نجح الأحباش في القضاء على ذي نواس والاستيلاء على البلاد وضمها إلى الحبشة، ولكنهم -على ما يبدو- لم يحكموها حكمًا مباشرًا، وإنما اختاروا واحدًا من الأقيال الذين عاونوهم على احتلالها، وكان هذا القيل هو "السميفع أشوع"، الذي سبق أن أشرنا إليه، والذي عينه الأحباش الآن ملكًا على حمير، على أن يدفع لهم جزية سنوية.
وهناك نص في "متحف إستنبول" نشره "ريكمانز"، يفهم منه أن "السميفع أشوع" كان ملكًا على سبأ، وكان نصرانيًّا، بدليل أن النص جاء فيه "باسم رحمنن وبنهو كرشتش غلبن" وترجمته "باسم الرحمن وابنه المسيح الغالب١"، ولعل
_________________
(١) ١ D. Nielsen، Op. Cit.، P.١٠٥ وكذا Le Museon، ١٩٥٠، ٣-٤، P.٢٧٢، ١٩٦٤، ١-٤، P.١٦٥، ١٦٧ وكذا C. Conti Rossini، Storia D'etiopia، I، P.١٨٠ "Milano، ١٩٢٥"
[ ٣٣٥ ]
هذا النص يعضد ما ذهب إليه "بركوبيوس" من أن الذي حكم حمير بعد "ذي نواس" إنما هو "Esimiphaeus" "السميفع أشوع= سام يفع أشوع"١، على أنه لم يكن في الواقع إلا تابعًا لملك الحبشة، وأنه قد بدأ حكمه في عام ٥٢٥م٢.
وما أن تمضي سنون ستة، حتى تبدأ البقية الباقية من جنود الحبشة في اليمن الثورة "في عام ٥٣١م" على "السميفع أشوع" ثم محاصرته في إحدى القلاع، وتعيين "أبراهام" -وهو عبد نصراني كان مملوكًا لتاجر يوناني في مدينة عدولي- في مكانه، وقد حاول النجاشي أن يقضي على هذه الثورة، غير أن هزيمة قواته التي أرسلها مرة بعد أخرى، جعلته يتقبل الوضع على علاته، وما أن تنتهي حياته في هذه الدنيا، حتى يسرع "أبراهام" "أبرهة" إلى عقد صلح مع خليفته، يدفع له بمقتضاه جزية سنوية، في مقابل أن يعترف النجاشي الجديد به نائبًا للملك في اليمن٣.
وتتجه المصادر العربية اتجاهًا مغايرًا في كيفية وصول "أبرهة" إلى السلطان في اليمن، فتذهب رواية إلى أنه جاء إلى اليمن جنديًّا تحت قيادة "أرياط" الذي فتح اليمن، ولكن ما أن تمضي سنوات معدودات حتى ينازعه السلطان، ثم يغدر به ويأخذ مكانه، بينما تذهب رواية أخرى إلى أن النجاشي إنما كان قد أرسل جيشين، أحدهما تحت قيادة "أبرهة" الذي نجح في أن يصبح ملكًا على صنعاء ومخاليفها بعد مقتل "ذي نواس"، ومن ثم فقد غضب النجاشي وأرسل إليه جيشًا تحت قيادة "أرياط"، فما أن حل بساحته، حتى عرض عليه "أبرهة" أن يبارزه، فأيهما ظفر بصاحبه كان الملك له، فرضي أرياط بذلك، وتبارزا، ونجح أبرهة في أن يوقع بأرياط عن طريق غلام له -هو عتودة- الذي كافأه أبرهة بألا تدخل عروس على زوجها في اليمن، قبل أن يصيبها قبله، مما كان سببًا في أن يدفع حياته
_________________
(١) ١ جواد علي ٣/ ٤٧٢، وكذا Procopius، I، Xx، ١-٢ ٢ G. Hunt، Himyaric Inscriptions Of Hisn Ghurab، ١٨٤٨ وكذا Cih، ٦٢١، Cih، Iv، Iii، I، P.٥٤ وكذا J.R Wellsted، Op. Cit.، P.٢١ وكذا جواد علي ٣/ ٤٧٥ وكذا Le Museon، Lxii، ٣-٤، ١٩٥٠، P.٢٧١ ٣ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٩٢، ١٢٠ وكذا John Malala، Xviii، ٤٥٧. وكذا J.B. Bury، Op. Cit.، P.٣٢٤
[ ٣٣٦ ]
ثمنا لرغبته اللئيمة هذه١.
وهكذا أصبح "أبرهة" "أبراهام" حاكمًا على اليمن٢، وإن اعترف اسميًّا بأنه "عزلي ملكن أجعزين" أي "نائب ملك الأجاعزة" على اليمن، وليس هناك من دليل على أن أبرهة لم يكن الحاكم المطلق على اليمن، ولم يترك لنجاشي أكسوم غير الاسم، حتى أنه دعاه في نص "جلازر ٦١٨" وفي نص "Cih ٥٤١" "بملك الجعز" فحسب، بينما أطلق على نفسه في نفس النص "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في الجبال والتهائم"، وهو ما يزال بعد -من الناحية الاسمية على الأقل- "نائب ملك الجعز"٣.
وعلى أي حال، فإن النص المذكور يشير إلى تهدم "سد سبأ" وترميمه في عام ٥٤٢م٤- الأمر الذي ناقشناه في الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"- غير أن الذي يهمنا هنا تلك الثورة التي شبت بقيادة "يزيد بن كبشة"، والذي عينه "أبرهة" "Abramios= Abraham" نائبا عنه في قبيلة كندة، وسرعان ما انضم إليه "معد يكرب" بن "السميفع أشوع "وبعض الزعماء اليمنيين، ومن ثم فقد بدأت الثورة تنتشر في أجزاء كثيرة من اليمن، حتى شملت حضر موت وحريب وذو جدن وحباب عند صرواح، إلا أن أبرهة سرعان ما انتصر على الثوار وبطش بهم، بمساعدة قبائل يمنية قوية، ومن ثم فقد انصرف إلى إصلاح ما أفسدته الثورة في سد
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٢/ ١٢٧٠١٣٠، ابن الأثير ١/ ٤٣١-٤٣٣، ابن كثير ٢/ ١٦٩، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٦٠-٦١، الأزرقي ١/ ١٣٦-١٣٧، تفسير القرطبي ٢٠/ ١٩٣-١٩٤، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٣، تاريخ الخميس ص٢٢٠-٢٢١، الأخبار الطوال ص٦٢، اليعقوبي ١/ ٢٠٠، ابن هشام ١/ ٤٧-٤٨، سعد زغلول: المرجع السابق ص١٩٨. ٢ جواد علي ٣/ ٤٨٠. ٣ جواد علي ٣/ ٤٨٤، وكذا E. Glaser، Zwei Inschriftten Den Dammbruch Von Marib، Ii، ١٨٩٧، P.٤٢١ ٤ انظر عن ترميم السد: كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني" وكذا: جواد علي ٣/ ٤٨٣-٤٨٤، أحمد فخري: المرجع السابق ص١٨٧ وكذا E. Glaser، Mvg، Ii، ١٨٩٧، P.٣٩٠ وكذا A.F.L. Beeston، In Basor، ١٦، ١٩٥٤ وكذا F. Altheim And R. Stiehl، Op. Cit.، P.٥٨٧ وكذا Handbuch، P.١٠٦ وكذا Le Museon، ١٩٥٣، ٦٦، P.٣٤٠ وكذا A. Sprenger، Op. Cit.، P.٣١-١٢٦
[ ٣٣٧ ]
مأرب١، وقد تم هذا الإصلاح الثاني في عام ٥٤٣م.
وتقرأ في نقش "ريكمانز ٥٠٦"- والذي يرجع تاريخه إلى عام ٥٣٥م، أو عام ٥٤٧م٢- عن حرب أشعلها أبرهة ضد قبيلة "معد"، وعن العلاقات بين ملوك الحيرة وحكام اليمن من الأحباش، وعن نفوذ الأخيرين على قبائل مثل معد، ولعل هذا يؤيد ما ذهب إليه الكتاب العرب من أن لليمن نفوذًا على قبائل معد، وأن تبابعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على هذه القبائل٣.
ويبدأ أبرهة نصه هذا بقوله: "بخيل رحمنن ومسحهو" أي "بحول الرحمن ومسيحه" ثم يسبغ على نفسه الألقاب الملكية المعروفة لملوك سبأ، ثم يتحدث بعد ذلك عن الحرب التي أشعلها ضد معد عند "حلبان"، كما أمر رؤساء قبائل "كندة وعل وسعد" بالقضاء على ثورة "بني عامر"، هذا ويشير النص كذلك إلى أن أبرهة قد انتصر على قبيلة معد، ثم أخذ الرهائن منها، اتقاء لثورة أخرى قد تقوم بها، كما قبل أن يبقى "عمرو بن المنذر"- الذي عينه أبوه "المنذر" أميرًا على معد- في مكانه٤.
وقد ذهب بعض الباحثين مذاهب شتى في تفسيرهم لهذا النص، فذهب البعض إلى أنه إنما يشير إلى حملة أبرهة على مكة في عام الفيل٥، وذهب آخرون إلى أنه إنما يشير إلى غزوة قام بها أبرهة تمهيدًا لحملة كبيرة كان ينوي القيام به إلى أعلى شبه الجزيرة العربية، ولكنه توقف عند مكة٦، بينما رفض فريق ثالث أن يربط بين الحملتين، لأنهم يرون أن هذه الحملة إنما تمت في عام ٥٤٧م، بينما كانت الأخرى
_________________
(١) ١ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٣٠٣ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٢١ ٢ Le Museon، ٦٦، ١٩٥٣، P.٢٧٥ وكذا A.F.L. Beeston، Notes On The Muraighan Inscription، In Basor، ١٩٥٤، P.٣٨٩. وكذا S. Smith، Events In Arabia In The ٦th Century A.D.، P.٤٣٥ ٣ جواد علي ٣/ ٤٩٤. ٤ E.A.W. Budge، A History Of Ethiopia، Nubia And Abyssinia، I، London، ١٩٣٨، P.٢٦٦. وكذا Le Museon، ١٩٥٣، ٣-٤، P،٢٧٧-٢٧٩ وكذا جواد علي ٣/ ٤٩٤-٤٩٦. ٥ جواد علي ٣/ ٤٩٥، وكذا Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٤٢٦ ٦ جواد علي ٣/ ٤٩٥، وكذا W. Caskel، Entdeckungen In Arabian، P.٣٠ وكذا Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٤٢٦
[ ٣٣٨ ]
في عام ٥٦٣م١، وأخيرًا فإن هناك فريقًا رابعًا يرى أن النص إنما يتحدث عن معركتين، الواحدة قادها أبرهة عند "حلبان"، والأخرى قامت بها مجموعة قبائل من "تربة"٢ في بلاد بني عامر -وربما على مبعدة ثمانين ميلا إلى الجنوب الشرقي من الطائف٣.
وبعد أن فرغ أبرهة من القضاء على الثورات التي هبت ضده، وبعد أن انتهى من ترميم سد مأرب، انصرف إلى نشر المسيحية ومحاربة الأديان الأخرى في بلاد العرب، فقوى ساعد مسيحي بلاد العرب الجنوبية، واتخذ من "نجران" مركزًا رئيسيًّا لحملته الدينية، فنجد جماعة مسيحية في صحراء اليمامة -في منتصف الطريق بين اليمن والحيرة- وفي يثرب، وعلى امتداد الطريق التجاري إلى فلسطين وسورية٤ وتبع ذلك إنشاء الكنائس في أنحاء مختلفة من اليمن، لعل أهمها مأرب ونجران وصنعاء، وفي هذه الأخيرة بنى كنيسته المشهورة "القليس" بغية أن يصرف الحجيج من مكة إلى صنعاء، فيكسب من ذلك فوائد مادية وسياسية وأدبية، وبالتالي فقد كان ذلك سببًا في حملته المشهورة على مكة في العام المعروف بعام الفيل٥- الأمر الذي
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٢٤٧ ٢ جواد علي ٣/ ٤٩٦Bsoas، ١٩٥٤، P.٣٩١ وكذا Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٤٢٦ وكذا ٣ البكري ١/ ٣٠٨. ٤ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٣٠٤. ٥ انظر عن حملة أبرهة على مكة: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" -مجلة كلية اللغة العربية- العدد السادس، ١٩٧٦ من ٢٨٧-٤٣٧، وكذا: تاريخ الطبري ٢/ ١٣٠-١٣٩، ابن الأثير ١/ ٤٤٢-٤٤٥، ابن كثير ٢/ ١٧٦٠-١٧١، نهاية الأرب ١/ ٢٥١-٢٦٤، تاريخ الخميس ص٢١٢-٢١٧، صحيح الأخبار ٣/ ٢١-٢٢، الاشتقاق ص٣٠٦، مطلع النور ص١٢١-١٢٢، ياقوت ٣/ ٥٣-٥٤، ٥/ ١٦١-١٦٢، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥١ ٢٥٣، ٢/ ٧، ابن هشام ١/ ٤٣-٥٢، الطبقات الكبرى ١/ ٥٥-٥٧، دلائل النبوة ١/ ٥٧، ٦٢-٦٦، أعلام النبوة للماوردي ص١٤٩، الأزرقي ١/ ١٤٠-١٤٨، دلائل النبوة للأصفهاني ص١٠٠، الإمام محمد عبده: تفسير جزء عم ص١٢١-١٢٢، تفسير الطبري ٣٠/ ٣٠٠-٣٠٢، تفسير ابن كثير ٨/ ٥٠٣-٥١١ "طبعة الشعب" تفسير النيسابوري ٣٠/ ١٦٣، تفسير البيضاوي ٢/ ٥٧٦، تفسير الكشاف ٣/ ٢٨٨، تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي" ٢/ ٥٧٦-٥٧٧، في ظلال القرآن ٨/ ٦٦٤-٦٧٥، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٣-٢٣٧، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/ ٣٩٤، المعارف ص٣١٢، حياة محمد ﷺ ١٠١-١-٢، مروج الذهب ٢/ ١٠٤-١٠٦، تفسير القرطبي ص٧٢٧٧-٧٢٩٠ "طبعة الشعب".
[ ٣٣٩ ]
ناقشناه في الفصل الحادي عشر، من الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني".
ويبالغ الأخباريون كثيرًا في وصف "كنيسة القليس" "وهي محرفة عن كلمة أكليسيا بمعنى كنيسة"، حتى أنهم يروون أن أبرهة لما أتم بناءها كتب إلى النجاشي يقول: "إني قد بنيت لك بصنعاء بيتًا لم تبن العرب ولا العجم مثله"١ أو "إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب"٢.
وتذهب الروايات العربية إلى أن القليس إنما بنيت بجوار قصر غمدان، وبحجارة من قصر بلقيس بمأرب، وأن أبرهة قد كتب إلى قيصر الروم يطلب منه الرخام والفسيفساء ومهرة الصناع، كما أنه قد استعمل في بنائها طبقات من حجر ذي ألوان مختلفة، لها بريق، وأنه نقشها بالذهب والفضة والفسيفساء وألوان الأصباغ وصنوف الجواهر، وطعموا بابها بالذهب واللؤلؤ، ورشوا حوائطها بالمسك، وأقاموا فيها صلبانا منقوشة بالذهب والفضة والفسيفساء، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة، عشر أذرع في عشر، تغشى عين من ينظر إليها من بطن القبة، تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة، وكان تحت القبة منبر من شجر اللبخ- وهو عندهم الأبنوس- مفصد بالعاج الأبيض، ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبًا وفضة، وكان في القبة سلاسل فضية٣.
وفي الواقع، فإنه رغم ما في وصف الإخباريين للقليس من مبالغات، فإن العصر كان حقًّا، عصر بناء الكنائس الضخمة التي أنشئت في العالم المسيحي، وأهمها: كنيسة "أيا صوفيا" في القسطنطينية، و"كنيسة المهد" في "بيت لحم"، واللتان تعودان إلى عهد الإمبراطور "جستنيان" "٥٢٧-٥٦٥م"، وقد تأثرت جميعها
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٢/ ١٣٠ الأزرقي ١/ ١٣٨، ابن كثير ١/ ١٧٠، ابن هشام ١/ ٤٣، ياقوت ٤/ ٣٩٥، تفسير ابن كثير ٨/ ٥٠٤، تفسير القرطبي ٢٠/ ١٨٨ "دار الكتب"، تفسير الطبري ٣٠/ ٣٠٠. ٢ ابن كثير ١/ ١٧٠، ابن هشام ١/ ٣٤، تفسير ابن كثير ٤/ ٥٤٨، تفسير الطبري ٣٠/ ٣٠٠، الأزرقي ١/ ١٣٨، تفسير القرطبي ٢٠/ ١٨٧. ٣ الأزرقي ١/ ١٣٨-١٣٩، أديان العرب ص٣٥، ابن الأثير ١/ ٤٤٢، تاريخ الطبري ٢/ ١٣٠-١٣١، النويري ١/ ١٨٢-١٨٣، ابن سعد ١/ ٥٥، وكذا H. Scott، Op. Cit.، P.٢١٢
[ ٣٤٠ ]
بالفن البيزنطي، وإن جمعت كنيسة القليس بين الفن العربي القديم، والفن البيزنطي النصراني في بناء الكنائس١.
هذا وقد لجأ أبرهة في بناء "القليس" إلى السخرة، فضلا عن القسوة الشديدة التي كانت تصل إلى حد قطع يد العامل، إن تهاون أو تكاسل في عمله، ويروي "ياقوت الحموي" أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة وجشمهم فيها أنواعًا من السخرة، وكان ينقل إليها أدوات البناء كالرخام والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس، صاحبة سليمان ﵇، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، وكان فيه بقايا من آثار ملكهم، فاستعان بذلك على ما أراده من بناء هذه الكنيسة وبهجتها وبهائها٢.
وأيًّا ما كان الأمر ففي عام ٥٧٠م، أو ٥٧١م، مات أبرهة بعد فشله الذريع في حملته المنكودة على مكة المكرمة، وخلفه ابنه "يكسوم" لفترة لا ندري مداها على وجه التحقيق٣، ويبدو أنه مارس الحكم منذ أيام أبيه، حين اختاره- فيما يرى جلازر- حاكمًا على أرض معاهر٤، وعلى أي حال، فلقد كان "يكسوم" هذا شرًّا من أبيه، كما كان أخوه وخليفته "مسروق" شرًّا من الاثنين، ويرى الأخباريون أنه حكم ثلاث سنين انتهت بقتله، وبخروج الأحباش من اليمن٥، بعد حكم دام نحو مائتي سنة على رأي، واثنتين وسبعين على رأي آخر٦، وإن كان الصحيح -فيما يرى العلماء المحدثون- أنه لم يدم أكثر من سبع وأربعين سنة "٥٢٥-٥٧٢م"، على رأي، وقرابة نصف قرن "٥٢٥-٥٧٥م" على رأي آخر٧؛ وذلك لأن هؤلاء الباحثين إنما يرون أن حملة أبرهة على مكة المكرمة "عام الفيل" إنما كانت في عام ٥٥٢م على رأي٨، وعام ٥٦٣ على رأي آخر٩، وكلاهما يخالف المعهود من أن الحملة إنما كانت في عام ٥٧٠م، أو عام ٥٧١م.
_________________
(١) ١ هـ. ج. ويلز: موجز تاريخ العالم ص١٩٣. ٢ ياقوت ٤/ ٣٩٤-٣٩٦، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٣. ٣ مروج الذهب ٢/ ٥٥، موسكاتي: المرجع السابق ص٢١٦، الأخبار الطوال للدينوري ص٦٣، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٩. ٤ جواد علي ٣/ ٥٠٤ وكذا E. Glaser، Mvg، P.٤٢٠، ٤٦١ ٥ مروج الذهب ٢/ ٥٧، تاريخ الطبري ٢/ ١٣٩، المقدسي ٣/ ١٨٨. ٦ ابن الأثير ١/ ٤٥٠، مروج الذهب ٢/ ٥٧. ٧ فؤد حسنين: المرجع السابق ص٢٦٥، وانظر: سعد زغلول: المرجع السابق ص١٩٩، جرجي زيدان: المرجع السابق ص١٤١-١٥١. ٨ جواد علي ٣/ ٥٠٠، وكذا Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٤٢٧-٢٨ ٩ جواد علي ٣/ ٤٩٦، وكذا Le Museon، ١٩٦٥، ٣-٤، P.٤٢٧
[ ٣٤١ ]