا لشخصية الأمير الحاكم الذي كان في أغلب الأحايين يحمل لقب "ملك"، هذا إلى جانب أن الكتابة الآشورية لم تكن تحرك المقاطع، وجدت عدة قراءات لكلمة "عرب" مثل "عريبي" "Arabi" و"عربي" "Arbi و"عربو" "Uribu"، إلى غير ذلك من أمثال "Arabi" و"Arub" و"١Arubu" "Aribu".
وفي القرن السادس قبل الميلاد، تظهر كلمة "عرب" "عرابة Arabaya" في النصوص الفارسية، المكتوبة باللغة الإخمينية "أو الإكمينية"، وذلك في نقش انتصارات الملك "داوا الأول" "٥٢٢-٤٨٦"، المعروف باسم "نقش بهستون" في إحدى الممرات الجبلية في الطريق بين كرمنشاه وهمدان٢، تظهر كلمة عرب معنى "البادية التي تفصل بين آشور وبابل من ناحية، وبين مصر من ناحية أخرى، مما جعل بعض العلماء يدخلون شبه جزيرة سيناء في جملة هذه الأرضين، وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد٣.
وأما في التوراة -أو العهد القديم- فقد وردت كلمة "عرب" بمعنى البدو والأعراب، وبمعنى القفر والجفاف، في مواضع كثيرة، فهم رعاة يسكنون
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ١٦، وكذا T.K. Cheyne، Eb، I، P.٢٧٣. وكذا Caussin De Perceval، Op. Cit.، I، P.٤f وكذا E. Ebling And B. Meissner، Reallexikon Der Assyriologie، Erster Band، Berlin، ١٩٢٢، P.١٢٥ ٢ انظر عن نقش بهستون: A.T. Olmstead، Darius And His Behiston Inscription، Ajsl، Lv، ١٩٣٨. وكذا R.G. Kent، Old Persian Texts، Iii، Behiston Inscription، Jnes، Ii، ١٩٤٣ ٣ جواد علي ١/ ١٧-١٨ وكذا T.K. Cheyne، Eb، I، P.٢٧٣. وكذا J. Hastings، Op. Cit.، P.١٣١ وكذا The Sculptures And Inscription Of Darius، The Great On The Rock Of Behistun In Persia، London، ١٩٠٧، ٤، P.٩٥، ١٦١
[ ١٢٨ ]
الخيام، "ولا يخيم هناك أعرابي ولا يربض هناك رعاة"١، ويكثر فيهم المتربصون على طرق القوافل، "في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية"٢، ونفس المعنى يتردد في نصوص توراتية أخرى، كما في أشعياء٣، وأرمياء٤، لا يقصد بها قومية على جنس معين، وإنما المقصود دائمًا البادية، موطن العزلة والوحشة والخطر٥.
وأما في التلمود، فقد قصد بكلمة "عرب" و"عربيم" و"عربئيم"، الأعراب كذلك -أي نفس المعنى الذي ورد في أسفار التوراة- كما أصبحت لفظة "عربي" مرادفة في بعض الأحايين لكلمة "إسماعيلي"٦، نسبة إلى سيدنا إسماعيل، جد العرب، والأخ الأكبر لإسحاق، والد يعقوب أو إسرائيل، جد اليهود.
وفي أخريات القرن السادس قبل الميلاد، بدأ اليونان يتحدثون عن العرب في كتاباتهم، وكان "إسكليوس" "أخيلوس Aeschyus" ""٥٢٥-٤٥٦ق. م"، أول من ذكر العرب من اليونان، وذلك إبان الحديث عن الملك الفارسي "إكزركسيس الأول" "٤٨٦-٤٦٥ق. م" والذي هاجم اليونان في بلادهم بجيش فيه "ضابط عربي من الرؤساء مشهور"٧، ثم جاء هيرودوت "٤٨٤-٤٣٠ق. م" فتعرض في كتابه الثاني لذكر العرب، بطريقة تدل على أنه كان على شيء من العلم بهم، كما أطلق على بلاد العرب لفظ "Arabie" ويعني بها البادية وشبه جزيرة العرب والأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل، ومن ثم فقد أدخل "هيرودوت" سيناء وكل الأقسام الشرقية من مصر -والواقعة بين سواحل البحر الأحمر ونهر النيل،
_________________
(١) ١ أشعياء ١٣: ٢٠. ٢ أرمياء ٣: ٢. ٣ أشعياء ٢١: ١٣. ٤ أرمياء ٢٥: ٢٤. ٥ جواد علي ١/ ١٨. وكذا J. Simons، The Geographical And Topographical Texts Of The Old Testament، Leiden، ١٩٥٩، P.٤ ٦ جواد علي ١/ ٢١. ٧ Eb، P.٢٧٣
[ ١٢٩ ]
في بلاد العرب١.
وجاء "سترابو" "٦٦ق. م-٢٤م" و"بليني" "٣٢-٧٩م"، فأكدوا ما ذهب إليه "هيرودوت" وأضافا إلى ذلك أن عدد العرب في عهدهما قد تضاعف على الضفة الغربية من البحر الأحمر، حتى شغلوا كل المنطقة بينه وبين نهر النيل من أعلى الصعيد، وكان لهم جمال ينقلون عليها التجارة والناس بين البحر الأحمر والنيل٢، بل إن "سترابو" قد وصف مدينة "قفط" جنوبي قنا، بأنها مدينة واقعة تحت حكم العرب، وبأن نصف سكانها من أولئك العرب٣.
وهكذا كانت بلاد العرب تقذف بالموجة تلو الأخرى إلى وادي النيل، عبر البحر الأحمر، وعن طريق سيناء والتي كانت منذ القدم قنطرة ثابتة مفتوحة للهجرات، التي كان من أهمها، "أولًا" قبائل كهلانية من عرب الجنوب، استقرت في الجزء الشمالي الشرقي من مصر في مطلع المسيحية، ومنها "ثانيًا" هجرة قبائل من "طيئ" -فرع كهلاني آخر من المجموعة الجنوبية- كان من أهمها قبيلتا لخم وجذام اللتان استقرتا في محافظة الشرقية، ومنها "ثالثًا" قبيلة "بلي" التي استقرت فيما بين قنا والقصير، وكان عليها الاعتماد في نقل التجارة الهندية، ومنها "رابعًا" هجرة بطون من "خزاعة" -وهم فرع من الأزد- خرجوا في الجاهلية إلى مصر والشام، بسبب قحط أصاب بلادهم، هذا فضلا عن الجماعات التي استقرت في شرق الدلتا قبل الإسلام٤.
وعلى أي حال، فليس لدينا كتابات جاهلية من ذلك النوع الذي يسميه المستشرقون "كتابات عربية شمالية"، غير نص واحد، ذلك النص الذي يعود
_________________
(١) ١ Ibid، P.٣٧١ ٢ المقريزي: البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، القاهرة ١٩٦١ ص٨٩، أحمد مختار عمر: تاريخ اللغة العربية في مصر، القاهرة ١٩٧٠ ص١٢-١٣. ٣ مصطفى كامل الشريف: عروبة مصر من قبائلها، القاهرة ١٩٦٥ ص٢٢، دائرة المعارف الإسلامية ٦/ ٤٨٠ "طبعة الشعب" وكذا انظر: Encyclopaedia Of Islam مادة Kibt ص٩٩١. ٤ أحمد مختار عمر: المرجع السابق ص١٢، وكذا Abbass Ammar، The People Of Sharqiya، Cairo، ١٩٤٤، I، P.٢١-٢٤
[ ١٣٠ ]
إلى عهد "امرئ القيس" ملك الحيرة، والمعروف "بنقش النمارة"١ والذي سوف نناقشه في مكانه من هذه الدراسة- وقد جاء فيه "تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو إسر التج"٢، وترجمته إلى عربية مفهومة يمكن أن يكون كالتالي "هذا جسمان امرئ القيس بن عمرو ملك العرب جميعًا، الذي عقد التاج"٣.
وأهمية هذا النص الذي يرجع إلى السابع من ديسمبر عام ٣٢٨م في ورود لفظة "العرب فيه، وإن كنا لا نستطيع القول أن امرأ القيس إنما أراد بكلمة العرب هنا، البدو والحضر سواء بسواء، أو بمعنى آخر أراد بها أن تكون علمًا على قوم وجنس، وإنما الواضح من النص أنه إنما يقصد بها "الأعراب"٤، لأن كلمة "ملك هنا لا تعني ما يراد منها حقيقة، وكلمة "عرب" إنما تعني "بدو"، وإن كان الرجل إنما كان يشغل حقًّا وظيفة "ملك الحيرة".
وأما النصوص العربية الجنوبية، فلم يرد فيها اسم "عرب" إلا بمعنى "أعراب"، ولم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو وحضر، أما أهل المدن والمتحضرون فكانوا يعرفون بمدنهم وقبائلهم، أنها قبائل مستقرة متحضرة، تمتاز عن القبائل الأخرى المسماة "أعراب" في النصوص العربية الجنوبية، مما يدل على أن لفظة "عرب" و"العرب" لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية في الكتابات العربية المدونة، والتي ترجع إلى ما قبل الإسلام بقليل، أي من عامي ٤٤٩، ٥٤٢م، وأن العرب الجنوبيين لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة، إلا بعد ظهور الإسلام، ودخولهم في دين الله أفواجًا، رغم ورود اللفظة في
_________________
(١) ١ انظر عن نقش النمارة: رينيه ديسو: العرب قبل الإسلام ص٣٣، جرجي زيدان، المرجع السابق ص٢١٠-٢١٢، حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٦٥-١٧٣، جواد علي ٣/ ١٩١-١٩٢، سعد زغلول: المرجع السابق ص٢١٧-٢١٨ وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٨٢ وكذا R. Dussaud، Nabateo-Arabe D'an-Nemara، In Ra، Ii، ١٩٠٢، P.٤٠٩-٤٢١ وكذا R. Dussaud، Arabes En Syrie Avant I'islam، P.٣٤-٤٢ ٢ R. Dussaud، Op. Cit.، P.٣٤ وكذا J.A. Montgomery، Op. Cit.، P.٢٨ ٣ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٦٥-١٦٦. ٤ جواد علي ١/ ٢٣.
[ ١٣١ ]
النصوص علمًا لأشخاص١.
ولعل من الجدير بالذكر هنا أن "أب كرب أسعد" كان أول ملك يمني يضيف إلى لقبه الرسمي كلمة "الأعراب"، ومن ثم فقد أصبح اللقب الملكي في عهده "ملك سبأ وذي زيدان وحضرموت ويمينات وأعرابها في الجبال والتهائم"٢.
-وسوف نشير إلى ذلك بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة.
وأما الشعر الجاهلي فلم يكن بأفضل من النصوص المكتوبة في هذا الصدد، ومن ثم فإننا لم نجد فيه صيغة من جذر "ع. ر. ب" للدلالة على معنى قومي يتعلق بالجنس، ولا على معنى يتعلق باللغة التي نتكلمها؛ ذلك لأن الجاهليين إنما كانوا غارقين في منازعاتهم القبلية، فلم يكن لديهم -فيما لدينا من التراث اللغوي- ما يدل على المدرك القومي الجامع٣، غير أن الأمور سرعان ما تتغير، فيقف العرب في أخريات العصر الجاهلي أمام الفرس، ومن ثم فقد بدءوا يستشعرون شيئًا من البغضة للفرس، ويشعر "عنترة بن شداد" بهذه البغضة، ومن ثم نراه يقول في معلقته عن ناقته:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم
وهكذا أحس "عنترة" بالدافع القومي الجامع، ولما لم يجد الكلمة التي يعبر عنها، اضطر إلى أن يدور حول المعنى ببيت كامل من الشعر٤.
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٢٣-٢٤، خليل يحيى نامي: نشر نقوش سامية قديمة من جنوب بلاد العرب وشرحها، القاهرة ١٩٤٣ ص٨٩، ٩٢. وكذا Eb، I، P.٢٧٥. وكذا J.A. Montgomery، Op. Cit.، P.٢٧ وكذا D.S. Margoliouth، The Relations Between Arabs And Israelites Prior To The Rise Of Islam، London، ١٩٢٤، P.٢ وكذا Albert Jamme، Sabaean Inscriptions From Mahram Bilqis "Marib"، P.٤٤٥ ٢ F. Altheim And R. Stiehl، Die Araber In Der Alten Welt، Ii، P.٣٢١، Iv، P.٢٧٤ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٢٩٢ ٣ عمر فروخ: تاريخ الجاهلية، بتروت ١٩٦٤ ص٤١. ٤ نفس المرجع السابق ص٤١.
[ ١٣٢ ]
وجاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم منجمًا في ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، فلم يرد فيه من الجذر "ع. ر. ب" إلا ثلاث صيغ "عُرُبًا" "جمع عَرُوب بفتح العين" نعتًا للمرأة المتحببة إلى زوجها في قوله تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ١، ثم جاءت الصيغة "أعراب" عشر مرات وفي سورة مدنية فقط، منها ست مرات في سورة التوبة وحدها٢، ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد على أن كلمة "أعراب" تدل في القرآن الكريم- كما تدل في غيره- على البدو٣.
وأخيرًا حسم القرآن الكريم الأمر نهائيًّا، فجاءت فيه كلمة "عربي" إحدى عشرة مرة -في سورة مدنية وأخرى مكية- جاءت عشر مرات نعتًا للغة التي نز ل بها القرآن الكريم٤، وجاءت مرة واحدة نعتًا لشخص الرسول الأعظم- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- يقول ﷾: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ٥، أي أقرآن أعجمي اللغة، ونبي عربي؟
وهكذا أصبحت كلمة "عرب" علمًا على العرب جميعًا، كما كان استعمال القرآن الكريم لها دليلا للشعراء على التعبير الذي لم يستطع "عنترة" أن يصل إليه، ومن هنا رأينا "كعب بن مالك" يقول في مولانا وجدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-:
بدا لنا فاتبعناه نصدقه وكذبوه فكنا أسعد العرب
ثم رأينا "حسان بن ثابت" بعد ذلك يقرع "بني هذيل" لما اشترطوا على الحبيب
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: آية٣٧. ٢ سورة التوبة: آية ٩٠، ٩٧- ٩٩، ١٠١-١٠٢، سورة الفتح: آية١١، سورة الحجرات آية ١٤. وانظر: تفسير الطبري ١٤/ ٤١٦-٤١٩، ٤٢٩-٤٣٤ "دار المعارف -١٩٥٨"، ٢٦/ ١٤٠-١٤١ "الحلبي ١٩٥٤"، تفسير الطبري ٢٦/ ٩٨-٩٩، تفسير الكشاف ٣/ ٥٧٠-٥٧١، تفسير ابن كثير ٧/ ٣٦٧-٣٦٨، تفسير القاسمي ١٥/ ٥٤٧٠-٥٤٧١. ٣ عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٤١، وانظر: نهاية الأرب ١/ ١٢-١٥. ٤ انظر: سورة يوسف: آية ٢، والرعد: آية٣٧، والنحل: آية١٠٣، وطه: آية١١٣، والزمر: آية٢٨، وفصلت: آية٣، والشورى، آية٧، والزخرف: آية٣، والأحقاف: آية ١٢. ٥ سورة فصلت: آية٤٤، وانظر: تفسير الطبري ٢٤/ ٢٦-١٢٩، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٥٠، تفسير القرطبي ١٥/ ٣٦٨-٣٧٠.
[ ١٣٣ ]
المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- أن يبيح لهم الزنا، في مقابل دخولهم في الإسلام
سألت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت ولم تصب
سألوا رسولهم ما ليس معطيهم حتى الممات وكانوا سبة العرب
وهكذا بدأ في الشعر العربي مدرك لم يكن معروفًا من قبل، هو أن العرب جماعة واحدة ذات نطاق من الوحدة الجامعة، على أن مدرك العروبة يومذاك، أو المدرك القومي العام على الأصح، كان والإسلام شيئًا واحدًا١.
وسرعان ما برزت كلمة "عربي" في مقابل كلمة "روم"، يروي "صاحب الأغاني" أن "قيس بن عاصم" و"عمر بن الأهتم" قدما إلى المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- بعد فتح مكة، فتسابا وتهاترا عنده، ثم قال "قيس" للرسول -﵊- عن "عمرو" وقومه: "والله يا رسول الله ما هم منا، وإنهم لمن أهل الحيرة"، فقال عمرو: "بل هم والله يا رسول الله من الروم، وليسوا منا"، ثم قال عمرو مخاطبًا قيس بن عاصم:
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم والروم لا تملك البغضاء للعرب
وقد نهى الرسول -ﷺ- قيسًا وعمرًا عن هذا التلاحي، وأفهمهما أن الإسلام قد أغرق العصبيات كلها٢.
وهكذا بدأت كلمة "عرب" تستعمل للتعبير عن المعنى القومي للجنس العربي، ولا شك في أن الإسلام كان صاحب الفضل في بعث روح القومية عند العرب، وفي أثناء الفتوحات الإسلامية، وعلى أيام الفاروق عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- بدأ العرب يتباهون بجنسهم العربي، ويتمثل هذا في البيت التالي ليربوع بن مالك٣.
إذا العرب العرباء جاشت بحورها فخرنا على كل البحور الزواخر
إلا أن الإسلام لم يكن -ولن يكون أبدًا- دين عنصرية، وإنما هو دين يقوم
_________________
(١) ١ عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٤٢. ٢ الأغاني "١٤/ ٨٧-٨٨، عمر فروخ: المرجع السابق ص٤٣. ٣ نفس المرجع السابق ص٤٣، تاريخ الطبري ١/ ٢٥٣٦ "ط ليدن".
[ ١٣٤ ]
على مبدأ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ ١، وعلى مبدأ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ ٢، وإنه: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" ٣، ومن هنا، فرغم أنه هو الذي جعل لكلمة "عرب" هذا المقام في شعور الجماعة، فإنه إنما نهى عن أن يكون هذا الشعور عاملا مفرقًا بين صفوف الأمة التي وحدها الإسلام، ثم إن الإسلام -بخلاف الديانات السماوية الأخرى- إنما هو شريعة الله الخالدة إلى البشرية كافة٤، وهكذا حارب الإسلام العصبية الجاهلية، وآخى الرسول، ﷺ، بين المهاجرين والأنصار، وحالف بين قريش ويثرب، ونهى عن أحلاف الجاهلية، وروي عنه -ﷺ- أنه قال: "لا حلف في الإسلام" ٥.
وهكذا يبدو بوضوح -لا لبس فيه ولا غموض- أن العربية، في نظر الإسلام، كانت مفهومًا دينيًّا وثقافيًّا، أكثر منه جنسيًّا، وقد روى أن "قيس بن مطاطية" -وكان من المنافقين- جاء إلى حلقة كان فيها" سلمان الفارسي" و"بلال الحبشي" و"صهيب الرومي"، فقال: لقد قام الأوس والخزرج بنصرة هذا الرجل -يعني سيدنا محمدًا رسول الله، ﷺ- فما بال هذا؟ يقصد ما الذي يدعو الفارسي أو الحبشي أو الرومي بنصره، فقام إليه، "معاذ بن جبل" وأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وأخبره بمقالته، فقام ﵊ مغضبًا يجرُّ رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي: الصلاة جامعة، وقال ﷺ: "يا أيها الناس، إن الربَّ واحدٌ، والأب واحد، وإن
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: آية١٠، وانظر: تفسير القرطبي ١٦/ ٣٢٢-٣٢٤، تفسير البيضاوي ٢/ ٤٠٩ ٢ سورة الحجرات: آية ١٣، وانظر تفسير القرطبي ١٦/ ٣٤٠-٣٤٨. تفسير البيضاوي ٢/ ٤١١، تفسير روح المعاني ٢٦/ ١٦١-١٦٧، تفسير الفخر الرازي ٢٨/ ١٣٦-١٣٩، تفسير الطبري ٢٦/ ١٣٨-١٤٠، تفسير مجمع البيان ٢٦/ ٩١٠٨٩، تفسير الكشاف ٣/ ٥٦٩-٥٧٠، تفسير القاسمي ١٥/ ٥٤٦٧-٥٤٧٠، تفسير ابن كثير ٧/ ٣٦٤-٣٦٧، وانظر: إبراهيم خليل أحمد محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ص٢١١. ٣ أبو الحسن الندوي: النبوة والأنبياء في ضوء القرآن، القاهرة ١٩٦٥ ص٧٧. ٤ انظر: مقالنا "قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة" مجلة كلية اللغة العربية، العدد الخامس، الرياض ١٩٧٥ ص٤٣٧٠٤٤٤ وانظر للأستاذ الشيخ مناع القطان مقاله "الإسلام شريعة الله الخالدة إلى البشرية كافة" "مجلة كلية الشريعة" الرياض ١٣٩٤، العدد الخامس ص١١-٤٠، وانظر مجموعة فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٤/ ٢٠٣-٢٠٨، ١١/ ١٦٩-١٧٠، ١٩/ ٩-١٢، ١٠١، ١٠٣، وانظر: الإسلام دعوة عالمية، القاهرة ١٩٧٠م. ٥ تفسير الطبري ٥/ ٣٦.
[ ١٣٥ ]
الدين واحد: وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي" فقام "معاذ بن جبل"، وقال: فما تأمرني بهذا المنافق يارسول الله؟ قال: "دعه فإنه إلى النار" ١.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن فودة: من معاني القرآن ص١٣٢، ثم انظر، تفسير القرطبي ١٦/ ٣٤٠-٣٤٨ "دار الكاتب العربي، القاهرة ١٩٦٧".
[ ١٣٦ ]