يتميز هذا العصر الثالث من تاريخ سبأ، والذي يطلق عليه أحيانًا "عصر الدولة الحميرية الأولى"، بأن الملوك قد حملوا فيه لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، ولعله يعني -كما أشرنا من قبل- إشارة إلى ضم ريدان إلى سبأ، وربما يشير إلى دولة قتبان أو حمير١، غير أن أستاذنا الدكتور سعد زغلول إنما يرى أن الريدانيين هم الذين حققوا الوحدة بعد انتصارهم على السبئيين، والقرينة على ذلك انتقال مركز الحكم إلى مدينتهم "ظفار" عاصمة الدولة المتحدة٢.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في بداية هذه الفترة، فهناك من يذهب إلى أن بدايتها إنما كانت في حوالي عام ١١٨ق. م أو عام ١١٥ق. م، وربما في عام ١٠٩ق. م٣، بينما يرى آخرون أن "الشرح يحصب" أول من حمل هذا اللقب من السبئيين، إنما حكم في أخريات القرن الأول قبل الميلاد، إبان حملة "إليوس جالليوس" الروماني على اليمن في عام ٢٤ق. م٤، ومن ثم فإن لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، إنما كان في أخريات القرن الأول ق. م، وليس في أخريات القرن الثاني ق. م٥، وبالتالي فإن عام ١١٥ق. م أو عام ١٠٩ق. م الذي يرى البعض أن الحميريين قد اتخذوه تقويمًا ثابتًا يؤرخون به، لأنه العام الذي قامت فيه الدولة الحميرية٦، أمر يحتاج إلى إعادة نظر، فقد يكون له صلة بحادث ما غير قيام الدولة، وأن هذا الحادث كان من الأهمية بحيث جعله القوم مبدأ تقويم يؤرخون
_________________
(١) ١ Irfan Shahid، Pre-Islamic Arabia، In Chi، I، P.٩ ٢ سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص١٩٣. ٣ J.B. Philby، Op. Cit.، P.٩٧ ٤ انظر عن هذه الحملة: فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٣٠٠-٣٠١، مقالنا: "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة"، مجلة كلية اللغة العربية- العدد السادس ص٢٨٧-٤٣٧، الرياض ١٩٧٦، وكذا A. Sprenger، The Campaign Of Aelius Gallus، Jras، ١٨٧٣. ٥ D. Nielsen، Op. Cit.، P.٨٩ وكذا H. Von Wissmann And Hofner، Op. Cit.، P.١٤٢ ٦ عن مبدأ التقويم الحميري: انظر: E. Glaser، Op. Cit.، I، P.٣ وكذا F. Hommel، Geschichte Sudarabiens، I، ١٩٣٧، P.٩٦ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٠٧-٤٢٧، ٤٢٩-٤٣٠
[ ٢٦٦ ]
به، ولهذا رأينا بعض الآراء تذهب إلى أنه ربما كان تاريخ سقوط معين تحت سيادة سبأ بينما رأى آخرون أن هذا العام "عام١١٥ق. م، أو ١٠٩ق. م" هو عام انتصار سبأ على قتبان، وضمها إلى حكومة سبأ، وأن "ريدان" هنا إنما هو قصر ملوك سبأ ومقر حكمهم، ونظرًا لأهمية هذا العام، فقد اتخذه القوم مبدأ تأريخ وبداية تقويم، على أننا لو أخذنا بهذا التفسير، لكان ظهور لقب ملوك سبأ وذي ريدان" في حوالي عام ٣٠ق. م، ففي هذا العام -فيما يرى البعض- كان حكم "الشرح يحصب" و"شعر أوتار"١.
وهنا علينا أن نعود مرة أخرى إلى عهد "وهب إيل يحز" وولديه "أنماريهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم" حيث نجد أن الحكم إنما ينتقل إلى ملك آخر من همدان هو "يريم أمين، ونقرأ في نقشي "جلازر ١٣٥٩، ١٣٦٠" أن "يريم أيمن" إنما يقدم ولاءه للإله "تالب ريام"، على توفيقه في المهمة التي كلف بها من قبل "كرب إيل وتار يهنعم"، في التوفيق بين ملوك سبأ وذى ريان وحضرموت وقتبان، وذلك بعد الحروب التي استعر أوارها بينهم، مما يدل على أن حربًا ضروسًا قد قامت في العربية الجنوبية في هذه الفترة، وأن "يريم أيمن" قد كتب له نجحًا بعيد المدى في إطفاء نيران هذه الحرب، وهو لا يعدو أن يكون "قيلا" من الأقيال، ومن ثم فقد نال حظوة لدى العامة، وهيبة لدى الحكومات، مما مهد الطريق أمامه لينازع ملك سبأ عرشه، بعد حين من الدهر٢. ونقرأ في نقش دونه أحد أقيال قبيلة "سمعي" عرف بـ "Wien ٦٦٩" ويتصل بنذر للإله "تالب ريام" يطلب فيه- بجانب البركة لقومه وسلامة حصن ريمان- أن يبارك في "يرم أيمن" و"كرب إيل وتار" ملكي سبأ، وأن يهلك أعداءهما، وأن ينزل سخطه على من يريد بهما شرًّا٣.
ويرى "فون فيسمان" أن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ "أنمار يهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم"، وأن الأخيرين كانا معاصرين لـ "شمر يهرعش" الأول من ملوك
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤١٦-٤١٧، وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.٨٩ ٢ جواد علي ٢/ ٣٥٨-٣٥٩، وكذا J. Halevy، Revue Semitique، Iv، ١٨٩٧، P.٧٦ وكذا Chi، ٣١٥، Iv، I، P.٣٤٦ ٣ جواد علي ٢/ ٣٦٠، وكذا Rep، Epig، ٤١٩٠، Vii، I، P.١٣١ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٧، ١-٢، P.٢٨٢
[ ٢٦٧ ]
حمير أصحاب ظفار، كما يرى أن "كرب إيل وتار يهنعم" معاصرًا "لكرب إيل بين" ملك سبأ الشرعي في مأرب، وأن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ"مرثد يهقبض" من "جرت ومرثد" الذي ذكر بعد "نبط يهنعم" آخر ملوك قتبان، ولـ "يدع إيل بين" ملك حضرموت، وأخيرًا فإنه يرى أن حكم "يرم أمين" إنما كان في الفترة "١٣٠-١٤٠م"١.
وأيًّا ما كان الأمر فلسنا ندري على وجه التحقيق، متى أعلن يرم أيمن نفسه ملكًا على سبأ؟ وربما كان ذلك في عهد "كرب إيل وتار يهنعم" وأنه استمر يحمل اللقب حتى وفاته، فخلفه ولده "علهان نفهان" الذي عاصر، كرب إيل وتار يهنعم وابنه "فرعب ينهب٢، هذا ويفرق "نشوان الحميري" بين "علهان" و"يهفان" ويرى أنهما أخوان ولدا "ذى بتع بن يحصب الصوار"٣.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في فترة حكم "علهان نهفان" هذا، فبينما ذهب "فلبي" إلى أنها كانت حوالي عام ١٣٥ق. م٤، يذهب "ألبرت جام" إلى أنها كانت في الفترة "٨٥-٦٥ق. م"٥، هذا إلى أن آخرين يرون أنها كانت في النصف الأول من القرن الأول ق. م٦، بل إن "وليم أولبرايت" إنما يحددها بعام ٦٠ق. م٧، وأخيرًا فإن "فون فيسمان" يذهب بعيدًا عن الآخرين، فيرى أنها كانت في حوالي عام ١٦٠م٨، والأمر كذلك إلى "أدولف جرومان" الذي جعل حكم ابنه "شعر أوتر" في حوالي عام ٥٠ أو ٦٠م، وهذا يعني أن "علهان" إنما كان يحكم في القرن الأول الميلادي٩.
_________________
(١) ١ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٨ ٢ جواد علي ٢/ ٣٦١-٣٦١، وكذا LE MUSEON، ١٩٦٧، ١-٢، P.٢٨١ ٣ نشوان بن سعيد الحميري: ملوك حمير وأقيال اليمن - القاهرة ١٣٧٨هـ ص٥٦-٥٧ منتخبات ص٧٥. ٤ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.١٤٢ ٥ A. JAMME، OP. CIT.، P.٣٩٠ ٦ H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.١١٣ ٧ BASOR، ١١٩، ١٩٥٠، P.٩ ٨ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٨ ٩ A. GROHMANN، OP. CIT.، P.٢٨
[ ٢٦٨ ]
وأيًّا ما كان الأمر، فإن "علهان" قد نجح في أن ينتحل لقب "ملك سبأ"، وإن كانت النصوص التي تشير إلى ذلك لا ندري شيئًا عن تأريخها، كما أننا لا ندري متى أشرك "علهان" ولده "شعر أوتر" معه في الحكم، فهناك من النصوص ما يشير إلى أن الرجلين قد حملا لقب "ملك سبأ"، وربما كانت القلاقل التي كانت تمر بها البلاد، والخصومات التي كانت تسود العلاقات بين حكام سبأ وحضرموت وحمير والحبشة، هي السبب في ذلك١.
وعلى أي حال، فلقد نجح "علهان" في أن يضم إلى جانبه "يدع أب غيلان" ملك حضرموت، ومن ثم فقد وجه جهده ضد الحميريين حتى انتصر عليهم في "ذات العرم"٢، ثم اتجه بعد وفاة "يدع أب غيلان" إلى عقد معاهدة مع "جدرة" ملك الحبشة، والذي كان فيما يرى فون فيسمان -يسيطر على ساحل البحر الأحمر الشرقي من ينبع حتى عسير، فضلا عن باب المندب٣.
وانفرد "شعر أوتر" بالحكم، وهناك ما يشير إلى أنه حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وإن كانت بعثة "وندل فيلبس" قد عثرت على كتابة ترجع إلى أوائل عهده، نشرها الدكتور خليل يحيى نامي، بدأت بجملة "شعر أوتر ملك سبأ بن علهان نهفان ملك سبأ"، وفيها إشارة إلى حرب ربما امتدت إلى أرض حمير، وقد انتصر فيها، ومع ذلك كله فإن نص "جلازر ١٣٧١" يشير إلى أن كلا من "علهان نهفان" وولده "شعر أوتر" قد حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، مما يدل على أن اللقب قد ظهر على أيام "علهان"، وليس على أيام ابنه "شعر أوتر"٤.
ونقرأ في نص "Ch ٣٣٤" إشارات عن حرب شنها "شعر أوتر" ضد ملك
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٣٦٥، وكذا انظر: REP، EPIG، ٤٢١٦ وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٢٩٠ ٢ جواد علي ٢/ ٣٦٦-٣٦٧ وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.١١٣ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٦٦-٦٨ ٣ جواد علي ٢/ ٣٦٨، وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٧٠-٧١ ٤ جواد علي ٢/ ٣٧٠، وانظر: مجلة الآداب- جامعة القاهرة -المجلد ٢٢، العدد الثاني- القاهرة ١٩٦٥ ص٥٣، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٢٩٥ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٧، ١-٢، P.٢٧١
[ ٢٦٩ ]
حضرموت وانتصر فيها١، ويرى الدكتور جواد علي أن "شعر أوتر" قد وجه جيشًا من السبئيين والحميريين، ومن قبائل أخرى إلى حضرموت للقضاء عليها، وقد نجح في أن ينزل خسائر فادحة بقوات "العز" ملك حضرموت بعد معركة مريرة دارت رحاها في "ذات غيل"، وحين أعاد الملك الحضرمي الكرة أصيب بهزيمة أخرى، وهنا قام الردمانيون بهجوء مفاجئ على قوات "شعر أوتر" ولكنهم لم يفلحوا في إيقاع الهزيمة بها٢.
ونعرف من نصي "جام ٦٣٦، ٦٣٧" أن "شعر أوتر" قد انتصر على الحضارمة واستولى على عاصمتهم "شبوه"، ومن ثم فقد قدم لمعبد" أوام" تمثالا، تعبيرًا عن شكره له، واعترافًا بفضلهن هذا ونعرف كذلك من نص "جام ٦٣٢" أن جيش "شعر أوتر" قد استولى على "شبوه"- وكذا على "قنا" ميناء حضرموت الرئيسي- بل إن هناك ما يشير إلى أن الهجوم على حضرموت قد تم عن طريق البر والبحر معًا، وأن مدينة "قنا" إنما هوجمت عن طريق البحر٣.
ونقرأ في نص "Geukens" أن الردمانيين -كما أشرنا آنفًا- قد اهتبلوا فرصة انشغال "شعر أوتر" بمحاربة الحضارمة وانقضوا عليه من المؤخرة، وأنهم، وإن لم ينجحوا في إيقاع الهزيمة به، فقد كبدوه خسائر ليست بالقليلة، وفي نفس الوقت أغار الأحباش -وربما باتفاق مع بني ردمان- على جيش شعر أوتر كذلك، فضلا عن الإغارة على أرضين تابعة له، وألحقوا بهما أضرارًا بالغة٤، وطبقًا لما جاء في نقش "جام ٦٣١" فإن "شعر أوتر" قد أوكل إلى قائده "قطبان أوكان" أمر الانتقام من الأحباش، ومن ثم فإن هذا القائد سرعان ما توجه إلى "بني ردمان" وأنزل بهم من العقاب ما يستحقون، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من خيانة للملك "شعر أوتر"، ثم اتجه بعد ذلك إلى الأحباش، وبمساعدة من قوات سبئية جاءت تعينه على مهمته هذه، نجح في حصارهم، ثم في مهاجمتهم على غرة، ثم أعمل السيف فيهم،
_________________
(١) ١ H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.١١٣ ٢ جواد علي ٢/ ٣٧٣، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٣٠٠ ٣ A. JAMME، OP. CIT.، P.١٣٤، ١٣٩، ٢٢٦ ٤ جواد علي ٢/ ٣٧٦، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٣٠١ وكذا G. RYCKMANS، INSCRIPTIONS SUD-ARABES، IN LE MUSEON، XII، ١٩٤٢، P.٢٩٧-٣٠٨
[ ٢٧٠ ]
حتى اضطرهم آخر الأمر إلى أن يتركوا منطقة ظفار، وأن يتجهوا إلى المعاهر "معهرتن"، ثم سجل ذلك كله شكرًا للموقاة، داعيًا إياه أن يحفظ سيده "لحيعثت يرخم" ملك سبأ وذي ريدان وأن يمد في عمره، وأن يقهر أعداءه، وأن يبارك له ولأهله١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أمور عدة في هذا النص، منها "أولًا" أن الملك إنما أمر قائده أن يسير على رأس قوة إلى أرض الحبشة هنا؟ يحارب فيها "جدرة" ملك الحبشة وأكسوم، فماذا يعني النص بأرض الحبشة هنا؟ أهي الأرض الإفريقية المعروفة؟ أم موضعًا في العربية الجنوبية؟ إن الدكتور جواد علي يرى أنها أرض الحبشة في إفريقيا، وذلك لأن "جدرة" لم يكن يقيم في بلاد العرب، وإنما في إفريقيا، هذا فضلا عن أن الأحباش الذين كانوا في بلاد العرب إنما كانوا تحت قيادة "بيجث" ولد النجاشي، وليس النجاشي نفسه، ثم يفترض بعد ذلك أن "قطبان أوكان"، ربما أبحر من "الحديدة" إلى السواحل الإفريقية، وباغت القوم هناك بغزو غير متوقع، ثم جمع ما استطاع الاستيلاء عليه، وعاد سريعا ليشترك في المعارك التي دارت رحاها ضد "بيجت" ومن معه من قوات٢، وفي الواقع أن هذا الرأي قد يبدو مقبولا في ظاهره، إلا أن التكتيك العسكري قد يرفضه، ذلك لأنه من الخطورة بمكان أن يجازف جيش "شعر أوتر" بهذه المغامرة غير المأمونة العواقب، في وقت تدق الحرب طبولها في اليمن نفسها، ثم كيف أمكن تحديد الإبحار من "الحديدة" بالذات، وأخيرًا فإننا لا نملك دليلا تاريخيًّا يؤكد زعم الدكتور جواد علي هذا، بخاصة وأن هناك من يشك في أن "جدارة" كان ملكًا أفريقية، بل ربما كان زعيما لفرقة من الأحباش كانت تقيم في بلاد العرب نفسها٣.
ومنها "ثانيًا" أن "فون فيسمان"٤ قد استدل من عدم ذكر اسم الملك "شعر أوتر" في نهاية النص، فضلا عن وجود اسم لحيعثت يرخم "كملك لسبأ وذى
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٣٧٠-٣٧٧، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.١٣٢ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٧٥ ٢ جواد علي ٢/ ٣٧٨. ٣ عبد المجيد عابدين: بين الحبشة والعرب ص٢٤، "القاهرة ١٩٤٧". ٤ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٧٥
[ ٢٧١ ]
ريدان" على أن "شعر أوتر" قد مات في أثناء تدوين النص، وأن "لحيعثت يرخم" قد خلفه على العرش.
ومنها "ثالثًا" أن النص لم يقل لنا شيئًا عن مصير "بيجت" ابن ملك الحبشة وأكسوم، بعد هزيمته في ظفار وفي أرض معافر، فربما بقي في أرض المعاهر، وأن الجيش السبئي لم يكتب له نجحا في تطهير هذه الأرض من الأحباش، ومن ثم فقد بقوا فيها بعد انتهاء المعارك، بل إن نقش "جام٦٣٥" ليحدثنا عن معارك دارت رحى الحرب فيها خلف "مدينة نجران" بين جيش "شعر أوتر" والأحباش، وربما كان في ذلك إشارة إلى أن "نجران" إنما كانت في أيدي الأحباش في تلك الأونة١.
هذا ويشير نفس النقش "جام٦٣٥" إلى أن "شعر أوتر" قد كلف "أبا كرب أحرس" بقياة جيش من "خولان حضل" وبعض أهل نجران وبعض الأعراب، لمحاربة المنشقين من بني يونم "بني يوان" ومن أهل قريتم "قرية لبني كهل" وأن الرجل قد نجح في مهمته إلى حد كبير، ويرى بعض العلماء أن "بني يونم" إنما هم قوم من اليونان استوطنوا بلاد العرب، وقد جاء ذكرهم في نص "جلازر ٩٦٧" وأنهم كانوا يحالفون "قرية" بني كهل هذه، ومن ثم فقد هبوا لمساعدتهم ضد "شعر أوتر"٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فليس من شك في أن "شعر أوتر" قد نجح في السيطرة على غالبية الحكومات والأقيال في العربية الجنوبية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في العربية الغربية، والتي تطل على سواحل البحر الأحمر، حيث كان الأحباش أصحاب النفوذ فيها٣، وأما فترة حكمه، فقد كانت- فيما يرى "ألبرت جام"- في الفترة "٦٥-٥٥ق. م"، كما كان شقيقه "حيوعثتر يضع" في الفترة "٥٥-٥٠ق. م" ثم يبدأ السلطان ينتقل من أسرة "يرم أيمن" إلى أسرة "فرعم ينهب"، والتي بدأت
_________________
(١) ١ جوادعلي ٢/ ٣٧٨-٣٨٠، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.١٣٥-٦، ٣٠٣-٣٠٤ وكذا A. SPRENGER. OP. CIT.، P.٦٣ ٢ جواد علي ٢/ ٣٨١، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.١٣٨ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٣٧٤ وكذا A. JAMME، SOUTH ARABIAN INSCRIPTIONS، PRINCETON، ١٩٥٥، P.٥٠٣ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٧٥
[ ٢٧٢ ]
حكمها في مجاورات "صنعاء"، ثم سرعان ما أصبحت صاحبة سبأ وذي ريدان١.
وليس من شك في أن النص "Cih ٣٩٨" من النصوص الهامة في تاريخ سبأ، ذلك لأنه يتحدث عن "شعر أوتر" كملك لسبأ وذي ريدان، وفي الوقت نفسه يتحدث عن "الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، بصفتهما ملكي سبأ وذي ريدان، وهذا يعني ببساطة أن الملوك الثلاثة، إنما كانوا يحملون في آن واحد لقب "ملك سبأ وذي ريدان"٢.
وقد أثار هذا النص جدلا طويلا بين العلماء، فذهبت آراؤهم فيه مذاهب شتى، وكذا في معاصرة "علهان نهفان" لـ "فرعم ينهب"، فضلا عن حكم "شعر أوتر"و"لشرح يحصب" وشقيقه، وبدهي ألا يكون مقبولا أن تكون "مأرب" عاصمة لـ "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وشقيقه في نفس الوقت، وأن يكون الثلاثة قد حكموا حكمًا مشتركًا، رغم ما بين أسرتيهما من تنافس قديم، فضلا عن أن يحمل الجميع لقب "ملك سبأ وذي ريدان" برضى من الثلاثة.
وقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن النص لا يشير إلى أن الثلاثة قد حكموا في آن واحد، إنما يشير إلى أن "الشرح يحصب" وأخاه، قد حكما بعد "شعر أوتر"، وهنا فالأمر لا غرابة فيه، وذهب فريق ثان إلى أن حكم الأخوين إنما كان مستقلا عن "شعر أوتر"، وأنهما كانا يعتبران نفسيهما خلفين شرعيين لأبيهما "فرعم ينهب"، وذهب فريق ثالث إلى أن "فرعم ينهب" قد اتخذ من منطقة تقع إلى الغرب من "مأرب" مركزًا لنفوذه، وأن ولديه قد خلفاه عليها، وحين سنحت الفرصة لهما اتخذا لقب، "ملك سبأ وذي ريدان" بعد اختفاء "شعر أوتر" وأخيه "حيو عثتر يضع" -الذي شاركه في حمل اللقب- من مسرح الأحداث، وإن كان ملكهما إنما كان مقصورًا على جزء من المملكة٣.
_________________
(١) ١ A. JAMME، SABAEAN INSCRIPTIONS FROM MAHRAN BILQUIS، P.٣٩٠ ٢ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.٩٥ ٣ جواد علي ٢/ ٣٨٣-٣٨٤، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٣٠٥ وكذا J. RYCKMANS، OP. CIT.، P.٢٩٧ وكذا A.F.L. BEESTON، PROBLEMS OF SABAEAN CHRONOLOGY، IN BASOR، ١٦، ١٩٥٤، P.٥٣
[ ٢٧٣ ]
على أن هذه الألقاب الملكية التي كان يحملها "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، فضلا عن "لعززم يهنف يصدق"، والذي رأى فيه بعض الباحثين ملك "ظفار" ومجاوراتها، هذا إلى جانب ملك خامس يدعى، "لحيعثت يرخم"، كل ذلك يدل على أن واحدًا لم يستطع أن يحمل اللقب بمفرده، وأن هناك آخرين ينازعونه سلطانه، وربما استطاعوا آخر الأمر انتزاع العرش نهائيًّا، كما فعل "الشرح يحصب" وأخوه١.
أضف إلى ذلك أن النصوص من تلك الفترة، إنما تدل على أن البلاد كانت تمر بفترة اضطراب وقلق، وأن الحرب ما تكاد تضعب أوزراها في مكان، حتى تدق طبولها في مكان آخر، ثم تشتعل نيرانها في مكان ثالث، وفي أغلب الأحايين كانت سجالا بين المتحاربين، وأن المغلوب منهم، سرعان ما يعود بعد حين، فيقف على قدميه ويحمل سيفه من جديد، على أن الخاسر الوحيد فيها دائمًا، إنما كان هو الشعب، يدفع ثمنها من دمه وماله، حيث تساق العامة منه إلى ميدان القتال فتسمع وتطيع، وإلا صب عليها من العذاب ألوانًا، أشد قسوة من أهوال الحروب، وفي كل ذلك لا هدف يرجي إلا إشباع شهوات الحكام، وإرضاء رغباتهم في تحقيق أمجاد شخصية، سرعان ما تزول بعد رحيلهم عن هذه الدنيا، وربما في أحايين كثيرة قبل أن يرحلوا إلى عالم الآخرة.
وإلى هذه الفترة العصيبة من تاريخ اليمن، ترجع -فيما يرى كثير من الباحثين- حملة الرومان على العربية الجنوبية، فإذا كان ذلك كذلك، فإن ملوك سبأ وذي ريدان ما كانوا بقادرين على صدها، فالفرقة من ناحية، وضعف الإمكانيات من ناحية أخرى إنما يقفان حجر عثرة في سبيل ذلك.
ويحدثنا التاريخ أن الرومان بعد أن استولوا على أرض الكنانة، بعون من الأنباط، استطاع به "يوليوس قيصر" أن يقبض على ناصية الأمور في الإسكندرية عام ٤٧ق. م٢، بدأ الرومان في نفس الشيء بالنسبة إلى بلاد العرب، وهكذا كان مشروع حملة "إليوس جالليوس" عام ٢٤ق. م، للاستيلاء على اليمن، لكثرة
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٣٨٧-٣٨٨. وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.١٣٤، ٣٠٦ ٢ جواد علي ٢/ ٤٠، وكذا DIE ARABER، I، P.٣٦٠ وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.٥٤١ وكذا MURRY، THE ROCK CITY PETRA P.١٠١
[ ٢٧٤ ]
خيراتها، ولاحتكارها طرق النقل التجاري بين العالم، ولجعل البحر الأحمر، بحرًا رومانيًّا، وللقضاء على المنافسة العربية الخطيرة، والتي كان الملاحون الروم يعملون لها ألف حساب عند اجتيازهم باب المندب، أو عندما ترسو سفنهم على بعض المواني في تلك المناطق١. ولو تم المشروع على نحو ما حلم به "أغسطس" "٣١ق. م-١٤م" لكان حكم روما قد بلغ العربية الجنوبية، وربما سواحل أفريقية كذلك، إلا أن سوء تقدير الرومان له، واستهانتهم بطبيعة بلاد العرب وعدم إدخالهم في حسابهم قساوة الطبيعة هناك، وعدم تمكن الجيوش الرومانية النظامية من المجابهة فيها، وتحمل العطش والحرارة الشديدة، كل هذه الأمور أدت إلى خيبة المشروع منذ اللحظة الأولى، فكانت انتكاسة شديدة في هيبة روما، وفي مشاريعها التي أرادت تنفيذها في شبه الجزيرة العربية٢.
على أن "سترابو" مؤرخ الحملة، إنما يرجع فشلها إلى خيانة "صالح" -الوزير النبطي الذي صاحب الحملة كدليل لها-، بأن أقنع قائدها بتعذر الوصول إلى اليمن برًّا، لعدم وجود عدد كاف من الجمال، مما عرض الحملة لمخاطر جسيمة عند عبورها البحر الأحمر، فضلا عن عدم طرق برية لمرور الجيش الروماني، وكان صالح -فيما يرى سترابو- يهدف من ذلك إلى إضعاف الروم وإذلالهم، فضلا عن إضعاف القبائل العربية نفسها، ليكون سيد الموقف يتصرف فيه كيف يشاء ومتى شاء٣، وهكذا عمل صالح "سيلئيوس" إلى السير بالحملة في طريق مقفر، وفي أرضين لا زرع فيها ولا ماء، مما أدى في نهاية الأمر إلى فشل الحملة، وإلى أن يحكم الروم على صالح بالإعدام٤.
وأيًّا ما كانت الأسباب في فشل الحملة، التي تعد أول -بل وآخر- غارة ذات بالٍ، قصدت بها دولة أوربية اكتساح داخل الجزيرة العربية، فإن
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤٣، وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.٧٤-٥ وكذا PLINY، II، P.٤١٥، ٦، ١٠١ ٢ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٤١، جواد علي ٢/ ٤٣-٤٤. ٣ جواد علي ٢/ ٤٥، وكذا J. PIRENNE، OP. CIT.، P.٩٣F وكذا STRABO، XVI، IV، ٢٣-٢٤ ٤ ERE، ٩ P.١٢١. وكذا EI، ٣، P.٨٠١ وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.٧٥
[ ٢٧٥ ]
الحملة استطاعت أن تحدث بعض الخراب والدمار في نجران ونشق وكمناء ومأرب ولوق، وربما حريب، وهي أبعد مدينة وصلتها الحملة١.
ومن الغريب أن المصادر العربية الجنوبية، قد التزمت الصمت التام إزاء هذه الحملة، وقد تساءل "إدوارد جلازر" عن سبب سكوت هذه المصادر عن حملة لا بد وأنها قد تركت أثرًا بعيد المدى في نفوس السبئيين -بل وفي غيرهم من قبائل اليمن والحجاز -ثم رأى بعد ذلك أن نص "هاليفي ٥٣٥" إنما يتحدث عن حرب دارت رحاها بين "ذ شمت" و"ديمنت"، وربما كان المراد بالأولين الرومان، وبالآخرين السبئيين، ومن ثم فإن النص إنما يتحدث عن حملت "إليوس جالليوس" هذه، على أن الدكتور جواد علي إنما يستبعد هذا الرأي، ويرى أن سر الحملة ربما كان لا يزال تحت التراب، وإن كانت الحفريات قد فشلت حتى الآن في العصور على شيء يتصل بها، كما فشل هاليفي وفلبي في العصور على شيء يميط اللثام عنها٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن الروم بعد أن فشلت حملتهم هذه، بدءوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية، فتخلوا نهائيًّا عن السيطرة العسكرية، وإن اتجهوا في الوقت نفسه نحو تقوية أسطولهم في البحر الأحمر، ويقول سترابو أنهم كانوا يرسلون سنويًّا ما لا يقل عن ١٢٠ سفينة إلى الهند، وهو عدد لم يتعودوا إرساله فيما مضى، كما عثر في الهند على نقود رومانية، أضف على ذلك أن وجود معبد لأغسطس في "موزيريس" بساحل "مالابار" يدل على أن عددًا غير قليل من التجار اليونان والرومان كان يقيم هناك٣.
هذا وقد عمل الروم في نفس الوقت على تقوية علاقاتهم بالعربية الجنوبية، فاحتلوا ميناء عدن إبان حكم "كلاوديوس" "٤١-٥٤م"، أو قبله، وهكذا كان
_________________
(١) ١ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٣٠٠-٣٠١ وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.٣١-٤ وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.٧٨. وكذا J. PIRENNE، OP. CIT.، P.١١٢ ٢ جواد علي ٢/ ٥٨، وكذا J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.٣٢ وكذا E. GLASER، OP. CIT.، P.٦٥ ٣ فضلو حوراني: المرجع السابق ص٧٥.
[ ٢٧٦ ]
التحالف مع أمير ظفار، مقرونًا بوجود حامية رومانية في "عدن"، أمرًا لا شك في أنه كان ضمانًا كافيًا لسلوك العرب الجنوبيين مسلكًا طيبًا، يضمن للروم نفوذًا تجاريًّا في عدن١. وإن كان الرومان -دون شك- لم يحتلوا جنوب شبه الجزيرة العربية في يوم من الأيام٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن عهد ملوك سبأ وذي ريدان، إنما يبدأ حقيقة إبان النزاع بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين "شعر أوتر" من ناحية أخرى، وليس من شك في أن المصادر الإسلامية إنما تحدثت عن "الشرح يحصب" أكثر من غيره من ملوك تلك الفترة، أو التي سبقتها، فصاحب الإكليل يسميه "إلى شرح يحصب" وينسب إليه بناء قصر غمدان، وأن "بقليس" ابنته، فضلا عما ينسبه إليه من شعر مزعوم كالعادة٣، وأما "ياقوت الحموي"، فيدعوه "ليشرح بن يحصب"، كما ينسب إليه كذلك -نقلا عن ابن الكلبي- بناء قصر غمدان٤، ولم يفت "ابن جرير" أن ينسب إليه بلقيس، وإن كان "حمزة الأصفهاني" قد جعلها حفيدته؛ لأنها فيما يزعم- "بنت هداد بن شراحيل"٥، والذي يعني به "الشرح يحصب".
ولا ريب في أن القول بأن "الشرح يحصب"، كان أبًا لبلقيس التي عاصرت سليمان، أمر غير مقبول، فالأخير قد عاش في القرن العاشر ق. م، وأن الشرح يحصب -طبقًا لأعلى التقديرات- إنما كان في القرن الثاني ق. م، وإن تأخر البعض به إلى القرن الرابع الميلادي، هذا فضلا عن أن القرن العاشر قبل الميلاد، إنما هو تاريخ متقدم جدًّا -في نظر بعض الباحثين- لقيام دولة سبأ نفسها، حتى على أيام المكاربة، وليس الملوك، فضلا عن أن يكون ذلك على عهد "ملوك سبأ وذي ريدان" الذي ينتمي إليهم "الشرح يحصب".
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص٧٩-٨٠. ٢ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٤٢، وكذا JACQUELINE PIRENNE، LA GRECE، ET SABA، PARIS، ١٩٥٥ وانظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" ص٤١٦-٤٢٠. ٣ الإكليل ٢/ ٨٦، ٨/ ١٩، ٢٤. ٤ ياقوت ٤/ ٢١٠، وانظر: ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٦٨. ٥ حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص٨٣، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٧٤، تاريخ الطبري ١/ ٤٨٩، قارن: ياقوت ٤/ ٢١٠.
[ ٢٧٧ ]
ويبدو أن الشرح كان محاربًا، اشترك في كثير من المعارك، ونقرأ في نقش "جلازر ١١٩" أنه غزا حمير وحضرموت وعاد بالكثير من الغنائم والأسرى، وهو ما يزال في درجة "كبير"،١ ويبدو أن الحميريين كانوا في تلك الفترة قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وأنهم كانوا لا يهتمون كثيرًا في أن يحاربوا في جانب هذا الفريق أو ذاك، وأما حضرموت فكانت تقف في جانب "شعر أوتر" ضد "الشرح يحصب"، ونقرأ في نقوش "جام ٥٧٤، ٥٧٥، ٥٩٠، ٥٩٥" عن حرب نشبت في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين الأحباش من ناحية أخرى، وأن الشرح يحصب وأخاه، قد انتصرا على الأحباش في "وادي سهام" و"وادي سردد" -على مبعدة ٤٠ كيلو مترًا إلى الشمال من الحديدة -وفي غير ذلك من المناطق التي كان يوجد فيها أحباش٢.
وتشير نقوش "جام ٥٧٨، ٥٨٠، ٥٨١، ٥٨٩" إلى حرب دارت رحاها بين "الشرح يحصب" وأخيه، وبين "كرب إيل ذي ريدان" وحلفائه في أرض "حرمة" وفي "عروش" أو بلاد العروش -وتقع على مبعدة ٩٥ كيلوا مترًا إلى الجنوب الغربي من مأرب -وكذا في موقع يحمل نفس الاسم في منتصف المسافة بين صرواح وذمار، وغير ذلك من الأماكن، ونقرأ في نقش "جام ٥٨٦" أن الشرح يحصب قد سحق عصيانًا قامت به حمير، وأنزل بها خسائر فادحة، والأمر كذلك بالنسبة إلى قوات "كرب إيل"، ويسجل نقش "جام ٥٧٦" انتصار الشرح يحصب على ملك كندة وحلفائه من إمارة "خصصتن"، وكذا على قوات حبشية، وعلى عشائر
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤٢٣، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٣١٠ وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT. P.١٨ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥٩ ٢ جواد علي ٢/ ٤٢٤-٤٢٧، وكذا HANDBUCH، I، P.٩٢ وكذا D.S. MARGOLIOUTH، TWO SOUTH ARABIAN INSCRIPTIONS، P.١ وكذا J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.٩٤ وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.٦٠، ٦٤، ٣١٠-٣١١، ٣١٦ وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.٣٨ وكذا عبد المجيد عابدين: المرجع السابق ص٢٤-٢٦.
[ ٢٧٨ ]
حمير بقيادة "شمر ذي ريدان"١.
ويفهم من نص "Cih ٣١٤" أن "شمر ذي ريدان" من حمير -وكانت عاصمته ظفار -قد نازع الشرح يحصب عرشه، وأنه استعان في ذلك بالأحباش، إلا أنه لم يحقق نجاحًا فيما أراده٢، هذا ويشير الدكتور جواد علي إلى أن في النص إشارات إلى تدخل الحبشة في شئون العربية الجنوبية وقت ذاك، وإلى وجودهم في مواضع من الساحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها، تتمون من الساحل الإفريقي المقابل، وربما كان الروم على اتفاق مع الأحباش، يوم أرسلوا حملة "إليوس جالليوس" على اليمن عام ٢٤ق. م، وربما اشترطوا أن يسهل الأحباش مهمة الحملة في العربية الجنوبية، وأن يقدموا لها المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك على الروم أن يضمنوا مصالح الحبشة في العربية الجنوبية٣.
ويبدو من النصوص أن الأحباش إنما كانوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية طبقًا للظروف، فهم مرة مع الحميريين، وتارة عليهم، وهم مرة ثالثة في حلف مع "شعر أوتر"، ومرة رابعة ضده، وهم في مرة خامسة على علاقة طيبة مع "الشرح يحصب"، ثم مرة سادسة من ألد أعدائه، وهكذا كانت سياستهم قلقة غير مستقرة، بسبب الاضطرابات التي كانت تسود العربية الجنوبية، ولكنها في كل الأحوال، إنما كانت تخضع لمصالح الأحباش أولًا وأخيرًا، وتهدف إلى بسط سلطانهم على العربية الجنوبية، وتوطيد هذا السلطان٤.
هذا، وهناك من يذهب إلى أن "شمر ذي ريدان"، الذي طالما خاض غمار الحرب ضد الشرح يحصب وأخيه، إنما هو الملك "شمر يهرعش"، وهذا يعني
_________________
(١) ١ A. JAMME، OP. CIT.، P.٨٣، ٩٣، ٩٦، ٣١٧-٣١٩ وكذا W. CASKEL، ENTDECKUNGEN IN ARABIEN، KOLN، ١٩٥٤، P.٩ ٢ جواد علي ٢/ ٤٢٩-٤٣٣ وكذا H. VON WISSMANN AND M. Hofner، Op. Cit.، P.٣٨ وكذا Basor، ١٤٥، ١٩٥٧، P.٢٨-٢٩. وكذا Le Museon، ١٩٤٨، ٣-٤، P.٢٣٢ وكذا E. Glaser، Op. Cit. P.١١٧ ٣ جواد علي ٢/ ٤٣٩-٤٤١. ٤ جواد علي ٢/ ٤٤١.
[ ٢٧٩ ]
أنه عاش في القرن الرابع الميلادي، ومن ثم فإنهم يتأخرون بتاريخه حوالي ٢٥٠ عامًا١، بينما يذهب فريق آخر إلى أنه إنما كان معاصرًا لامرئ القيس، صاحب نقش النمارة، وأن "مراقس" المذكور في نقش "ريكمانز ٥٣٥" هو "امرؤ القيس"٢، إلا أن غالبية الباحثين تعارض هذا الاتجاه.
وعلى أي حال، فإن "ألبرت جام" يرى أن "الشرح يحصب" وأخاه "يأزل بين" قد حكما حكمًا مشتركا في الفترة "٥٠-٣٠ق. م"، ثم حكم "الشرح يحصب" بمفرده حتى حوالي عام ٢٠ق. م٣، أو بعد ذلك بقليل، إلا أن غالبية الباحثين تذهب إلى أنه كان قبل ذلك، حتى أن "جون فلبي" يذهب إلى أن حكمه إنما كان في الفترة "١٢٥-١٠٥ق. م"٤.
وقد اختلف العلماء في خليفة "الشرح يحصب"، فذهب فريق إلى أنه شقيقه "يأزل بين"، ثم ولده "نشأ كرب يهأمن يهرجب"، وذهب فريق آخر إلى أنه "وتريهأمن" ولد "الشرح يحصب" وأنه كان في الفترة "٥ق. م-١٠م"، بل إن هناك من يقدم "وتريهأمن" على أخيه "نشأكرب يهأمن يهرجب"٥، وأخيرًا فهناك من يرى أن الشرح يحصب قد تبنى القيلين الجريئين "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، وقد أصبح هذان القيلان من ملوك سبأ وذي ريدان، نتيجة لهذا التبني السياسي الذي جعلهما ينسبان نفسيهما بعبارة "سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا ذي ريدان، ابنا الشرح يحصب سبأ وذي ريدان"، وأن الرجلين قد آزرا "وتريهأمن" أخاهما بالتبني، إلا أن الأمور رغم ذلك كانت في أيدي الحميريين من بني "ذي ريدان"٦.
وعلى أي حال، فرغم ما تنسبه النقوش من انتصارات إلى "الشرح يحصب" ثم
_________________
(١) ١ Basor، ١٤٥، ١٩٥٧، P.٧٥ ٢ جواد على ٢/ ٤٤١-٤٤٢، وكذا Le Museon، ١٩٥٦، ٦٩، P.١٣٩ وكذا Basor، ١٤٥، ١٩٥٧، P.٢٥ ٣ A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٠ ٤ J.B. Philby، Op. Cit.، P.١٤٢ ٥ A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٠ وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.١٤٢ وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.٣٣٧ ٦ مظهر علي الإرياني: في تاريخ اليمن ص١٨-١٩، وانظر كذلك نفس المرجع: ص٢١٠٣٤.
[ ٢٨٠ ]
ابنه "نشأكرب" الذي نجح السبئيون على أيامه في الاستيلاء على ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير، ومن كل حيوان جارح، فإن الدولة السبئية انتهت فعلا على أيام "نشأكرب" هذا، بأيدي الحميريين١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في عهد "الشرح يحصب" لمع اسم "صنعاء" "صنعو"، فقد تردد اسمها في النصوص التي ترجع إلى ذلك العهد مثل نص "جام ٥٧٥"، وفي أيام الحروب التي دارت رحاها بين "الشرح يحصب" و"شمر ذي ريدان"، كما يشير إلى ذلك نقش "جام ٥٧٧" و"ريكمانز ٥٣٥"، هذا وتشير الكتابة "Cih ٤٢٩" إلى قصر غمدان "غندان" -بجانب قصر سلحين- كمقر للملوك، ولعل في هذا إشارة إلى أن الشرح يحصب إنما كان يقيم في كلا القصرين "أي في مأرب وصنعاء"، كما يشير كذلك إلى الهمداني وابن الكلبي، ربما كانا على صواب فيما ذهبا إليه من أن الشرح يحصب هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شعر أوتر" هو الذي بنى سور صنعاء، وإن كانت هناك رواية تذهب إلى أنه من أبناء سليمان، وعلى أي حال، فكل هذا يدل على أن قصر غمدان من القصور الملكية السبئية القديمة، وأن صنعاء بدأت تظهر بين مدن اليمن من تلك الفترة، وأن مكانتها قد زادت على مر الأيام، حتى صارت عاصمة اليمن ومقر الحكام حتى الآن٢.
وبدهي أن ذلك لا يتفق وروايات الإخباريين من أنها كانت تدعى "أزال"، وأن "وهرز" القائد الفارسي هو الذي أطلق عليها اسم "صنعاء"، حين قال إبان دخوله إياها "صنعة صنعة"، يريد أن الحبشة قد أحكمت صنعها، أو أن التسمية إنما كانت نسبة إلى بانيها "صنعاء بن أزال بن عبير بني عابر بن شالخ" على رواية، و"غُمدان بن سام بن نوح" على رواية أخرى، فكانت تعرف تارة بأزال، وتارة بصنعاء، بل إن بعض الإخباريين لم يقف عند هذا الحد، فزعم أنها واحدة من مدن النار الأربع "أنطاكية والطوانة وقسطنطينية وصنعاء" في مقابل مدن الجنة الأربع
_________________
(١) ١ سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص١٩٤. ٢ جواد علي ٢/ ٤٤٢، اللسان ٣/ ٣٢٧، ياقوت ٤/ ٢١٠، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٥٧ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٩ وكذا E. Glaser، Die Abessienier In Arabien Und Africa، ١٨٩٥، P.١٢١f
[ ٢٨١ ]
"مكة والمدينة وإيلياء ودمشق"١.
وعلى أية حال، فلقد جاء بعد فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق "ذمار علي بين"، ورغم أنه لم يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، فإن ابنه قد حمل اللقب العظيم، ومن ثم فهناك من يرى التريث في الحكم على أنه كان ملكًا، ويضعه ألبرت جام" في الفترة "٣٠-٤٥م"٢، ثم خلفه ولده "كرب إيل وتار يهنعم" الذي أشرك معه ابنه "هلك أمر" في الفترة الأولى من حكمه -والتي كانت في منتصف القرن الأول الميلادي٣- ثم ابنه الثاني "ذمار علي ذريح" الذي جاء اسمه في عدد من النصوص في الفترة الثانية، وقد حدد له "فلبي" الفترة "٧٥-٩٥م"٤.
وفي أيام "يهقم" بن "ذمار علي ذريح" كثرت الفتن والاضطرابات في البلاد، ونقرأ في نقش "جام ٦٤٤" أن الثوار من قبيلة شداد "شددم" قد هاجموا قصر سلحين نفسه واستولوا عليه، إلا أن الملك سرعان ما استعان بأمير قبيلة غيمان الذي كتب له النجح في القضاء على الثوار، وطردهم من قصر سلحين، بل ومطاردتهم حتى مأرب، إلا أنهم سرعان ما نظموا صفوفهم مرة أخرى، وتحصنوا في مواضع جديدة، مما اضطر الملك إلى أن يلجأ مرة ثانية إلى عشائر "غيمان" وأن يطلب منهم مهاجمة أرض شداد، وقد نجح أبناء "غيمان" في هزيمة الثوار عند "كومنان" واستولوا منهم على غنائم كثيرة من إبل وخيل ودواب٥.
وجاء بعد ذلك "كرب إيل بين" وتدل النصوص من عهده على أن العلاقة بينه وبين حضرموت لم تكن طيبة، وأن هناك حربًا دارت رحاها بين الفريقين انتهت بعقد صلح تعهد فيه ملك حضرموت بالمحافظة على حسن الجوار، وأن يكون إلى جانب ملك سبأ إذا ما حدث ما يستدعي ذلك، وأن يضع قوة من حراس "يعكران" "وهو ملك صغير من ملوك حضرموت" تحت تصرف ملك سبأ، إلا أن ملك حضرموت سرعان ما نكث بالعهد، بحجة أن ملك مأرب قد عمل ضد مصالحه، حين
_________________
(١) ١ ياقوت ٣/ ٤٢٦-٤٢٧، البكري ٣/ ٨٤٣. ٢ A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٠ ٣ R.L. Bowen And F. Albright، Archaeological Discoveries In South Arabia، P.٢٢ ٤ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٩٤. ٥ جواد علي ٢/ ٤٧٧، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.١٤٥
[ ٢٨٢ ]
أرسل بعض قواته إلى منطقة "هينان الحالية"، التي كان ملك حضرموت يريدها خالية من الجند -رغم أنها منطقة سبئية، وليست حضرمية- وربما كان يهدف من ذلك أن يجعلها غير قادرة على الدفاع، حتى يستطيع التدخل في شئونها، وتنفيذ مشروعاته التي كان يرمي من ورائها إلى الاستيلاء على القسم الجنوبي الشرقي من سبأ، مستغلا ضعف ملوك سبأ وقت ذاك لمصلحته١.
وهكذا منع ملك حضرموت قوات ملك مأرب من أن تعسكر في المدينة السبئية "حنان" بل واتجه إلى أرض "معين" ليهدد سبأ، وسرعان ما هاجم "يثل" "المدينة المعينية القديمة" واستولى عليها، ثم ضرب الحصار على مدينتي "نشق" و"نشان"، ولم يفك الحصار عنهما إلا بعد وصول القوات السبئية، وهنا رأى ملك سبأ وذي ريدان "كرب إيل بين" أن يهاجم خصمه بنفسه، ومن ثم فقد اتجه إلى "يثل"، كما أمر قواته المعسكرة عند نشق ونشان بالهجوم عليهما، وهكذا وجد ملك حضرموت "يدع إيل" نفسه، محاصرًا من ناحيتين بقوات سبأ، مما اضطره إلى الانسحاب من "يثل"، والاتجاه إلى "حنان"، ولكنه حاول نهب مقتنيات المعبد "محرم بلقيس فيما يرى "ألبرت جام" إلا أن القوات السبئية الزاحفة من نسق تمكنت من إنقاذ المعبد من النهب٢.
وفي تلك الأثناء وصلت قوات إضافية من مأرب، فواصل الملك السبئي زحفه إلى "حنان"، حيث دارت هناك معارك رهيبة بين الفريقين، كتب النصر فيها للسبئيين، ودفع ملك حضرموت ثمن هزيمته ألفين من جنوده لقوا مصرعهم في ميدان القتال، فضلا عما استولى عليه السبئيون من خيل وجمال وحمير، وكل حيوان جارح عند الحضارمة٣ -كما أشرنا آنفًا.
وتمر فترة لا يستطيع المؤرخون فيها ترتيب الملوك أو معرفة فترات حكمهم، فإذا ما رجعنا إلى "ريكمانز" على سبيل المثال، لوجدنا أنه قد ترك فراغًا بعد "هلك أمر" و"ذمار علي ذريح"، إشارة إلى فترة لا يدري من حكم فيها على وجه اليقين، ثم يذكر بعد ذلك "وتريهأمن"، ثم فراغًا، دون بعده اسم "شمدر يهنعم"،
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤٧٩-٤٨٠. ٢ جواد علي ٢/ ٤٨١، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٤٨ ٣ A. Jamme، Op. Cit.، P.١٤٤
[ ٢٨٣ ]
ثم فراغًا ثالثًا بعد اسم "الشر يحمل"، ثم فراغًا رابعًا، ثم اسم "عمدان بن يهقبض"، ثم فراغًا خامسًا يأتي بعده اسم "لعزنوفان يهصدق" ثم فراغًا سادسًا دون بعده "ياسر يهصدق"١، وإن كان "فلبي" يرى أن هذا الأخير جاء بعد "وتريهأمن" وربما كان والده، وأنه بدأ حكمه حوالي عام ٦٠ق. م٢.
وأيًّا ما كان الأمر، فلدينا من عهد "ياسر يهصدق" هذا، نص "Cih ٤١" وقد دونته جماعة من قبيلة، "مهانف" "مهانفم" من "ضافط" بقاع جهران، شمال ذمار، ويذهب "فون فيسمان" إلى أنه أول نص يصل إلينا لقب فيه واحد من ملوك "حمير" بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وهذا يعني أن ملوك حمير قد نافسوا ملوك سبأ، ثم نازعوهم عرشهم، بل وحملوا ألقابهم كذلك٣. ثم يذهب "فون فيسمان" بعد ذلك إلى أن الرجل قد حكم في الفترة "٧٥-٨٠م"، وأنه اتخذ من "ظفار" مقرًّا له، وأن خليفته إنما كان "الشرح"، وأنه حكم حوالي عام ٩٠،، وأن نص "Cih ١٤٠" إنما يرجع إلى أيامه٤، غير أن "جام" إنما يضع حكم "ياسر يهصدق" في الفترة "٢٠٠-٢٠٥م"٥.
ونقرأ في نص "Cih ٣٦٥" أن "ذمار علي يهبر" بن "ياسر يهصدق"٦ -والذي ربما كان هو صاحب الاسم الذي جاء على بعض النقود٧- قد شن حربا ضد الأسرة السبئية المالكة، استولى فيها على حصن "ذات المخاطر"، ولعل هذا هو الذي اعتمد عليه "فون فيسمان" في أن الحميريين قد استولوا على مأرب، ولمدة عشر سنين٨.
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤٨٢، وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.٣٣٨ ٢ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.١٤٢ ٣ جواد علي ٢/ ٢٨٣، وكذا KTB، II، P.٦٤ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٤٨ ٤ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٥، ٤٩٨ ٥ A. JAMME، OP. CIT.، P.٣٩٢ ٦ LE MUSEON، ١٩٤٨، LXI، ٣-٤، P.٢٣٢. وكذا O. WEBER، OP. CIT.، P.٣٦ ٧ جواد علي ٢/ ٤٤٨، وكذا D. NIELSEON، OP. CIT.، P.٩٤ ٨ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥٩، ٤٩٨
[ ٢٨٤ ]
وهناك عدد من النصوص جاء فيها اسم "ذمار علي يهبر" بجانب اسم أبيه، وأخرى جاء اسمه بجانب اسم ولده "ثاران يعب يهنعم"، ويفهم منها أنه أشركه معه في الحكم، كما يفهم منها كذلك أنه أعاد بناء سد ذمار١، وأما الكتابة المعروفة بـ "Rep Epig ٤٩٠٩"، فتتحدث عن وفد أرسله هذا الملك ليهنئ "العزيلط" ملك حضرموت باعتلائه العرش٢، وأن ذلك كان في حوالي عام ٢٠ق. م، على رأي٣، و٢٠٠م، على رأي آخر٤، بل إن "جام" إنما يحدد لحكم "ثاران يعب يهنعم" الفترة "٢٦٥-٢٧٥م"٥، بينما يرى "فون فيسمان" أنها في الفترة "٢٣٠-٢٤٠م"٦.
وجاء "ذمار علي يهبر" الثاني، بعد أبيه "ثاران يعب يهنعم"٧، ثم جاء "شمر يهرعش"، والذي لقبه "فون فيسمان" بالأول، تمييزًا له عن "شمر يهرعش" المشهور" والذي جاء بعده بفترة طويلة٨.
ويذهب "جون فلبي" إلى أن عرش سبأ وذي ريدان، إنما جلس عليه في الفترة "١١٥-٢٤٥م" ملوك من أسرة "بني بتع" من حاشد -وحاشد كما هو معروف من الهمدانيين- وأن عددهم كان اثني عشر ملكًا٩، ثم جاءت من بعدهم أسرة من "بكيل"، كان أول رجالها "العز نوفان يهصدق" الذي حكم في الفترة "٢٤٥-٢٦٥م"١٠، ثم جاء من بعده "ياسر يهنعم" والد "شمر يهرعش" الملك المشهور بين الإخباريين، وبذلك ينتقل العرش إلى أسرة جديدة، بل إلى عهد جديد،
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٤٨٤-٤٨٥، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥٩ وكذا Rep، Epig، Iv، P.٣٥٥، Vii، Iii، P.٣٦٠ ٢ J.B. Philby، Sheba's Daughters، P.٤٤٩ ٣ J.B. Philby، The Background Of Islam، P.١٤٢ ٤ H، Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٣٣، ١٤٤ ٥ A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٢ ٦ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٣٤٩٨. وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٢ ٧ جواد علي ٢/ ٤٨٦-٤٨٧. ٨ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٣٩٨ ٩ J.B. Philby، Op. Cit.، P.١٤٢ ١٠ Handbuch، P.٩٥. وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.١٤٣
[ ٢٨٥ ]
عهد تسود فيه سيطرة الحميريين على بلاد العرب الجنوبية، دون غيرهم من حكام اليمن؛ ذلك لأن هذا العصر الثالث "١١٥ق. م-٣٠٠م" إنما كان النفوذ فيه لسبأ ولحمير معًا، بعكس العصر الرابع "٣٠٠-٥٢٥م" الذي تسود فيه السيادة الحميرية.
ويعرف "ياسر يهنعم" في المصادر العربية باسم "ناشر النعم" أو "ياشر ينعم" أو "ياسر ينعم" أو "ياسر أنعم"١ لإنعامه عليهم "أي الحميريين" بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم٢، أو لإنعامه على الناس بالقيام بأمر الملك ورده بعد زواله٣، أو لأنه رد ملك حمير بعد أن انتقل إلى سليمان بن داود عليه السلام٤، وهو "عمرو بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٥ أو" يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٦، أو "عمر ذو الأدغار" أو "عمرو بن يعفر بن شرحبيل بن عمرو ذى الأدغار" أو "مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسكة المقعقع بن وائل بن حمير٧، إلى غير ذلك من أنساب، الخطأ فيها أكثر من الصواب.
وقد ذهبت بعض المصادر العربية إلى أنه قد حكم بعد ابنة أخيه أو ابنة عمه، "بلقيس بنت الهدهاد" صاحبة سليمان٨، لأن الهدهاد قد أوصى له بالملك في عهد بلقيس وبعدها، فأجابته حمير وقدموه٩، أو أنه قد حكم بعد فترة تتراوح ما بين الثلاثين والأربعين عامًا من حكم سليمان لحمير، حيث أخذه منه وأعاده إلى حمير،
_________________
(١) ١ حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٣، وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢١٩، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٢، الأخبار الطوال ص٢٠، نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص٨٩، تاريخ اليعقوبي ٢/ ٥٠. ٢ تاريخ الطبري ١/ ٥٦٦، وهب بن منبه: المرجع السابق ص٤٢٦. ٣ حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص٨٣. ٤ نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص٨٩. ٥ تاريخ الطبري ١/ ٥٦٦، ٢/ ١١، الإكليل ٢/ ٢٠٧، مروج الذهب ٢/ ٥. ٦ وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢١٩. ٧ أبو الفداء ١/ ٦٧، وانظر: أخبار عبيد بن شريه ص٤٢٥٦، كتاب التيجان ص١٧٠، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٨٩. ٨ تاريخ الطبري ١/ ٥٦٦، أبو الفداء ١/ ٦٧، الأخبار الطوال ص٢٠، كتاب التيجان ص٢١٩، مروج الذهب ٢/ ٥٠، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٣. ٩ نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص٨٩.
[ ٢٨٦ ]
وبقي صاحبنا هذا على عرشه قرابة خمس وثلاثين سنة١، وهذا يعني -في نظرهم- أن "ياسر يهنعم"، والذي عاش في القرن الثالث بعد الميلاد، إنما كان معاصرًا لسليمان ملك إسرائيل في القرن العاشر قبل الميلاد٢، والفرق بينهما، كما نرى، جد شاسع، إذ أن سليمان ﵇، إنما سبق "ياسر يهنعم" بزمن قد يزيد في مداه عن اثني عشر قرنًا.
وأما الرواية التي ذهبت إلى أن سليمان قد حكم حمير، فلست أدري- علم الله- من أين جاء بها أصحابها، وليس هناك نص واحد- سواء أكان هذا النص من النصوص الحميرية، أو حتى من توراة اليهود، أو غيرها من المصادر اليهودية- يمكن الاعتماد عليه لتدعيم زعم الإخباريين هذا.
هذا وقد روى القرآن الكريم -وكذا التوراة٣ والإنجيل٤، قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇ في سورة النمل٥، ومنها نعرف أن الملكة العربية حين تأكدت أنها أمام واحد من المصطفين الأخيار، يريد لها ولقومها الهداية إلى سواء السبيل، وليس رجلا غرته قوته، فأراد أن يجعل من بلادها جزءًا من ممتلكاته، فتقرر الذهاب بنفسها إلى النبي الكريم، ويستعد سليمان لاستقبال الملكة العظيمة، فيعد لها
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٢/ وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢١٩. ٢ يختلف المؤرخون: في الفترة التي حكم فيها سليمان من القرن العاشر قبل الميلاد، فهناك من يرى أنها في الفترة ٩٧٤-٩٣٢ق. م "فضلو حوراني: المرجع السابق ص٣٤"، ومن يرى الفترة ٩٧٣-٩٣٦ق. م "حسن ظاظا: الساميون ولغاتهم ص٨٤" ومن يرى الفترة "٩٧٠-٩٣٣ق. م"، ومن يرى الفترة ٩٦٣-٩٢٣ق. م "فيليب حتى: المرجع السابق ص٢٠٥، عبد الحميد زايد: الشرق الخالد ص٣٨٧"، ومن يرى الفترة ٩٦١-٩٢٢ق. م "موسكاتي: المرجع السابق ص١٤٣، وكذا ""E.W. Heaton، Op. Cit.، P.١٧٢." ومن يرى الفترة ٩٦٠-٩٢٢ق. م "W.F. Aibright، Op. Cit.، P.١٢٠-١٢٢" ٣ ملوك أول ١٠: ١-١٣، أخبار أيام أول ٩: ١-١٢. ٤ متى ١٢: ١٤. ٥ سورة النمل: آية ٢٠-٤٤، وانظر: تفسير البيضاوي "٢/ ١٧٣-١٧٨، تفسير الطبري ١٩/ ١٤٣-١٧٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٦٠-٣٦٦ "دار إيحاء التراث العربي" تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي" ٢/ ١٧٣-١٧٨، تفسير روح المعاني ١٩/ ١٨٢-٢١٠، تفسير الطبرسي ١٩/ ٢٠٨-٢٣٠، تفسير الكشاف ٣/ ١٤٢-١٥١، تيسير العلي القدير ٣/ ٢٣٣-٢٤٠، في ظلال القرآن ١٩/ ٢٦٣١-٢٦٤٣، تفسير القرطبي ١٣/ ١٧٦-٢١٣، تفسير أبي السعود ٤/ ١٢٧-١٣٤.
[ ٢٨٧ ]
أمرًا يخرج عن قدرة البشر العاديين، ويدخل في عداد معجزات تلك الصفوة المختارة، من رسل الله وأنبيائه الكرام، فيأتي بعرشها إلى قصره، حتى إذا ما وصلت: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ ١ ثم مفاجأة أخرى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ٢.
وهنا كانت الملكة قد رأت كل ما يبعد عنها أية ريبة في أنها أمام نبي الله الكريم، سليمان ﵇، وليس، كما كانت تظن -بادئ ذى بدء- أنها أمام ملك يطمع في دولتها، أو يبغي الاستيلاء عليها، ثم يجعل من أعزة قومها أذلة، وكذلك يفعل الطامعون والمستعمرون، وهنا أراد الله لها الهداية والإرشاد، ومن ثم: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وليس في كل هذا ما يفيد من قريب أو بعيد، أن اليمن قد أصبحت مستعمرة لإسرائيل على أيام سليمان، أو أن بلاد العرب قد أصبحت ضمن دولة اليهود، وكذا ليس في قصة التوراة ما يفيد ذلك، ومن ثم فإذا كان ذلك قد حدث، فهو من خيال الأخباريين، طبقًا لإسرائيليات أوحى إليهم بها مسلمة أهل الكتاب، وليس من حقائق التاريخ وأخباره الصحيحة٤.
وعلى أية حال، فإن الروايات العربية تنسب إلى "ياسر يهنعم" الفتوحات العظيمة، فتزعم أنه خرج إلى ما حوى آباؤه من التبابعة العظام، فوطئ من الأرض موطئًا عظيمًا، ودوخ الشام ومصر وقبض أقواتهما، ثم توجه إلى المغرب لرؤيا رآها، يريد أن يبلغ وادي الرمل الذي يسيل، وهكذا أخذ يسير حتى إذا ما بلغ البحر المحيط "ولعله هنا البحر الأبيض المتوسط"، أمر ولده "شمر يرعش" أن يركب هذا البحر حتى يعبره، ثم يرجع إليه بما رأى في وادي الرمل، ويصدع "شمر يرعش" بأمر أبيه، فينزل على صنم ذي القرنين، ثم يبعث بعساكره إلى الإفرنج والسكس والصقالبة، حيث يكتب لها النجح فيما أرادت، فتعود وقد
_________________
(١) ١ سورة النمل: آية ٣٨-٤٢. ٢ سورة النمل: آية ٤٤. ٣ سورة النمل: آية ٤٤. ٤ قدمنا دراسة مفصلة عن علاقة سليمان بملكة سبأ في دراستنا حول "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" مجلة كلية اللغة العربية -العدد السادس، الرياض ١٩٧٦ ص٢٨٧-٤٣٧.
[ ٢٨٨ ]
غنمت الأموال وسبت الذراري من كل أمة من جزر البحر، على رواية، وأن هذه الجيوش، والتي كانت في عشرة آلاف مركب، كانت بقيادة واحد من أهل بيت "ياسر يهنعم" -يقال له عمرو بن زيد بن أبي يعفر- وأنها ذهبت إلى وادي الرمل فلم تجد مخرجًا ولا مجازًا؛ لأن الوادي لا يسكن إلا يوم السبت فلا يجري، وهكذا ضاعت هذه الجيوش، وهنا أمر الملك بصنع تمثال من نحاس كتب عليه بالمسند "أنا الملك الحميري ياسر ينعم اليعفري، ليس وراء ما بلغته مذهب، فلا يجاوزه أحد فيعطب"، على رواية أخرى١.
ولم تقتصر فتوحات "ياسر ينعم" -فيما تزعم المصادر العربية- على ذلك، وإنما امتدت إلى الحبشة وإلى بلاد الروم والترك، فضلا عن التبت والصين والهند، وأخيرًا مات في "دينور" حيث دفنه ابنه هناك، ثم جلس على عرشه من بعده٢، وإن قفزت بعض هذه المراجع، فجعلت من "تبان أب كرب أسعد" خليفة له٣، كما أبت مراجع أخرى إلا أن تنسب للرجل شعرًا فيه فخر وفيه حماسة، كما نسبت لوالده "شمر يرعش" شعرًا كذلك، يرثي فيه أباه، ولم تنس هذه القرائح أن تقدم لنا نماذج من كلامه العربي الفصيح، لترينا أنه كان -كسائر ملوك اليمن- يتكلم بلسان عربي مبين٤.
وليس من شك في أن كل ما جاء في هذه الروايات عن "ياسر يهنعم"، إنما هو من أساطير "ابن منبه" وغيره من الأخباريين الذين سودوا صفحات كتبهم عن هذه المرحلة من التاريخ العربي القديم بكل غث وسمين، وإن كانت هناك روايات تاريخية عن حملات عسكرية قام بها الحميريون في وادي النيل الأوسط وشمال إفريقيا٥، وقد أشار "ده برسيفال" إلى حملة قادها أبو مالك بن شمر يرعش إلى معادن الزمرد
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ١/ ٥٦٦، ابن الأثير ١/ ٢٧٦، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٢، وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢٢٠، صبح الأعشى ٥/ ٢٢، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٨٩-٩٠. ٢ وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢٢٠-٢٢١، الإكليل ٢/ ٢٠٧-٢٠٨ ملوك حير وأقيال اليمن ص٨٩-٩٠. ٣ تاريخ الطبري ١/ ٥٦٦، ابن الأثير ١/ ٢٧٦. ٤ انظر: وهب بن منبه، المرجع السابق ص٢٢٠، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٣، جواد علي ٢/ ٥٣٤، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٨٩-٩٣، أخبار عبيد بن شريه ص٤٢٦. ٥ مصطفى مسعد: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، القاهرة ١٩٦٠ ص١٠٨.
[ ٢٨٩ ]
في أرض البجة، ومن المحتمل أن يكون قد لقي حتفه هو ومعظم جيشه، حوالي منتصف القرن الأول الميلادي١.
وعلى أي حال، فهناك الكثير من النصوص التي تحدثت عن "ياسر يهنعم" هذا، منها نص "Cih ٤٦"، والذي عثر عليه في "يكاران" -ويرجع تاريخه إلى عام ٢٧٦م- وقد جاء فيه اسم الإله "عثتر"، واسم قبيلتي، "مهانف" و"شهر"٢، كما جاء اسمه واسم ولده "شمهريهرعش" في نص مؤرخ بعام ٢٧٦م كذلك، ولعل في هذا إشارة إلى اشتراكه معه في الحكم، حيث لُقِّبَا بملكي سبأ وذي ريدان٣. هذا ويجب الإشارة هنا إلى أن القوم وقت ذاك، إنما كانوا يؤرخون وفق تقويمين مختلفين، وأن الفرق بينهما خمسون سنة، أو خمس وسبعون سنة، ثم أهمل أحد التقويمين وبقي الآخر، وهو تقويم "مبحض بن أبحض"، وتقع بدايته فيما بين عامي ١١٨، ١١٠ق. م، وإن لم يستعملوه في الكتابة إلا في القرن الثالث الميلادي٤، ويرى "ريكمانز" أن نصوص "ياسر يهنعم" وولده "شمر يهرعش"، تختلف في تأريخها عن التأريخ السبئي المعروف، والذي يبدأ في رأيه في عام ١٠٩ق. م، ومن ثم يمكن إثابتها وفق هذا التقويم٥.
ونقرأ في نقش "Cih ٣٥٣" عن ثورة حمل لواءها الحميريون ضد "ياسر يهنعم" وولده حوالي عام ٣٠٠م، في منطقة "ضهر" -والتي لا تبعد كثيرًا عن صنعاء٦- هذا فضلا عن اشتباكات جديدة بين "ياسر يهنعم" والهمدانيين، والذين تعانوا مع بني ريدان لمهاجمة مأرب، إلا أن الملك الحميري سرعان ما هاجم الهمدانيين
_________________
(١) ١ مصطفى مسعد، المرجع السابق ص١٠٨، وكذا: Caussin De Perceval، Essai Sur L'histoire Des Arabes Avant L'islamisme، I، Paris، ١٨٤٧، P.٨٢ ٢ جواد علي ٢/ ٥٣٥، وكذا D.H. Muller، Zdmg، ٣٧، ١٨٨٣، P.٣٦٥-٣٧٠ وكذا J.B. Philby، Op Cit،. P.١٠٩ ٣ J.B. Philby، Op. Cit.، P.١١٠ وكذا Rep، Epig، Vii، P.١٣٨ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٧٥ ٤ A.F.L. Beeston، Epigraphic South Arabian Calendars And Dating، London، ١٩٥٦، P.٢٦-٣٧ ٥ جواد علي ٢/ ٥٣٦-٥٣٧، وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner Op. Cit.، P.١١٦ ٦ Ibid.، P.٢٠
[ ٢٩٠ ]
غربي صنعاء وانتصر عليهم١.
ولعل مما تجدر ملاحظته أن عهد ملوك سبأ وذي ريدان من أصعب العهود في تاريخ سبأ، ورغم أن النصوص التي عثر عليها ليست بالقليلة، إلا أنها لا تفيدنا كثيرًا، ثم إن بعضها قد أصابه التلف، ومن هنا كان الاختلاف البين بين العلماء في تأريخ هذه الفترة، هذا إلى جانب فترات مظلمة تمامًا في كتابة هذا الفصل، نتيجة اضطراب المؤرحين فيه، وعدم اتفاقهم على رأي بشأنه، وليس هناك من حل إلا من مزيد من الحفائر، ثم مزيد من الحفائر، حتى يستطيع العلماء تقديم التاريخ العربي القديم في صورة متكاملة.
_________________
(١) ١ A. Grohmann، Op. Cit.، P.٢٩
[ ٢٩١ ]