ليس من شك في أن معلوماتنا عن بلاد العرب فيما قبل العصر التاريخي ضيئلة، لا تقدم لنا نفعًا كبيرًا لإقامة الهيكل التاريخي في تلك العصور الممعنة في القدم، ومن هنا فإننا سنحاول أن نقدم ما عثر عليه الأثريون في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة في تلك الأماكن التي تقع عند الأودية، وعند الطرق والأماكن التي تتوافر فيها وسائل الحياة، والتي ترجع إلى فترات مختلفة من عصور ما قبل التاريخ، فضلا عن تلك الكهوف التي عاش فيها نفر من القوم في جنوب وغرب شبه الجزيرة العربية، في عصور ترجع إلى ما قبل الميلاد، بأمد لا ندري مداه على وجه التحديد، وقد تحدث الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان عن تلك الكهوف، بل إن البعض ما يزال يتخذها سكنًا له في حضرموت، وفي غيرها من المواضع١.
وأما أهم الآثار التي عثر عليها في شبه الجزيرة العربية من تلك العصور العتيقة، فمنها تلك الأدوات الحجرية التي عثر عليها في مواضع مختلفة من حضرموت، والتي لم تكن على مستوى نظيراتها في سورية أو في أفريقية، وقد حاول بعض الباحثين أن يرجع ذلك إلى طبيعة أحجار المنطقة نفسها، بينما ذهب آخرون إلى أن السبب في ذلك إنما يرجع إلى مستوى الحضارة نفسها، بالنسبة إلى الحضارات الأخرى٢،
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٥٣١، وكذا Van Der Muelen، Aden To The Hadharmaut، P.١٢٠، ٢٠٠، ٢٠٣ ٢ Fraya Stark، An Exploration In The Hadharmaut And Journey To The Coast، Gj، Xciii، ١٩٣٩. P.٣٠
[ ١٧٣ ]
على أن فريقًا ثالثًا إنما يذهب إلى أن عزلة حضرموت عن الحضارة الشمالية، فضلا عن صلتها القوية بأفريقية، إنما كانا من وراء ذلك كله١.
وترى "مس كاتون طومسون" أن انفصال جنوب غربي بلاد العرب عن أفريقية الشرقية، قد حدث في حقبة "البليستوسين" -أي قبل مليون عام على أقل تقدير -وأن آلات الظران "حجر الصوان" التي عثر عليها في حضرموت تشبه كثيرًا تلك التي عثر عليها الباحثون في شرقي أفريقية٢.
أضف إلى ذلك أنه قد عثر في حضرموت كذلك على نماذج من الزجاج البركاني، الذي اتخذ أشكالا هندسية بفعل البراكين، يرى بعض الباحثين أنها ترجع في أصلها إلى سواحل أفريقية الشرقية٣، ولعل هذا هو السبب الذي دعا "مس طومسون" إلى القول بأنه كانت توجد في شرق أفريقية ثقافة مركزية تفرعت عنها ثقافات متعددة، ليس في أفريقية وحدها، وإنما في آسيا كذلك، وتدلل "مس طومسون" على نظريتها في انفصال أفريقية عن آسيا، بأنه لا يوجد بين أدوات الظران التي عثر عليها في جنوب بلاد العرب بعض الأدوات المعروفة من العصور الحجرية القديمة "باليوليتية"، والتي كانت منتشرة في تلك الأيام الخوالي على طول أفريقية الشرقية من الشمال إلى الجنوب٤.
على أن الدكتور سليمان حزين يرى أنه إذا كان ولا بد لنا من البحث عن أي الجهتين -شرقي أفريقية أو جنوبي بلاد العرب- أقدم ثقافة، فإن بلاد العرب هي الأقدم، وأن الثقافة قد انتقلت منها في العصور الحجرية القديمة إلى شرقي أفريقية٥، وذلك لأن اليمن وعدن كانتا في تلك العصور الحجرية القديمة مأهولتين بالسكان، وأن قسمًا من هؤلاء السكان قد هاجر إلى عمان ومناطق الخليج العربي، كما هاجر
_________________
(١) ١ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الأول ص٥٣٠. ٢ G. Caton Thompson And E.W. Gardiner، Climate، Irrigation And Early Man In The Hadharmaut، Geographical Journal، ٩٣، ١٩٣٩، P.١٨-١٩، ٢٩-٣٥ ٣ جواد علي ١/ ٥٣١. ٤ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٢٣ وكذا G. Caton Thompson And E. Gardiner، Op. Cit.، ٥ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٢٣ وكذا S.A. Huzayyin، Nature، Vol. Xi، ١٩٣٧، P.٥١٣-٥١٤
[ ١٧٤ ]
قسم آخر -عن طريق مأرب ونجران- إلى شبه جزيرة سيناء، وإلى فلسطين والأردن بينما ذهب فريق ثالث -عن طريق باب المندب- إلى الصومال وكينيا وتنجانيقا١.
هذا وقد استمرت هذه الهجرات إلى السواحل الأفريقية، حتى في العصور التاريخية، وربما يرجع ذلك إلى العوامل المناخية والاقتصادية، فضلا عن المصالح التجارية الخارجية، وهكذا كانت حركة التجارة، فضلا عن ثروات أفريقية، دافعًا قويًّا إلى الفتح والاستيطان الدائم، ومن ثم رأينا العرب الجنوبيين يهاجرون إلى أفريقية، وبمرور الزمن أخذوا يستقرون هناك ثم سرعان ما يلعبون دورًا خطيرًا في إرساء قواعد حضارة وثقافة تنبثق من صميم الحضارة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهكذا بدا العرب الجنوبيون يتجهون نحو أفريقية منذ وقت مبكر، على دفعات متعددة، وفي أوقات مختلفة، وفي الألفي سنة الأخيرة قبل الميلاد هاجرت جماعات عربية جنوبية إلى الحبشة، وبلغت هذه الهجرات أقصاها فيما بين عامي ١٥٠٠، ٣٠٠ق. م٢.
ويرى "كارل بيترز" أن جالية عربية كانت تعيش في المنطقة الواقعة بين نهري الزمبيزي واللمبوبو، منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وأن المعبد الكبير في "زمببوية" بني عام ١١٠٠ق. م، وأن السبئيين كانوا أصحاب السيادة في ذلك الوقت٣، على أن الأمر، إنما يزداد وضوحًا منذ القرن السادس قيل الميلاد، حيث نزحت جالية سبئية إلى منطقة "تعزية" في أريتيريا -وكذا إلى هضبة الحبشة- مكونة حكومة محلية هناك٤، ولعل هجرة الأوسانيين إلى السواحل الأفريقية، إنما كانت في نفس الفترة، حيث اتخذوا من "عزانيا" مقرًّا لهم، أضف إلى ذلك كله تلك الهجرة السبئية التي حدثت في القرن الخامس قبل الميلاد٥.
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٥٣٢ وكذا A. Grohmann، Arabien، Munchen، ١٩٦٣، P.١٥ ٢ انظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة"، مجلة كلية اللغة العربية، الرياض ١٩٧٦ ص٢٨٧-٤٣٧، صلاح الشامي: المواني السودانية ص٦٣، موسكاتي، المرجع السابق ص٢١٣، مصطفى مسعد: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى ص١٠٧. ٣ فضلو حوراني: العرب والملاحة في المحيط الهندي، ترجمة يعقوب بكر ص١٢٨، وكذا Carl Peters، The Eldorado Of The Ancient، P.٢٧١-٢٧٢ ٤ A. Grohmann، Op. Cit.، P.٢٥ ٥ جواد علي ٣/ ٤٥٠.
[ ١٧٥ ]
وأيًّا ما كان الأمر، فهناك حقيقة ثابتة، تتلخص في وجود ثقافة من العصر الحجري القديم في بلاد العرب، وأن هذه الثقافة تشبه إلى حد كبير ما عثر عليه في أفريقية، كما تشبه كذلك -مع وجود اختلافات غير قليلة- ما عثر عليه الباحثون من رجال عصور ما قبل التاريخ في سورية والعراق١.
وربما كان نصيب شرق شبه الجزيرة العربية من آثار عصور ما قبل التاريخ أفضل من غيرها، ففي خلال النصف الأخير من هذا القرن استقطبت بلاد العرب -خصوصا الجزء الشرقي منها، بما في ذلك ساحل الخليج العربي- أنظار علماء الآثار عامة، نتيجة للأبحاث التي قامت بها بعثة علمية دنمركية في أجزاء مختلفة من عمان وأبو ظبي وقطر والبحرين والكويت، وأهم ما لفت أنظار المجتمع العلمي هو الكشف عن عاصمة البحرين القديمة، والتي كانت تعرف سابقا بمركز حضارة دلمون٢، والتي جاء ذكرها في النصوص السومرية، واشتهر ذكرها في مجال التجارة الدولية وقت ذاك بين مراكز الحضارة في سومر وبلاد نهر السند في باكستان الحالية، ومن ثم فعندما برزت نتائج التنقيبات عن "دلمون" في جزيرة البحرين، تأكدت
_________________
(١) ١ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٢٤. ٢ كان العلماء مختلفين في موقع "دلمون" السومرية هذه، فذهب بعضهم إلى أنها في الجهة الجنوبية الغرببية من بلاد فارس -أي في الجزء الشرقي من ساحل الخليج العربي - "S.N. Kramer، Dilmun، The Land Of The Living، Basor، ٩٦، P.١٨-٢٨" وذهب فريق آخر إلى أنها منطقة وادي السند "S.N. Kramer، The Indus Civilization And Dilmun The Sumerian Paradise Land، Expedition، Philadelphia، ١٩٦٤، P.٤٥" وذهب فريق ثالث إلى أنها سهول العراق الكائنة إلى جنوب غرب بابل "جون الدر،: الأحجار تتكلم، ترجمة عزت زكي ص٣٠" بل إن هناك من رأى أنها إنما تقع في القسم الشرقي من جزيرة العرب بين مجان وبيت نبسانو "F. Hommel، Grundriss I، P. ٢٥٠" على أن غالبية العلماء إنما تكاد تجمع على أن موقع دلمون هذه، إنما هو جزيرة البحريزن الحالية، أو جزيرة البحرين والساحل المقابل لها "انظر: مقالنا: دراسة حول: قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة، مجلة كلية اللغة العربية، العدد الخامس، الرياض ١٩٧٦ ص٣٩٠. وكذا P.B. Cornwell، On The Location Of Dilmun، Basor، ١٠٣، ١٩٤٦، P.٣-١١ وكذا J. Finegan، Light From The Ancient Past، Princeton، ١٩٦٩، P.٣٢
[ ١٧٦ ]
مجددا تلك الأهمية البارزة التي أولتها كتابات السومريين١ القدامى لهذه المنطقة٢.
وعلى أي حال، فلقد تتم العثور في الإحساء وفي قطر -وبخاصة في عوينات علي، وجنوب دخان- على فؤوس ونبال، فضلا عن كميات من حجر الصوان، ترجع إلى العصور "الباليوليثية" و"النيوليثية"٣.
هذا وقد عثرت البعثة الدنمركية في عامي ١٩٥٨/ ١٩٥٩م ي "تل سعد وسعيد" الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من جزيرة "فيلكا" وتقع على مبعدة ٣٠ كيلو مترا إلى الشرق من مدينة الكويت -على بعض الأختام، وعلى أنقاض من مدينة قديمة في طبقات بُني بعضها فوق بعض، ما عثرت على كسر من الفخار يرجع تاريخها إلى منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، فضلا عن ختم مستدير من حجر التلك، يختلف عن أحجار العراق الأسطوانية -وكذا عن أختام الهند المربعة- وقد نقش من الناحيتين، هذا وقد أرخت البعثة تل سعد -اعتمادًا على فحص طبقات التل، ودراسة الفخار المتنوع الأشكال -بالعصر النحاسي "أي حوالي عام ٣٥٠٠ق. م" أما تل سعد، فقد أرخته بالعصر اليوناني٤.
وهناك فريق من الباحثين يذهب إلى أن جزيرة البحرين "وهي Tyios عند
_________________
(١) ١ يتفق الباحثون على أن السومريين جنس غير سامي، وأن لغتهم غريبة لا تشبه اللغات السامية، ولا يعلم زمن مجئيهم إلى وادي الرافدين، وإن ذهب البعض إلى أن ذلك ربما كان في فترة مبكرة من الألف الرابعة قبل الميلاد، وقد اختلفت الأرآء في موطنهم الأصلي، فقد ذكرت أساطيرهم أنهم جاءوا من الجنوب، ومن ثم ذهب رأي إلى أنهم مهاجرون من منطقة البحرين بعد أن استقروا في غربي إيران فترة من وذهب رأي ثان إلى اعتبارهم بدوا مما وراء القوقاز أو بحر قزوين، ويرى آخرون أنهم جاءوا من آسيا الصغرى، بينما ذهب رأي ثالث إلى أنهم جاءوا من السند، بل لقد اتجه فريق رابع إلى أنهم من الأقوام التي قطنت العراق في عصور ما قبل التاريخ، وأن حضارتهم أصيلة في العراق، بل ويمكن تسمية أهل حضارة "العبيد" بالسومريين، على الرغم من عدم معرفتنا للغة أهل حضارة للعبيد "انظر: أحمد فخري: المرجع السابق ص٢٨، عبد العزيز صالح: مصر والعراق ص٣٨٦، طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة جـ١ ص٨٩-٩٠ وكذا E.A. Speiser، The Sumerian Problem Reviewed وكذا Aja، ٥٢، ١٩٤٨، P.١٥٦-١٦٤ ٢ عبد الله حسن مصري: آثار شرق الجزيرة ودورها في نشأة حضارة سومر: مجلة الدارة، العدد الأول، الرياض ١٩٧٦ ص٦٩-٧٠. ٣ جواد علي ١/ ٥٣١، تقرير عن الحفريات الأثرية في جزيرة فيلكا "١٩٥٨/ ١٩٥٩"، الكويت، ص٢٤. ٤ عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، القاهرة ١٩٦٦ ص٣٠.
[ ١٧٧ ]
بليني، وTyrus عند سترابو"، إنما كانت مأهولة بالسكان منذ العصور الجليدية المتأخرة في أوربا، وأن جو البحرين وقت ذاك إنما يشبه مثيله في بلاد اليونان في أيامنا هذه، وأن البحرين إنما كانت خضراء تغطيها الغابات١، وإذا صحت المعلومات التي وصلت إلى الفيلسوف اليوناني "ثيوفراستوس" "٣٧١-٢٨٧ق. م"، فقد كانت تزرع في البحرين مساحات كبيرة من القطن، وأنه كان يوجد في هذه الجزيرة مساحات كبيرة لإنباته، وقد أشار "بليني "٣٢-٧٩م" إلى استمرار زراعة القطن في "Tyios" أو "Aradus" حتى أيامه٢.
وأما سكان البحرين فقد كانوا قومًا من الصيادين، يعيشون على ما يقنصونه من حيوان، وما يصطادونه من أسماك، وقد عثر على أدوات من حجر الصوان كان القوم يستخدمونها في صيدهم وفي تقطيع لحوم الفرائس التي تقع في أيديهم، وأن هذه الأدوات المكتشفة إنما تنتمي إلى أواسط عصور "Paiothitic"، كما أنها تشبه مثيلاتها في شمال العراق وفلسطين وشمال غرب الهند٣.
هذا وقد عثر في البحرين كذلك على رؤوس حراب وسكاكين، صنعها أصحابها من صخور صوانية، وقدر لها بعض الباحثين عمرًا يتراوح ما بين عشرة آلاف واثني عشر ألف سنة، ومن ثم فربما ترجع إلى أخريات أيام الرعي، وبداية عهد الاستقرار، بدليل أن منها أحجارًا شذبت لتكون آلات حصد للمحاصيل، فضلا عن قطع الحشائش واجتثاثها من الأرض٤.
وأما في وسط شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في مواضع مختلفة من المملكة العربية السعودية -تمتد من الاحساء شرقًا إلى إلى الحجاز غربًا، ومن مدائن صالح شمالا، وحتى نجران جنوبًا -على أدوات حجرية تنتمي إلى تلك العصور المبكرة، كما في "الدوادمي"- وتقع على الطريق بين مكة والرياض، وعلى مبعدة ٣٣٦ كيلو مترًا إلى الغرب من الرياض -حيث عثر على أدوات حجرية من بينها فأس تميل لونها إلى الخضرة٥، وكما في "تل الهبر" إذ كان الصيادون في عصور ما
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٥٣٤. ٢ عبد الحميد زايد: الشرق الخالد ص١٢٧. ٣ جواد علي ١/ ٥٣٤. وكذا James، H.D. Belgrave، Welcome To Bahrain، London، ١٩٦٦، P.٥٠. ٤ Ibid.، P.٥١ ٥ P.B. Cornwall، Ancient Arabia، Exploration In Hasa، ١٩٤٠-١٩٤١، In Gj، Cvii، ١٩٤٦، P.٣٩
[ ١٧٨ ]
قبل التاريخ يتنقلون باتجاه الأودية من مكان إلى آخر، وقد ترك الصيادون -ثم الرعاة من بعدهم- بعض الآثار في الأماكن التي حلوا بها حينًا من الدهر، وما برح السياح، وخبراء شركة "أرامكو" وغيرهم، يعثرون على بعض منها، بين الحين والحين١.
وأما في شمال شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في "كلوة"، عند سفح جبل الطبيق، على آثار رأى بعض الباحثين أنها ترجع إلى الألف الستين قبل الميلاد، وأن تاريخ السكنى بها، إنما يرجع إلى الألف الثامنة قبل الميلاد٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الباحثين لم يوفقوا بعد في العثور على هياكل كاملة للإنسان من عصور ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، أو حتى سيناء، وإن كان بعض رجال شركة "أرامكو" قد عثروا على بقايا عظام وأسنان لبعض الحيوانات "الحلمية" "Mastodom"، وعلى جزء من جمجمة إنسان قديم، في موضع يبعد تسعين ميلا إلى الغرب من "الدمام"، إلا أن ذلك لا يمكن الباحثين من إعطاء رأي علمي فيما يتصل بالحياة في عصور ما قبل التاريخ، حتى وإن أمكن العثور على مثل هذه البقايا في أماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية٣.
على أن البحرين قدمت للباحثين هيكلين كاملين، رأينا الميت فيهما يرقد على جنبه الأيمن، ويتجه بوجهه نحو المشرق، الأمر الذي كان يتبعه سكان العراق القديم في الألف الثالثة قبل الميلاد٤. كما وجدت في المقبرة بقايا عظام حيوانات، فضلا عن أدوات بيت الميت وحليه، ولعلهم في هذا يشبهون المصريين القدامى الذين كانوا يعتقدون في الحياة الآخرة، وأنها على غرار الحياة الدنيا، ومن ثم فقد كانوا يضعون في مقبرة الميت ما قد يحتاجه من متاع في هذه الحياة الأخرى.
وأما أبواب مقابر البحرين هذه، ففي الناحية الأخرى من اتجاه الميت -أي في
_________________
(١) ١ H. Field، Papers Of The Pesbody Museum، ٤٨/ ٢، ١٩٥٦، P.٦٣ وكذا A. Grohmann Op. Cit.، P.١٥ ٢ جواد علي ١/.٥٣٢ وكذا A. Grohmann، Op. Cit.، P.١٦ وكذا N. Glueck، The Other Side Of The Jordan، New Haven، ١٩٤٠، P.٤٣ ٣ جواد علي ١/ ٥٣٦، وكذا P.B. Cornwall، Op. Cit.، P.٣٩ ٤ J.H.D. Belgrave، Op. Cit.، P.٥٢
[ ١٧٩ ]
الناحية الغربية- وربما كان لذلك صلة بدين القوم، وربما كانوا -مرة أخرى- يشبهون المصريين الذين كانوا يطلقون على عالم الموت اسم "عالم الغرب"، كما كان الموتى يسمون "أهل الغرب"، بل إن مقابرهم إنما كانت في كثير من الأحايين، إنما تقع على الضفة الغربية من النيل.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن هناك من يرى أن القوم إنما كانوا يسكنون على ساحل الخليج العربي، بينما يتخذون من جزيرة البحرين مقبرة لموتاهم، على أن فريقًا آخر إنما يذهب إلى أن تلك المقابر، إنما كانت مقابر الفينيقيين الذين كانوا يقطنون البحرين بعد هجرتهم إليها من الأفلاج والخرج، وأنها إنما ترجع إلى الفترة ما بين عامي ٣٠٠٠ و١٥٠٠ قبل الميلاد١، على أن هناك من يعارض هذا الاتجاه أصلا، ويرفض أن يكون الفينيقيون من هناك٢.
هذا وقد عثرت البعثة الدنماركية في عام ١٩٥٩م٣ جنوب طريق البديع في البحرين، على أربع مقابر، ترجع إلى العصور الحجرية، كما عثر بعض السياح على تلال في مواضع متفرقة في كل من عمان وقطر، ترجع إلى ما قبل الميلاد، هذا وقد عثر رجال شركة "أرامكو" على مقابر كثيرة في جبلي المذري الشمالي والجنوبي٤، فضلا عما عثر عليه "جون فلبي" و"كورنول" من مقابر في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وفي "الرديف" -على مبعدة ١١٠ أميال شمالي غربي الدمام- وفي "الرويق"، وفي مرتفعات العلم الأبيض والعلم الأسود، وفي كثير من هذه المقابر تمكن الباحثون من الحصول على أدوات من الفخار، وعلى قطع من العاج، وعلى قشور من بيض النعام، وعلى أسلحة برونزية كما استدلوا من وجود
_________________
(١) ١ H. St. J.B. Philby، Sheba's Daughters، ١٩٣٩، P.٣٧٣ وكذا جواد علي ١/ ٥٣٩-٥٤٠ وكذا R. Sanger، Op. Cit.، P.١٤١ وكذا Ei، I، P.٥٨٥ وانظر: كتابنا "إسرائيل" ص٣٣٥. ٢ سير أرنولد ويلسون: الخليج العربي، ترجمة عبد القادر يوسف، الكويت، ص٧٧-٧٩: ٣ P.V. Glob، Archaeological Investigations In Four Arab States، ١٩٥٩، P.٢٣٨ ٤ J.B. Philby، Oa. Cit.، P.٣٧٣
[ ١٨٠ ]
بعضها في مناطق صحراوية بعيدة عن العمران الآن، على أن هذه المناطق إنما كانت مأهولة بالسكان في تلك العصور العتيقة١.
ومن أسف أننا لا نملك دراسة علمية مقارنة عن هذه المقابر، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أنها إنما ترجع إلى عصر "Chaicoithic"، أو إلى العصر البرونزي، بينما ذهب آخرون إلى أنها إنما ترجع إلى العصر البرونزي المتأخر٢، هذا وقد ذهب فريق ثالث إلى أن مقابر "أم النار"، في أبو ظبي، إنما ترجع إلى الألف الثالثة "ق. م"٣، وأما عن أصحاب هذه المقابر، فإن الباحثين يتجهون إلى أن مقابر المرتفعات إنما كانت للصيادين أو الرعاة، بينما كانت مقابر السهول للمزارعين المستقرين٤.
ولعل مما تجدر ملاحظته أنه قد تبين من مخلفات المقابر في أم النار أنها إنما تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك، ويقل العدد في غرف الدفن والممرات، مما يدل على أن القبر قد استخدم مرات عديدة، هذا ويدل وجود الهياكل العظمية خارج الجدران الخارجية على وجود ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم مع بعض خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفى٥.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود مراكز استيطان عديدة في شمال شرق الجزيرة العربية، تنتمي إلى حضارة "العبيد" في العراق القديم، من الناحية الزمنية، فضلا عن تشابه حضاري بينهما، وأما موقع هذه المراكز فقد كان بحذاء الساحل، وفي داخل المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن منطقة شرق الجزيرة العربية لم تخضع لتطورات عصور ما قبل التاريخ في منطقة الشرق الأدنى القديم، والتي انتقلت من مرحلة الصيد وجمع
_________________
(١) ١ P.B. Cornwall، Op. Cit.، P.٣٦-٣٧. وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.٣٧٣ ٢ R. Sanger، Op. Cit.، P.١٤١ ٣ جواد علي ١/ ٥٤١-٥٤٢، تقرير عن الحفريات الأثرية في فيلكا، الكويت ص٢٤. ٤ P.B. Cornwall، Op. Cit.، P.٣٧ ٥ G. Bibby، Looking For Dilmun، P.٢١٢ وكذا K. Thorvildsen، Kuml، ١٩٦٢، P.٢١٧-٢١٨
[ ١٨١ ]
الغذاء "حوالي ٩٠٠٠ق. م" إلى مرحلة استئناس الحيوان ثم الزراعة "حوالي ٧٠٠٠ق. م"، فمرحلة القرى الزراعية، ثم مرحلة التجمعات الزراعية "عصر العبيد"١.
وعلى أي حال، فلقد اكتشف في شمال شرق الجزيرة العربية أكثر من ثلاثين موقعًا، ينتمي إلى حضارة العبيد، فيها أربعة عبارة عن أماكن استقرار، والباقي مناطق سطحية تحيط بالأربعة السابقة، وتتوزع هذه المناطق على مساحة واسعة داخل المنطقة الشرقية -وكذا على الساحل، وتوجد الأولى في العروض الجنوبية، بينما توجد الثانية في العروض الشمالية، وإن اتفقت جميعًا في الفخار الملون -وكذا الأدوات التي عثر عليها فيها- إنما تتشابه جميعًا مع مثيلاتها في منطقة العبيد٢.
_________________
(١) ١ حضارة العبيد: وتمثل أقدم أطوار فجر الحضارة في العراق الجنوبي، وإن انتشرت في جميع أنحاء العراق، شماله وجنوب، وقد أخذت اسمها من تل على بضعة كيلو مترات إلى الغرب من "الناصرية" قرب مدينة "أريدو" "أبو شهرين"، ويمثلها في الشمال ما عثر عليه من آثار في "ثبة كورا" و"نوزي" و"تل حسونة" و"نينوى" و"تل حلف"، وأما في الجنوب: فأهم مواقعها "أبو شهرين" و"أور" و"لجش"، و"قلعة الحاج محمد" و"الوركاء"، وقد أثبتت الدراسة المقارنة لحضارات العبيد الشمالية والجنوبية وجود تشابه واختلاف بين إنتاج هاتين الحضارتين، ولكنهما ينتميان أصلا إلى حضارة واحدة، سرعان ما تأثرت بالبيئة المحيطة بها، فأعطتها شكلها المعين. وهناك من الباحثين من يرى أن حضارة العبيد ليست تطورًا لغيرها من الحضارات السابقة، وإنما هي حضارة مستوردة من الهضبة الإيرانية، جاء أصحابها من جنوب غرب إيران في أوائل الألف الرابعة ق. م، أو قبلها بقليل، بينما يذهب آخرون إلى أنها من المنطقة الشمالية "بلاد الآشوريين فيما بعد"، على أن هناك رأيًا حديثًا يتجه بها إلى الجنوب "شرقي جزيرة العرب"، وأنها ليست دخيلة على المنطقة، وإنما نشأت من جراء تطور طبيعي، سبقته مراحل عديدة خلال العصر الحجري الحديث "انظر: نجيب ميخائيل، مصر والشرق الأدنى القديم ٥/ ٦٣-٦٥، طه باقر: المرجع السابق، رشيد الناضوري: جنوب غربي آسيا وشمال إفريقيا، الكتاب الأول -بيروت ١٩٦٨م، وكذا G. Roux، Ancient Iraq، ١٩٦٦ وكذا Jnes، Iii، ١٩٤٤، P.٤٧. وكذا Summer، Iii، ١٩٤٧، P.٨٤f، Iv، ١٩٤٨، P.١١٥f وكذا A.L. Perkins، The Comparative Stratigraphy Of Early Mesopotamia، ١٩٤٩ وكذا H. Frankfort، The Art And Architecture Of The Ancient Orient، ١٩٥٨ ٢ A.H. Masry، Prehistory In Northeastern Arabia، The Problem Of Interregional Interaction، Miami، Florida، ١٩٧٤، P.١-١١
[ ١٨٢ ]
شرق الجزيرة العربية وسكان جنوب العراق من أولئك الذين كانوا يحترفون الصيد وجمع الغذاء، وأن مجموعات بشرية من شرق الجزيرة العربية قد هاجرت إلى السهل الفيضي القريب منهم، وساهمت بذلك في خلق نوع من التفاعل الثقافي، ومن ثم فقد كان هناك تبادل بين جنوب العراق وشمال شرق الجزيرة العربية في الأدوات الحجرية والمنتجات البحرية إبان عصر العبيد، وربما أدى هذا التبادل إلى هجرات دورية من جانب الرعاة والصيادين أو جامعي الغذاء، إن التطور الاقتصادي في كل من المنطقتين "الصيد والجمع وصيد الأسمال في شرق الجزيرة العربية، والزراعة في جنوب العراق" قد ساعد على عملية التبادل المادي والحضاري بين الناحيتين١.
وعلى أي حال، فلقد كان من نتائج فحص مناطق الاستقرار التي تنتمي إلى حضارة العبيد في شمال شرق الجزيرة العربية، أن الجنوب قد سادت فيه حضارة العبيد المبكرة، بينما سادت في الشمال نفس الحضارة في عصرها المتأخر، وإن عثر في موقع وحيد -على مقربة من قرية الهفوف- على فخار يشبه فخار العبيد المبكر، كما أن الحضارات التي تعاقبت بعد ذلك في جنوب العراق -كالوركاء وما قبل الكتابة- لا أثر لها في تلك المواقع التي عثر فيها على حضارة العبيد في بلاد العرب، كما أنه ليس هناك من دليل على وجود لحضارة العبيد في جزيرة "تارون"، والتي ظهر أن حضارتها إنما كانت على صلة مباشرة بحضارة الخليج العربي التي تنتمي إلى منتصف الألف الثالثة ق. م، وفيما بعد، مثل حضارة البحرين٢.
ولعل من نتائج ذلك كله أن هناك عناصر حضارية ثلاثة في شرق الجزيرة العربية في عصور ما قبل التاريخ، تميزت الواحدة بصناعة الأدوات الحجرية، وتأثرت الثانية بحضارة العبيد، وأما الثالثة -ويمثلها موقع جزيرة تارون- فتنتمي إلى حضارة الألف الثالثة ق. م، وما بعدها، وقد كانت نتيجة للعلاقات التجارية بين الجانبين، والتي قامت فيها شواطئ الخليج بدور مهم٣.
وطبقًا لعلم الطبقات، فإن العنصرين الحضاريين وجدا أنهما على علاقة مباشرة ومتتابعة في موقع "عين قناص" في الداخل، وفي جنوب غرب المنطقة الشرقية،
_________________
(١) ١ Ibid.، P.١٦ ٢ G. Bibby Looking، For Dilmun، N.Y.، ١٩٦٩. وكذا A.H. Masry، Op. Cit.، P.١٧-١٨ ٣ Abdullah Hassan Masry، Op. Cit.، P.١٨-١٩
[ ١٨٣ ]
فضلا عن ذلك، فإن تحليل الرواسب من هذا الموقع أمدنا بدليل مباشر على تواجد سكاني دوري في المنطقة في العصر الحجري، وهكذا يمكننا أن نستنتج أن حركات سكانية وهجرات دورية حدثت على المدى الطويل تجاه الوادي الغريني في جنوب العراق، ومن الممكن أن نظن أن مواطن الاستقرار التي تنتمي إلى حضارة العبيد في بلاد العرب، خاصة تلك التي تقع على طول الساحل، تبادلت المواد الخام مع مثيلاتها في جنوب العراق، فلقد كانت مواد التبادل هذه تتمثل في الأصداف واللآلئ والمنتجات البحرية الأخرى، فضلا عن المواد الحجرية المنتجة من سواحل الجزيرة العربية، كما أن وجود حجر الأوبسيديون في مواقع الجزيرة العربية، لدليل على العلاقات بين هذه الأخيرة وبين الشمال عن طريق جنوب العراق١.
ومما هو جدير بالملاحظة أن الفترة التي بدأت تتكون فيها المدن في العراق، قد توافقت زمنيًّا مع فترة اختفاء حضارة العبيد في الجزيرة العربية، مما يحمل على الظن بأن هجرة كبيرة من سكان الجزيرة نزحت إلى العراق القديم في نهاية الألف الرابعة قبل الميلاد، وهذا يتفق مع ما افترضه العلماء من أن تدفق السكان على سهول العراق كان حاسمًا في قيام المراكز المدنية هناك٢.
وعلى أي حال، فلعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى المراكز الحضارية في منطقة الخليج العربي إنما قد تأثرت في عصور ما قبيل الكتابة بحضارات جنوبي بلاد الرافدين -كما أشرنا من قبل- ووادي السند ووادي النيل وإيران، ذلك لأن المراحل الأخيرة في عصور ما قبل التاريخ إنما قد تأثرت إلى حد كبير بظاهرة الاتصالات الخارجية٣.
وهناك ما يشير إلى تشابه في أشكال الأدوات الفخارية التي تنتمي إلى عصر حضارة العبيد، وتلك التي في موقع أم النار في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية، وموقع باكون بإقليم فارس٤ في إيران.
_________________
(١) ١ A.H. Masry، P. Cit.، P.١٩ ٢ A.H. Masry، Op. Cit.، P.٢٠ ٣ رشيد الناضوري: جنوب غربي آسيا وشمال أفريقيا -الكتاب الأول- ص٢٣٥-٢٣٧. ٤ يقع إقليم فارس في الجنوب الغربي من إيران ويوازي ساحل الخليج العربي، وأهم مواقعه الأثرية موقع باكون، ويقع على مبعدة ٢.٥ كيلو مترا جنوب بيرسبوليس القريبة من شيراز في سهول "مرفت داست" "D. Mccown، Saoc، ٢٣، ١٩٥٧، P.٢٣."
[ ١٨٤ ]
هذا وقد قامت منطقة الخليج العربي بدور فعال في الاتصال بين حضارة جنوب وادي الرافدين وواد السند، وهناك ما يشير إلى أن تجار منطقة وادي السند قد مارسوا التجارة مع سكان الخليج العربي ومدن وادي الرافدين١.
وفي هذا المجال فقد عثر في أم النار و"هيلي"- على مبعدة عشرة كيلو مترات من مدينة العين- على أواني فخارية تحمل زخارف تشبه تلك التي عثر عليها في وادي السند، هذا ويستدل على الاتصال التجاري مع وادي السند من العثور على العديد من الأختام المربعة التي تتميز بها حضارة وادي السند في فيلكا وفي البحرين وكذا العثور على أختام دائرية في موقع وادي السند يعود أصلها إلى فيلكا والبحرين٢.
هذا وقد تبين من الدراسة والمقارنة لفخار أم النار، وفخار "كولي" أن الأول ينتمي إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، وأن التشابه بين النوعين إنما يكمن في الصناعة وتطبيق الألوان وأسلوب الزخرفة والحفر البارز، وإن تميز فخار أم النار بتعدد ألوانه وأشكاله وزخارفه٣.
وفي موقع بلوخستان الإيراني يوجد موقع "بامبور" "بجنوب شرق إيران" ويضم ست طبقات تؤرخ ابتداء من الربع الثاني من الألف الثالثة ق. م، وحتى بداية الألف الثانية ق. م٤، وتمثل ست مراحل حضارية، عثر في الطبقات الأربعة الأولى منها على أواني فخارية رمادية تشبه فخار أم النار٥، أما المرحلة السادسة فإلى جانب تشابه فخارها مع فخار أم النار، فلقد كشف فيها كذلك عن ختم من أختام الخليج العربي، يؤرخ بحوالي عام ١٩٢٣ق. م٦، ومن ناحية أخرى فلقد وصلت أختام وادي السند -ومنها ما يحمل خصائص أختام الخليج العربي -إلى
_________________
(١) ١ Bridget And Raymond Allchin، The Irth Of Indian Civilization، London ١٩٦٨، P.٢٧٠ ٢ سليمان البدر: المرجع السابق ص٣١٥-٣١٦. ٣ سليمان البدر: دراسة تاريخية الخليج العربي أثناء الألفين الثاني والأول قبل الميلاد -رسالة دكتوراة -الإسكندرية ١٩٧٦ ص٤١، وكذا: حسين جعفر منديل: الآثار في أبو ظبي- مؤتمر الآثار السادس، ١٩٧١ ص١ وكذا K. Thorvildsen، Burial Cairns On Umm-An-Nar، Kumal، ١٩٦٢، P.٢١٩ ٤ De Cardi "B."، Excavations At Bampur، S.E. Iran، Iran، ٦، ١٩٦٨، P.١٣٥ ٥ A.S. Matheson، Persia، An Archaeological Guide، London، ١٩٧٢، P.٢٧٤ ٦ سليمان البدر: المرجع السابق ص٥١، وانظر: B. DE CARDI، OP.CIT.، P.١٣٥
[ ١٨٥ ]
بلاد الرافدين ومواقع الخليج العربي١، هذا فضلا عما عثر عليه في البحرين وفيلكا من أدوات حجرية من وادي السند، وكذا لوحة لعب من حجر اللازورد عثر عليها في موقع "باربار" في البحرين٢.
وعلى أي حال، فرغم أن هناك من يرى أن عصر ما قبل التاريخ قد بدأ في شبه الجزيرة العربية حوالي الألف الثالثة ق. م، في وقت كان العصر التاريخي قد بدأ في أماكن أخرى٣ -كمصر والعراق القديم- فإن معلوماتنا الحالية لا تسمح لنا بتحديد العصر الذي ينتهي فيه العصر الحجري القديم، ويبدأ فيه العصر الحجري الحديث أو العصر التاريخي في بلاد العرب، فإن ذلك ما زال متوقفًا على الأبحاث الأثرية.
على أن هناك حقيقة مهمة تتلخص في أن الهجرات بدأت تفد إلى مصر من بلاد العرب منذ الألف الرابعة قبل الميلاد، وإلى العراق قبل بداية الألف الثالثة قبل الميلاد٤، ذلك لأن شبه الجزيرة العربية، فيما يرى غالبية العلماء -ومنهم سبرنجر٥ وإيرهارد شرادر٦، وهربرت جريمة٧ وروبرتسون سمث٨ وكارل بروكلمان٩ وكنج١٠ وجون ماير١١ ستانلي كوك١٢، ورايت١٣، وهوجو فنكلر
_________________
(١) ١ سليمان البدر: المرجع السابق ص١٢٨-١٢٩، وكذا B. DE CARDI، CAH، I، PART، II، P.٤٥٣ ٢ سليمان البدر: المرجع السابق ص١٣٠، وكذا G. BIBBY، OP. CIT.، P.٣٥٤ ٣ A.H. MASRY، OP. CIT.، P.٢ ٤ أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم ص١٢٤؛ قارن: نجيب ميخائيل: المرجع السابق ٣/ ١٨٢-١٨٣. ٥ A. SPRENGER، DAS LEBEN UND DIE LEHRE DES MOHAMMAD، BERLIN، ١٨٦١، P.٢٤١ وكذا A. SPRENGER، ALTE GEOGRAPHIE ARABIENS، ١٨٧٥، P.٢٩٣ ٦ E. SHRADER، ZDMG، ٢٧، ١٨٧٣، P.٣٩٧F ٧ H. GRIMME، MOHAMMED، ١٩٠٤، P.٦F ٨ R. SMITH، KINSHIP AND MARRIAGE IN EARLY ARABIA، P.١٧٨ ٩ C. BROCKLEMANN، GRUNDRISS DER VERGLEICHENDEN GRAMMATIK DER SEMITISCHEN، SPRACHEN، BERLIN، ١٩٠٨، ١، ٢ ١٠ L.W. KING، HISTORY OF SUMER AND AKKAD، LONDON، ١٩١٥، P.١١٩ ١١ J.L. MEYERS، IN CAH، I، ١٩٢٣، P.٢٨ ١٢ S.A. COOK، IN CAH، I، ١٩٢٣، P.١٩٢ ١٣ E. WRIGHT، COMPARATIVE GRAMMER OF SEMITIC LANGUAGES، P.٨
[ ١٨٦ ]
وتيله والأب فنسان وجاك دي مورجان وكايتاني١ وديتلف نلسن٢، وفريتز هومل٣ وفلبي٤ وسايس٥ وحسن ظاظا٦ سبتينو موسكاتي٧ وغيرهم- يرون أن الموطن الأصلي للساميين إنما هو شبه الجزيرة العربية٨، ذلك الخزان البشري الشهير، الذي لم يتوقف عن أن يقذف- كإقليم طرد وكصحراء فقيرة، ولكنها ولود -بالموجة تلو الموجة إلى منطقة الهلال الخصيب المتاخمة والجذابة، وإلى وادي النيل، عبر البحر الأحمر، أو عن طريق سيناء٩.
ورغم اختلاف أصحاب هذه النظرية في المكان الذي كان الموطن الأصلي للساميين من الجزيرة العربية -فيما بين أواسط شبه الجزيرة العربية ولا سيما نجد، وبين العروض ولا سيما جزيرة البحرين والسواحل المقابلة لها، وبين الأقسام الجنوبية من بلاد العرب١٠- فالذي لا شك فيه أن الجزيرة العربية هي موطن الساميين الأول، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير حركات القبائل السامية من البادية إلى أودية الأنهار الخصبة، والتي بدأت منذ عصور ما قبل التاريخ، ولم تتوقف على الإطلاق حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي.
وهكذا انطلقت من شبه الجزيرة العربية هجرات ضخمة تتدفق في موجات متتابعة تشق طريقها إلى الأراضي الخصبة، ويذهب بعض العلماء إلى أن الفترة بين
_________________
(١) ١ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٣. ٢ D. NIELSEN، HANDBUCH، I، ١٩٢٧، ٤٧، ٥٥ ٣ F. HOMMEL، ETHNOLOGIE UND GEOGRAPHIE DES ALTEN ORIENT، ١٩٢٦، P.١٠ وكذا A. GROHMANN، OP. CIT.، P.١٤ ٤ J.B. PHILBY، THE BACKGROUND OF ISLAM، P.٩F ٥ A.H. SAYCE، ASSYRIAN GRAMMER، ١٨٧٢، P.١٣ ٦ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٥-١٦. ٧ S. MOSCATI، HISTOIRE ET CIVILISATION DES PEUPLES SEMITIQUES، P.٣٢-٣ ٨ انظر مقالنا: الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي، مجلة كلية اللغة العربية، العدد الرابع، الرياض ١٩٧٤م ص٢٤٥-٢٧١. ٩ نفس المرجع السابق ص٢٦٣. ١٠ A. SPRENGER، OP. CIT.، P.٢٤١ وكذا J. HASTINGS، A DICTIONARY OF THE BIBLE، ١٩٠٤، P.٧٤ وكذا J، MONTGOMERY، ARABIA AND THE BIBLE، P.١٢٦ وكذا J.B. WARRELL، A STUDY OF RACES IN ANCIENT NEAR EAST، ١٩٢٧، P.٤٥، ٩٤.
[ ١٨٧ ]
الموجة والتي تليها تبلغ زهاء ألف عام١، ولعل من أشهر هذه الموجات موجة الأموريين٢، ثم الكنعانيين -أو الفينيقيين٣- وأما ثالث الموجات فقد كانت الموجة الآرامية٤.
وتشير الآثار المستخرجة من الأراضي فيما بين دجلة والفرات، على أن أولى الهجرات السامية إنما بدأت حوالي عام ٥٠٠٠ق. م، وأن هذه الاكتشافات لا تنفي فكرة وقوع هجرات سامية قبل هذا التاريخ٥، فضلا عن التي أتت بعده، ومنها تلك التي كانت في بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، والتي كان أصحابها على قدر غير قليل من الثقافة، حتى أنهم استطاعوا على أيام سرجون الأولى "حوالي عام ٢٣٥٠ق. م" من أن يقيموا دولة اتسعت فتوحاتها حتى وصلت آسيا الصغرى، وبدهي أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا أنفسهم على شعب ذي حضارة كالسومريين، إلا إذا كانوا قد وصلوا إلى درجة من التقدم تجعلهم يعرفون كيف يستفيدون من غيرهم، وتصبح لهم السيطرة على البلاد، وأن تظل لغتهم الأصلية وكثير من مظاهر ثقافتهم، ملازمة لهم قرونًا طويلة، ومن ثم يمكننا القول أن هؤلاء المهاجرين من بلاد العرب إلى العراق قبل خمسة آلاف سنة، لم يكونوا قومًا بدائيين، بل كانوا ذوي ثقافة خاصة بهم، كما كان لهم نظمهم وحياتهم الاجتماعية٦.
_________________
(١) ١ H، WINCKLER، THE HISTORY OF BABYLONIA AND ASSYRIA، N.Y.، ١٩٠٧، P.١٨-٢٢ وكذا J.A. MONTGOMERY، OP. CIT.، P.٢١ ٢ انظر: كتابنا "إسرائيل" ص٣٣١-٣٣٣. ٣ انظر كتابنا "إسرائيل" ص٣٣٤-٣٣٧. ٤ انظر كتابنا "إسرائيل" ص٣٧-٣٤٢. ٥ نجيب ميخائيل: مصر والشرق الأدنى القديم ٣/ ١٨٢-١٨٣. ٦ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٢٤.
[ ١٨٨ ]