تعتبر شبه الجزيرة العربية من أشد البلاد جفافًا وحرًّا، وربما كان ذلك لوقوعها في منطقة قريبة من خط الاستواء، ولأن معظمها إنما يقع في الإقليم المداري الحار، ولأنها بعيدة عن المحيطات الواسعة التي تخفف في درجة الحرارة، ولأن المسطحات المائية التي تقع إلى الشرق وإلى الغرب منها- أي الخليج العربي والبحر الأحمر- أضيق من أن تكفي لكسر حدة هذا الجفاف المستمر، فهما مسطحان مائيان يتراوح اتساعهما بين ١٢٠، ١٥٠ ميلا، ولهذا كان أثرهما في اعتدال الحرارة غير محسوس، أما المحيط الهندي الذي يقع إلى الجنوب منها، فلئن ساعد في الجنوب على سقوط الأمطار في أطراف شبه الجزيرة العربية الجنوبية، فإن مرتفعات حضرموت والربع الخالي قد تمنعه عن داخلها، هذا فضلا عن أن رياح السموم التي تنتاب شبه الجزيرة العربية في مواسم معينة، فتشوي الوجوه وتعمي العيون، تسلب كذلك الرطوبة من الهواء قبل أن يبلغ داخل البلاد، أما الريح الشرقية المنعشة المعروفة "بريح الصبا"١، فقد كانت موضوعًا محببًا يتغنى به شعراء العرب، بل ليس في أشعار العالم ولا في نثرهم شعرًا ونثرًا فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح.
_________________
(١) ١ يروي المسعودي أن الرياح أربعة، إحداها تهب من جهة المشرق وهي القبول "الصبا" والثانية من المغرب وهي الدبور، والثالثة من التيمن وهي الجنوب، والرابعة من التيسر وهي الشمال "مروج الذهب ٢/ ٢٢١".
[ ١٠٥ ]
والمطر غوث ورحمة لسكان شبه الجزيرة العربية، يبعث الحياة في الأرض، فتنبت العشب والكلأ والكمأة والأزهار، ويحول وجهها الكئيب إلى وجه مشرق ضحوك، فيفرح الناس وتفرح معهم ماشيتهم، ومن هنا كانت مرادفات المطر الغيث، وفيها ما فيها من معاني الغوث والنصرة، وهو على أي حال، جد قليل في داخل البلاد، بالنسبة إلى شدة احتياج البلاد إليه، ولعل أكثر المناطق حظوة ونصيبًا من المطر هي النفود الشمالي وجبل شمر، إذ تنزل بها الأمطار في الشتاء، فتنبت أعشاب الربيع، وأما الصحاري الجنوبية فلا يصيبها المطر إلا زذاذًا، وقد تبخل الطبيعة عليها حتى بهذا الرذاذ، وأما الساحل الغربي حيث معظم الأرض حَرّة، فإن المطر ينهمر هناك مدرارًا فتسيل السيول، ثم تبدو الأرض وكأن لم يصبها شيء، حيث لا يتسرب من هذه السيول شيء كثير إلى باطن الأرض، وإنما تصب في البحر، على أن ثمة بقاعًا قليلة تستفيد من المطر كالعقيق في المدينة وبعض البقاع حول مكة، ولا ريب في أن الطائف مثلا بلد خصب -وكذا خيبر- ولكن تلك الأماكن الخصبة قليلة جدًّا بالنسبة إلى اتساع الجزيرة العربية١.
وتسقط الأمطار الموسمية في اليمن وعسير، وهي هناك تكفي لتأمين زراعة الأرض زراعة منتظمة، ففيها نجد خضرة دائمة تنبت في أودية خصبة تمتد إلى نحو مائتي ميل من الساحل، ويزيد ارتفاع صنعاء على ٧٠٠٠ قدم فوق سطح البحر، وهي لذلك من أصح المدن وأجملها في بلاد العرب، ويروي "الإصطخري" أنه ليس في الحجاز أبرد من جبل "غزوان" بجوار الطائف، وأنه ربما جمد الماء في ذروته، وأشار الهمداني إلى جمود الماء في صنعاء، ويضيف "جلازر" إلى هذين الموضعين جبل "حضور الشيخ" في اليمن، الذي كثيرًا ما تسقط عليه الثلوج في الشتاء وأما الصقيع فهو أكثر من ذلك شيوعًا٢.
وتهب على عسير في الصيف الرياح الموسمية، سواء الغربية منها أم الجنوبية الغربية، فالأولى تصل إلى المنطقة من المحيط الأطلسي وتسبب سقوط الأمطار فوق
_________________
(١) ١ حافظ وهبة: المرجع السابق ص٦، عمر فروخ: المرجع السابق ص٣١، جواد علي ١/ ٢١٤. ٢ الإكليل ٨/ ٧ "طبعة أمين فارس، برنستون ١٩٤٠" الإصطخري: المسالك والممالك ص١٩ "طبعة ليدن ١٨٧٠" نزيه العظم: رحلة في بلاد العرب السعيدة ص١١٨ "القاهرة ١٩٣٨"، وكذلك. P.K. Hitti، A History Of The Arabs، P.١٨
[ ١٠٦ ]
هضبة الحبشة، وعندما تجتازها تمر فوق مناطق منخفضة ثم فوق البحر الأحمر فتحمل معها بعض الرطوبة فعندما تصطدم بجبال عسير تسبب هطول المطر، بينما لا تسبب تهطالا فوق تهامة لحرارة المنطقة فتقل معها الرطوبة النسبية، ولكنها تسبب العواصف الرملية ولذا تعرف هناك باسم "الغبرة" وغالبًا ما تكون في نهاية الصيف. وبعد الزوال حتى غروب الشمس، أما الرياح الجنوبية الغربية فتأتي من المحيط الهندي وتكون في أوائل الصيف وتثير البحر الأحمر وتهيجه فترتفع الأمواج فيه، ولا تسقط إلا أمطارًا قليلة لأنها تقل في ظل القرن الأفريقي، كما أن جبال اليمن تكون قد أفقدتها أكثر حمولتها، ولا ينال تهامة منها شيئًا١.
وتتميز حضرموت بالأودية العميقة وبالرياح الموسمية الجنوبية الغربية المشبعة ببخار الماء، ويصل إلى عمان قدر لا بأس به من المطر ينفع الناس ويعينهم على تصريف أمورهم.
ومن الغريب أن المطر ينهمر أحيانًا، وكأنه أفواه قرب قد تفتحت، فيكون سيولا عارمة جارفة، تكتسح كل ما تجده أمامها، وتسيل الأودية، فتتحول إلى أنهار سريعة الجريان، وقد لاقت مكة من السيول مصاعب كثيرة، هذا وقد خصص "البلاذري" في "فتوح البلدان فصلا كاملا لأخبار سيول مكة، والأمر كذلك بالنسبة إلى المدينة، وإلى غيرها من المدن، وقد يهلك في هذه السيول خلق من الناس كثير، كما حدث لشعب سبأ بسبب سيل العرم٢، وكما حدث قريبًا في عام ١٣٣٦هـ عندما حدثت فيضانات كثيرة في وادي "تثليث" فتجاوزت السد الرملي ووصلت إلى وادي الدواسر، وأغرقت عدة قرى٣.
_________________
(١) ١ محمود شاكر: المرجع السابق ص١٩-٢٠. ٢ جواد علي ١/ ٢١٥، فتوح البلدان ص٥٣-٥٥، وانظر عن سيول مكة وإعادة بناء الكعبة في حوالي عام ٦٠٦م "مروج الذهب ٢/ ٢٧١-٢٧٢، ابن الأثير ٤٤٢، الطبري ٢/ ٢٨٧، الأزرقي ١/ ١٥٧٠١٥٨، ياقوت ٤/ ٤٦٦، نهاية الأرب ١/ ٢٣٢، المقدسي ١/ ٩ ١٣٤-١٤٠، الحربي "أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق": كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، تحقيق حمد الجاسر، الرياض ١٩٦٩، ص٤٨٦-٤٨٧. ٣ محمود شاكر: المرجع السابق ص٣٣.
[ ١٠٧ ]