لم يكن حظ شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها، بأقل من جنوبها، فإن آثار البتراء وسورية الجنوبية، قد استهوت عددًا من العلماء الأوربيين، كما أن تحريم دخول المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، على غير المسلمين، قد ألهب خيال الأوربيين وزادهم رغبة في التعرف على ما يجري فيهما، وبخاصة في موسم الحج، ومن هنا رأينا كثيرًا من الأوربيين يأتون إلى زيارة الحرمين الشريفين متخفين، ذلك لأن منطقة مكة والمدينة إنما كانت تحت حراسة مشددة، خشية أن يتسلل إليها الأوربيون، وهكذا وجدنا من القادمين إلى وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، أنواعًا مختلفة من الرحالة الأوربيين، من مغامرين وحجاج وباحثين.
ولعل أقدم ما نعرفه عن هؤلاء الرحالة هو "ل- دي فرتيما" الذي وصل إلى مكة قادمًا من دمشق عام ١٥٠٣م، وإن كان هناك من يزعم أن "كابوت" الرحالة الكبير قد قام بزيارة مكة بين عامي ١٤٧٦، ١٤٩٠م، وأن ملك البرتغال قد أرسل "بور دي كوفيلها"، الذي كان يتكلم العربية، إلى شبه الجزيرة العربية في عام ١٤٨٧م، وذلك للتحقق من إمكانية الذهاب إلى الهند عن طريق البحر الأحمر، وأنه وصل فعلا إلى عدن، ومنها إلى الهند، وسواء أصح هذا، أم أن الأمر مجرد زعم كذوب، فإن هذه الرحلات لا قيمة لها من الناحية العلمية، وإن كان "دي فرتيما" قد وصف لنا رحلته التي زار فيها الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وصفًا صحح فيه كثيرًا من الأخطاء الشائعة عنهما لدى قومه الأوربيين١.
_________________
(١) ١ انظر: Jacqueline Pirenne، A La Decouverte De L'arabie، Paris، ١٩٥٨ وفي الترجمة العربية التي قام بها قدري قلعجي، تحت عنوان "اكتشاف جزيرة العرب" بيروت ١٩٦٣ ص٣٧-٤٤.
[ ٦٧ ]
على أن كتابات "دي فرتيما" قد تأثرت إلى حد كبير بعقيدته الدينية، كما دلت على جهل واضح بجغرافية المنطقة، فضلا عن تقديمه معلومات ساذجة عن مشاهداته هناك، فمن ذلك مثلا، تفسيره لعدم صيد الحمام الذي يكثر بمكة، من أن المسلمين يعتقدون أنه سليل تلك الحمامة التي كانت تكلم النبي -ﷺ- بوصفها الروح القدس١، وَفَاتَهُ "أولًا" أن مكة بلد الله الحرام، لا يجوز الصيد فيها، وليس -كما زعم- لأن هذا الحمام ينحدر من تلك الحمامة التي كلمت مولانا وجدنا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثم من أين جاء بكل هذا؟، وفاته "ثانيًا" أن المسلمين لا يؤمنون بحمام على أنه الروح القدس، وإنما ذلك هو "جبريل" ﵇، ولعله في ذلك كان متأثرًا بعقيدته الدينية.
ومنها كذلك حديثه عن "رمي الجمار" وأنه رمز لطاعة إسحاق، ودليل على الرغبة في الاقتداء به، فقد جاء في التعاليم الإسلامية أن الشيطان حاول إقناع إسحاق بعدم اللحاق بأبيه إبراهيم العازم على التضحية به٢.
ويبدو هنا، مرة أخرى، أن "دي فرتيما" إنما يتحدث بمنطق اليهود والنصارى وعقيدتهم في الذبيح، حتى في موطن العرب أنفسهم، ونسي -أو تناسى- "أولًا" أن الذبيح عند العرب -على الأقل- إنما هو إسماعيل، وليس إسحاق، ﵉، وتناسى "ثانيًا" أنه في مكة، وليس في فلسطين، والأولى موطن إسماعيل، والثانية مستقر إسحاق، ولو كان الأمر، كما يرى "دي فرتيما"، لكان رمي الجمار في فلسطين، وليس في مكة، ومن ثم فلست أدري من أين جاء بذكر إسحاق هنا؟ ٣.
ثم إن قوله إن مدائن صالح والعلا، إنما هما سدوم وعمورة، لا يدل على جهل واضح بجغرافية المنطقة فحسب، وإنما يدل كذلك على جهل بروايات التوراة، كتابه المقدس، وخاصة حين يذهب إلى أن أهل سدوم وعمورة كانوا يعيشون على المن والسلوى، وأنهم كفروا بأنعم الله، فعاقبهم بأعجوبة منه٤.
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص٤٦. ٢ نفس المرجع السابق ص٤٥-٤٦. ٣ راجع قصة الذبيح في كتابنا "إسرائيل" ص١٩٦-٢٠٩، وفي الفصل الرابع من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني" الجزء الأول. ٤ جاكلين بيرين: اكتشاف جزيرة العرب ص٤١-٤٢.
[ ٦٨ ]
والمعروف "أولًا" أن تلك قصة بني إسرائيل في التيه١، و"ثانيًا" أن ما حدث في سدوم وعمورة، إنما كان لأن قوم لوط ﵇ كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء٢، ومن ثم فقد "أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب كل المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض"٣، ومن هنا رأى بعض العلماء أن هناك شَبَهًا بين مصير قوم عاد وثمود من ناحية، وبين مصير سدوم وعمورة وبقية مدن الدائرة في عمق السديم٤، من ناحية أخرى، ولعل هذا هو السبب في اضطراب فكرة "دي فرتيما"، ومن ثم فقد ذهب إلى أن مدائن صالح والعلا، هما سدوم وعمورة.
وأيًّا ما كان الأمر، ففي عام ١٥٠٩م، يتابع "دي فرتيما" رحلته إلى الجنوب، وهناك في عدن يتهم بأنه نصراني يتجسس لحساب البرتغاليين الذين كانت سفنهم نشطة أمام السواحل العربية الجنوبية، فيتم القبض عليه، ويودع في قصر السلطان تمهيدًا لإعدامه، وهنا يتجه "دي فرتيما" في كتاباته وجهة دنيئة، فيجعل من زوج السلطان إمراة العزيز، ويجعل من نفسه الصديق، ثم تنتهي مغامراته الفاشلة بالرحيل إلى بلاد الفرس ثم الهند، حيث يقوم هناك بدوره الحقيقي، دور الجاسوس لملك البرتغال، وينال جزاءه على ذلك، فتكرمه جامعة البندقية، وينال حماية أسرتين كبيرتين هناك، فتكرمه جامعة البندقية، وأخيرًا تتم الدراما بأن يعلن الكاردينال "كارفجال" حمايته لـ "دي فرتيما" فضلا عن الإنفاق على ترجمة مؤلفه إلى اللاتينية٥.
ولعل كل ما قدمته هذه الرحلة خريطة لشبه جزيرة العرب، -كما رسمها بطليموس، منذ ثمانية عشر قرنًا- وبعض المعلومات المشوهة عن المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، ثم مقارنة جغرافية بين العربية الشمالية، والعربية الجنوبية، وقبل ذلك
_________________
(١) ١ خروج ١٦: ١-٣٦، وانظر كتابنا إسرائيل ص٣٠٣-٣٢٩. ٢ راجع قصة لوط في القرآن الكريم: سورة الأعراف "٨٠-٨٤" وهود "٧٧-٨٣" والحجر "٥٧-٧٧" والشعراء "١٦٠-١٧٥" والنحل "٥٤-٥٨"، وفي التوراة: سفر التكوين ١٨-٢٠-١٩: ٢٩. ٣ تكوين ١٩: ٢٠-٢٦. ٤ قاموس الكتاب المقدس ١/ ٥٥١، ٢/ ١١٩، ٣٠٠، وكذا J. Hastings، Dictionary Of The Bible، P.٧٣٤ وكذا T.K. Cheyne، Encyclopedia Biblica، P.٣٧٩٠ ٥ جاكلين بيرين: المرجع السابق ص٤٨-٥٠.
[ ٦٩ ]
وبعده، سموم ضد الإسلام والعرب، وهو أمر لا يعد غريبًا، إن جاء من موطنه، ولكن الغريب حقًّا أن يترجم ذلك١، وأن يذاع بين شباب العرب، والمسلمين منهم بخاصة، حتى دون التعليق على ما فيه من روايات لا تعرف نصيبًا من صواب، وحكايات أشبه بالأساطير منها بحقائق التاريخ، إلى جانب ما فيه من دعاوى تتعارض مع الإسلام، فضلا عن المنطق والحق والصواب، وقد تكون المصيبة أعظم، لو أن الذين ترجموا ذلك يظنون أنهم يقدمون بعملهم هذا للعروبة وللإسلام -فضلا عن العلم- خيرًا، أو حتى بعض الخير.
هذا وقد تميزت الفترة ما بين عامي ١٦٠٤، ١٧٣٩م، برحلات الحجاج إلى مكة، ففي عام ١٦٤٣م، قام المطران "ماثيو دي كاسترو" -القاصد الرسولي في بلاد الهند- بزيارة الأماكن المقدسة، متنكرًا في زي رحالة غريب، وذلك أثناء رحلته من الهند إلى روما، مارًّا بشبه الجزيرة العربية، ولا شك في أنه -إذا صحت روايته- رجل الدين المسيحي الوحيد الذي قام بزيارة المدن الإسلامية المقدسة، ولكنه لم يكتب بنفسه شيئًا عن ذلك٢.
وفي عام ١٦٦٠م نرى "لويس دارفيو" يزور شمال بلاد العرب، ويكتب وصفًا للبدو، إلا أنه كان بعيدًا عن المنهج العلمي في وصفه، فضلا عما فيه من مطاعن على العرب، وتمجيد للرواية الإسرائيلية عن إسماعيل وإسحاق، ﵉، وعن والدتيهما الكريمتين -سارة وهاجر- بجانب الترجمة غير الصحيحة، أو على الأقل غير الدقيقة، لنصوص التوراة، فيما يتصل بإسماعيل بالذات٣.
وفي عام ١٨٠٧م، وصل إلى "جدة" الرحالة الأسباني "باديابي لبلخ" تحت اسم "علي بك العباسي" مدعيًّا أنه ليس مسلمًا فحسب، وإنما آخر أمير من نسل الخلفاء العباسيين٤، ومن عجب أن الأوربيين أنفسهم في حيرة من أمرهم، بشأن "علي بك" هذا، فهو جاسوس لنابليون على رأي، وهو أحد موظفي إمارة البحر
_________________
(١) ١ جاكلين بيرين: اكتشاف جزيرة العربية، ترجمة قدري قلعجي، بيروت ١٩٦٣. ٢ نفس المرجع السابق، ص٩١. ٣ انظر أمثلة على مسخ نصوص التوراة، في كتاب جاكلين بيرين الآنف الذكر ص١١٧-١٢٧، إلا أن تكون الترجمة العربية له هي التي أخطات. ٤ أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم ص١٤٦.
[ ٧٠ ]
الفرنسية على رأي آخر، إلا أن هناك اتفاقًا على أنه كان عالمًا، وأنه قد زود بآلات قياس دقيقة للغاية، وأنه قد نجح إلى حد كبير في تعيين المواقع المختلفة التي مر بها على سواحل البحر الأحمر، مثل ينبع وجدة وغيرهما، وبصورة تقريبية موقع المدينة المنورة التي لم يقدر له أن يشرف بزيارتها، وبصفة دقيقة لموقع مكة المكرمة على خريطة العالم، وهكذا أمكن -ولأول مرة- تحديد الموقع العرضي لأحد الأماكن في داخل بلاد العرب بالنسبة إلى خط الاستواء، هذا إلى جانب وصف دقيق للكعبة المشرفة ولكل ما كان يجري في موسم الحج١.
والذي يقرأ وصف الرجل للأماكن المقدسة، كما جاء في كتاب جاكلين بيرين٢، يدرك أن الرجل كان مسلمًا عن يقين -كما كان يعلن هو دائمًا- رغم ما أثير حول إسلامه من شبهات.
والرأي عندي، أن من يعيش الظروف التي عاشها "علي بك العباسي" ويزور الأماكن الطاهرة التي زارها، وينال شرف رؤية الكعبة -أقدس مقدسات المسلمين- من داخلها، ويسهم في تنظيف البيت الحرام، إن من يسبغ الله عليه كل هذه النعم، ليس ببعيد أن يهديه الله سواء السبيل ويفتح قلبه للإسلام، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ ٣ وعلى أي حال، فإني لا أثبت هنا إسلام "علي بك العباسي"، ولا أنفيه، فليست لدي الأدلة على هذا أو ذاك، والله وحده يعلم الغيب من الأمر، ولكن بعد أن مَنَّ اللهُ عليَّ بفضله، وعشت فترة من عمري بين رحاب هذه المقدسات الشريفة، لا أستبعد أن الله جل وعلا، قد فتح قلب الرجل للإسلام، بصرف النظر عن المهمة التي جاء من أجلها، والله يهدي من يشاء.
وجاء بعد ذلك الرحالة السويسري، "جوهان ليدونج بوركهارت" الذي وصل إلى سورية في مارس ١٨٠٩م، ليقوم بزيارة المناطق المتاخمة لشبه الجزيرة العربية، وليجمع المعلومات عن البدو، وهناك بذل جهدا كبيرًا في دراسة القرآن الكريم وتفسيره -بعد أن كان قد درس اللغة العربية في إنجلترا- حتى عرف باسم الشيخ
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص١٤٦، جاكلين بيرين: المرجع السابق ص١٨٦-١٩٨. ٢ نفس المرجع السابق ص١٨٦-١٩٨. ٣ سورة الحديد: آية٢١، سورة الجمعة آية٤، وانظر تفسير القرطبي ص٦٤٢٧، ص٦٥٧٢-٦٥٧٣ "دار الشعب- القاهرة ١٩٧٠".
[ ٧١ ]
إبراهيم، العالم العظيم في شئون الإسلام١.
وهكذا تمكن "بوركهارت" من القيام برحلته إلى الحجاز تحت اسم "الشيخ إبراهيم بن عبد الله"، فزار الحرمين الشريفين، وقدم وصفًا دقيقًا لموسم الحج، وكتب عن مكة والمدينة كتابة علمية، وفي عام ١٨١٢م، اكتشف مدينة "البتراء"، ثم أصدر عدة كتب عن رحلاته في سورية وفلسطين وشمال بلاد العرب٢، وأخيرًا توفي في ١٥ أكتوبر ١٨١٧م، ودفن بسفح جبل المقطم في القاهرة٣.
وفي عام ١٨١٥م، زار "نجد" المستشرق "جورج أوغسطس فالين" للقيام ببعض الدراسات اللغوية٤، وهناك رواية مشكوك فيها تذهب إلى أن "محمد علي باشا" والي مصر، قد أرسله إلى هناك بعد أن فشلت جهوده في توطيد نفوذه في الشام، وذلك للقيام بمهام سياسية في جبل "شمر"٥.
وفي عام ١٨٥٣م، زار "سير ريتشارد برتون" الحرمين الشريفين، متنكرًا في زي مسلم يسمى "الحاج عبد الله" ثم كتب وصفًا لرحلته هذه ٦.
وفي يولية ١٨٦٢م، قام "وليم بلجريف" برحلته إلى العربية الوسطى، ونشر في عام ١٨٦٥م كتابًا عن رحلته هذه، سرعان ما ترجم إلى الفرنسية ثم الألمانية بعد ذلك، كواحد من أحسن الكتب عن بلاد العرب، ويزعم "بلجريف" أنه وصل إلى مناطق في قلب بلاد العرب، ولم يصلها أحد قبله٧، وأما رفيقه في رحلته هذه
_________________
(١) ١ جاكلين بيرين: المرجع السابق ص٢١٦-٢١٧. J.L. Burckhardt، Travels In Arabia، London، ١٨٢٩ وكذا Johann Ludwing Burckhardt، Travels In Syria And Holy Land، London، ١٨٢٢ ٣ Philip K. Hitti، History Of The Arabs، London، ١٩٦٠، P.٧ ٤ F. Hommel، Explorations In Arabia، P.٧٠٥ وكذا Encyclopaedia Britannica، Ii، P.١٧١ ٥ P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٧ ٦ Sir Ritchard Burton، Personal Narrative Of A Pilgrimage To El-Medina And Meccah، ٢ Vols.، London، ١٨٥٧ ٧ W.G. Palgrave، Observations Made In Central، Eastern And Southern Arabia، In ١٨٦٢-١٨٦٣، Jrgs، ٣٤، ١٨٦٤، P.١١١-١٥٤
[ ٧٢ ]
فقد كان لبنانيا يدعى "بركات"، وهو الذي أصبح فيما بعد بطريرك الروم الكاثوليك تحت اسم "بطرس الجريجيري"١.
وتوغلت "الليدي آن بلنت" عام ١٧٨٩م في شمال بلاد العرب، حتى "نجد" وكانت مولعة بدراسة الخيول العربية٢، إلا أن "هوبر"٣ و"أويتنج"٤ يعدّان من الذين غامروا بحياتهم، وقاموا برحلات شاقة، فيما بين عامي ١٨٧٦، ١٨٨٤، وقد بلغا "حايل" في شمالي بلاد العرب، وحصلا على كثير من النقوش العربية الشمالية.
وهناك "سنوك هورجونيه" الهولندي، الذي زار الحجاز، فيما بين عامي ١٨٨٥، ١٨٨٦م، وقدم لنا دراسة عن الأحوال في مكة، ووصف للحياة في الحجاز، وفي موسم الحج بصفة خاصة٥.
وهناك كذلك الرحالة الإنجليزي "تشارلسن دوتي"٦، وقد كان هذا الرجل من أشد المتعصبين ضد الإسلام، وأكثرهم تطاولا على المسلمين، بل إنه في تطاوله إنما يحاول أحيانًا أن يتجاوز كل حدود الأدب، وأن يمس المثل الأعلى للإنسانية جمعاء، سيدنا ومولانا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وإن لم يستطع في كل الأحوال، إلا أن يعترف بأن المصطفى المختار- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- إنما كان دائمًا وأبدًا، المثل الأعلى، والأسوة الحسنة لكل المسلمين وغير المسلمين، في كل زمان ومكان.
وفي عام ١٨٨٩م، يقوم "تيودور بنت" وزوجته، برحلة إلى البحرين ومسقط وعمان في جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث زارا كثيرًا من المناطق الأثرية، وكتبا عنها كتابهما المعروف٧.
_________________
(١) ١ فيليب حتى: تاريخ العرب "مطول" -الجزء الأول- ترجمة إدوار جرجي؛ جبرائيل حبور، بيروت ١٩٦٥ ص٦. ٢ Lady Anne Blunt، A Pilgrimage To Najd، ٢ Vols، London، ١٨٨٣ ٣ C. Huber، Inscriptions Recueillis Dans I'arabie Centrale، ١٨٧٨-١٨٨٢ ٤ Julius Euting، Nabataische Inschriften Aus Arabien، Berlin، ١٨٨٥ ٥ Eb، ٢، P.١٧٠ ٦ Charlis M. Doughty، Travels In Arabia Deserta، ٢ Vols.، Cambridge، ١٨٨٨ ٧ Theodore Bent And Mrs. Bent، Southern Arabia، Sudan And Socotra، London، ١٩٠٠.
[ ٧٣ ]
وأشرف القرن العشرون، وبدأت الأبحاث العلمية تزداد، وأصبح بين أيدينا مؤلفات مهمة، لعل من أروعها ما كتبه "ألويس موسل"، الذي زار العربية الحجرية، وكتب عدة مؤلفات في وصف شمال الحجاز وبادية الشام ومنطقة الفرات الأوسط وتدمر ونجد١، ثم هناك كذلك ما كتبه "جوسين وسافينياك" في مؤلفهما الشهير عن آثار الحجاز، وبخاصة مدائن صالح والعلا٢، أما كتاب "لورنس" "أعمدة الحكمة السبعة٣"، فقد نال مكانة عالية بين مؤلفات الأدب الحديث بعد الحرب العالمية الأولى٤.
وكان أكثر الرحالة نشاطًا في نجد وأواسط بلاد العرب "هاري سان جون بريدجر فلبي" والذي سمى نفسه "الحاج عبد الله" وقد أتيح له ما لم يتح لغيره من الأوربيين، إذ كان من المقربين إلى جلالة الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، ومن ثم فقد قام برحلات كثيرة، وكتب عدة كتب٥، وكانت آخر رحلاته تلك التي قام بها في صحبة العالم البلجيكي "ج. ريكمانز" في شتاء ١٩٥١-١٩٥٢م، وكانت في المثلث الواقع بين جدة ونجران والرياض، وعاد ومعه ١٢٠٠ نقش، منها تسعة آلاف نقش ثمودي، وبقيتها نقوش لحيانية وسبئية، بعد أن زارت البعثة كل ما وجدته من بقايا المدنيات القديمة، في المنطقة الواقعة داخل المملكة العربية السعودية٦.
_________________
(١) ١ انظر من مؤلفات "ألويس موسل": Alios Musil، The Northern Hegas، N.Y. ١٩٢٦. وكذا The Middle Euphrates،N.Y. ١٩٢٧، وكذا Palmyrena، N.Y.، ١٩٢٨.وكذا The Northern Nejd، N.Y.، ١٩٢٨ وكذا Arabia Petraea، Wien، ١٩٠٧. وكذا In The Arabian Desert، N.Y.، ١٩٣٠ ٢ A.J. Jaussen And R. Savignac، Mission Archeologique En Arabie، ٤ Vols.، Paris ١٩٠٤، ١٩١١، ١٩١٤، ١٩٢٠. ٣ T.E. Lawrence، Seven Pillars Of Wisdom، N.Y.، ١٩٣٩ ٤ P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٧ ٥ لعل من أشهر كتب فلبي: H. St. J.B. Philby، Saudi-Arabia، London، ١٩٥٥ وكذا H. St. J.B. Philby، The Background Of Islam، Alexandria، ١٩٤٧ وكذا H. St. J.B. Philby، The Heart Of Arabia، ٢ Vols.، London، ١٩٢٢ وكذا H. St. J.B. Philby، The Land Of Midian، Mej، ٩، ١٩٥٥ وكذا H. St. J.B. Philby، The Last Ruins Of Quraiya، Gj، ١١٧، ١٩٥١ وكذا H. St. J.B. Philby، Arabian Highlands، N.Uy.، ١٩٥٢ وكذا H. St. J.B. Philby، And A.S. Triton، Najran Inscriptions، Jras، ١٩٤٤ ٦ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٤٨، موسكاتي: المرجع السابق ص٣٧٦.
[ ٧٤ ]
وفي عام ١٩٦٢م، قامت بعثة أمريكية بزيارة مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية، فزارت سكاكا والجوف وتيماء ومدائن صالح والعلا وتبوك، وظفرت بنماذج من فخار قديم، ونقلت صورًا لكتابات ثمودية ونبطية، أهمها ما وجدته في قمة جبل غنيم، على مبعدة ثلاثة أميال إلى الجنوب من تيماء، وتعد من أقدم ما عثر عليه في العربية الشمالية١.
وليس من شك في أن تاريخ البحث العلمي في تاريخ العرب القديم يدين بالكثير لنفر من المستشرقين قدموا له أبحاثًا جادة في مختلف الميادين، من أمثال "كوسان ده برسيفال"٢، والذي يعتبر من الرواد في التأريخ لبلاد العرب قبل الإسلام، وكذا "تيودور نولدكه"٣، و"ج. روتشتاين"٤، و"رينيه ديسو"٥ و"جاك ريكمانز"٦ "كيتاني"٧ و"أوليري"٨ و"أوتووبير"٩ و"فلهاوزن"١٠،
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ١٣٣ وكذا Basor، ١٦٨، ١٩٦٢، P.٩ ٢ Caussin De Perceval، Essai Sur I'histoire Des Arabes Avant I'islamisme، ٣ Vols.، Paris ١٨٤٧-٨ ٣ تيودور نولدكه: أمراء غسان، ترجمة بندلي خوري وقسطنطين زريق، بيروت ١٩٣٣م، وكذا T.H. Noldeke، Semitic Languages، Eb، ٢٤، ١٩١١ ٤ G. Rothstein، Die Dynastie Der Lakhmiden In Al-Hira، Berlin، ١٨٩١ ٥ R. Dussaud، Les Arabes En Syrie Avant I'islam، Paris، ١٩٠٧. وكذا Paris، ١٩٥٥ ٦ J. Ryckmans، Aspects Nouveaux Du Probleme Thamoudeen، Si، ٥، ١٩٥٦. وكذا J.Ryckmans، L'institution Monarchique En Arabie Meridionale Avant I'islam، Louvain، ١٩٥١ ٧ L. Caetani، Annali Dell'islam، ١٠ Vols.، Milano، ١٩٠٥-١٩٢٦ ٨ O'leary، "Delacy D.D."، Arabia Lefore Muhammad، London، ١٩٢٧ ٩ Weber. "Otto"، Arabien Vor Dem Islam، ١٩٠٤ ١٠ J.Wellmusen، Reste Arabischen Heidentums، Berlin، ١٩٢٧
[ ٧٥ ]
و"ج ريكمانز"١ و"الكسندر كندي"٢ و"أدولف جرومان"٣ و"فريتز هومل"٤ و"رودوكناكيس" و"ديتلف نلسن"٥ و"تشارلس فورستر"٦ و"ألفردونيت"٧ و"بيستون"٨، و"ألبرت جام"٩ و"كاسكل"١٠ و"فون فيسمان وماريا هوفتر"١١ و"لودلف كريل"١٢ و"كوك"١٣
_________________
(١) ١ G. Ryckmans، Les Religions Arabes Pre-Jslamiqucs، Louvain، ١٩٥١ G. Ryckmans، On Some Problems Of South Arabian Epigraphy، وكذا BSOAS، ١٩٥٢. G. Ryckmans، Inscriptions Sud-Arabes، Le Museon، XII، ١٩٤٢ وكذا ٢ Kennedy (Sir Alexander. B.W.)، Petra، Its History And Monuments، London، ١٩٢٥. ٣ A. Grohmann، Arabien، Munchen، ١٩٦٣ ٤ F. Hommel، Explorations In Arabia، Philadelphia، ١٩٠٣ ٥ ديتلف نلسن، فريتز هومل، رودوكناكيس، أدولف جرومان، التاريخ القديم، ترجمه وزاد عليه الدكتور فؤاد حسين؛ القاهرة، ١٩٥٨. ٦ Charles Forster، The Historical Geography Of Arabia، ٢ Vols.، London ٧ F.V. Winnett And W. Reed، Ancient Records From North Arabia، Toronto، ١٩٧٠. ٨ A.F.L. Beeston، Sculptures And Inscriptions From Shabwa، JRAS، ١٩٥٤ A.FX. Beeston، Problems Of Sabaean Chronology، BASOR، ١٦، ١٩٥٤. وكذا A.F.L. Beeston، Epigraphic South Arabian Calendars And Dating، وكذا London، ١٩٥٦ ٩ A. Jamme، South-Arabian Inscriptions، Princeton، ١٩٥٥ A. Jamme، Sabaean Inscriptions From Mahram Biiqis (Marib)، Balti- وكذا More، ١٩٦٢ A. Jamme، Thamudic Studies، Washington، D.C. ١٩٦٧. وكذا A. Jamme، New Sabaean Inscriptions From South Arabia، ١٩٦٨. وكذا ١٠ W. Caskel، Lihyan Und Lihyanisch، Koln، ١٩٥٤ ١١ Hermann Von Wissmann Und Maria Hofner، Beitrage Zur Historischen Geographie Des Vorislatmischen Sudarabien، Wiesbaden، ١٩٥٣ ١٢ Ludolfkrehl، Ucber Die Religion Der Vorislamischen Araber، Leipzig، ١٨٦٣ ١٣ G.A. Cooke A Text-Book Of North-Semitic Inscriptions، Oxford، ١٩٠٣
[ ٧٦ ]
وهوجوفنكلر١ ورايت٢ وسبرنجر٣ وليتمان٤ ووليم أولبرايت٥ وغيرهم ممن قاموا ببحوث قيمة، ولا يزالون يبحثون في التاريخ العربي القديم ٦.
أما العلماء العرب المحدثون -من أمثال جرجي زيدان وسليمان حزين ويحيى نامي وأحمد فخري ومحمد مبروك نافع ومحمد توفيق وعبد العزيز سالم وسعد زغلول، وجواد علي وصالح العلي ومنذر البكر، وحمد الجاسر وعبد الرحمن الأنصاري وعبد القدوس الأنصاري وعبد الله مصري، وأحمد حسين شرف الدين ومظهر الإرياني وغيرهم من علمائنا الأفاضل- فليس من شك في أنهم قد ساهموا في هذا الميدان بقسط وافر وجهد ممتاز، يستحقون عليه كل تقدير واحترام.
_________________
(١) ١ H. Wincider، Musri،Meluhiia، Main، Mitteilungen Der Vorderasiatischen Gesllschaft ١، Berlin، ١٨٩٨ H. Wmckler، Arabisches Musri، MVG، II، ١٩٠٦. وكذا ٢ W. Wright، An Account Of Palmyra And Zenibia With Travels Andadventures In Bashan And Deseit، London، ١٨٩٦ ٣ A. Sprenger، Dasleben Und Die Lehredes Mohamntad، Berlin، ١٨٦١ A. Sprenger، Die Alte Geographis Arabiens، Berlin، ١٨٧٥. وكذا ٤ E. Littmann، Thamud And Safa، Leipzig، ١٩٤٠ E. Littmann، Safitic Inscriptions، Leyden، ١٩٤٣. وكذا ٥ W.F. Albright، The Chronology Of Ancient South Arabia In The Light Of The First Campaign Of Excavation In Qataban، BASOR، ١١٩، ١٩٥٠ W.F. Albright، The Chaldaean Inscriptions In Proto-Arabic Script، وكذا BASOR، ١٢٨، ١٩٥٢ W.F. Albright.A Note On Early Sabaeaa Chronology، BASOR،١٤٣،١٩٥٦. وكذا ٦ L. Wright، The Bible And The Ancient Near East، Essays In Honour Of William L-.htm'Tixwell Albright، N.Y.، ١٩٦٥ S. Moicati، Ancient Semitic Civilziations، London، ١٩٥٧ وكذا
[ ٧٧ ]