اتفق الرواة وأهل الأخبار -أو كادوا يتفقون- على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة١، أو عرب عاربة ومستعربة وتابعة ومستعجمة٢.
على أن هناك من يجعلهم طبقتين: بائدة وباقية، فأما البائدة فهم الذين كانوا عربًا صرحاء خلصاء ذوي نسب عربي خالص -نظريًّا على الأقل- ويتكونون من قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وجرهم والعماليق وحضورا ومدين وغيرهم، وأما العرب الباقية- ويسمون أيضًا المتعربة والمستعربة- فهم الذين ليسوا عربًا خلصًا، ويتكونون من بني يعرب بن قحطان، وبني معد بن عدنان٣.
وكان يعرب بن قحطان في قول الرواة -كما أشرنا من قبل- أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، أو أول من تكلم العربية، ولسنا الآن في حاجة إلى دحض هذه الروايات، فذلك أمر سبق لنا القيام به.
_________________
(١) ١ الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر. القاهرة ١٣٢٥هـ، الجزء الأول، ص٩٩. ٢ تاريخ ابن خلدون ٢/ ١٦-١٨، نهاية الأرب ١/ ٩-١١. ٣ عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٤٤، صاعد الأندلسي: طبقات الأمم ص١.
[ ١٣٧ ]
وهناك تقسيم ثالث يعتمد في الدرجة الأولى على النسب، فهم قحطانية في اليمن، وعدنانية في الحجاز١، على أن "ابن خلدون" إنما ينحو نحوًا آخر، يقسم به العرب -طبقًا للتسلسل التاريخي- إلى طبقات أربعة، فهم عرب عاربة قد بادت، ثم مستعربة، وهم القحطانيون، ثم العرب التابعة لهم من عدنان والأوس والخزرج، ثم الغساسنة والمناذرة، وأخيرًا العرب المستعجمة وهم الذين دخلوا في نفوذ الدولة الإسلامية٢.
هذه هي التقسيمات التي رأى الأخباريون تقسيم العرب إليها -من ناحية القدم والتقدم في العربية- وهي تقسيمات يلاحظ عليها "أولًا" أنها لا ترجع إلى أيام العرب القدامى أنفسهم، وإنما إلى العصور الإسلامية، فليس هناك نص واحد يذكر هذه التقسيمات ويرجع في تأريخه إلى ما قبل الإسلام، حتى يمكن القول أنها من وضع العرب القدامى أنفسهم، ثم هي "ثانيًا" عربية صرفة؛ وذلك لأن المصادر اليهودية، وكذا المصادر اليونانية واللاتينية والسريانية، لم تتعرض لمثل هذه التقسيمات٣.
والرأي عندي أن هذه التقسيمات غير مقبولة، ومتعسفة كذلك، وذلك لأسباب منها "أولًا" أن القرآن الكريم لم يفرق بين العرب القحطانية والعدنانية، وإنما رفع العرب جميعًا إلى أب واحد، هو إبراهيم الخليل، ﵇، يقول ﷾: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤، ومنها "ثانيًا" ما روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) ١ طه حسين: في الأدب الجاهلي، القاهرة ١٩٣٣ ص٧٩. ٢ عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٨٣، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٨ "بيروت ١٩٦٥". ٣ جواد علي ١/ ٢٩٥. ٤ سورة الحج: آية ٧٨، وانظر تفسير البيضاوي ٢/ ١٠٠-١٠١ تفسير الطبري ١٧/ ٢٠٥-٢٠٩، تفسير القرطبي ١٢/ ٩٩-١٠١، تفسير التبيان ٧/ ٣٠٤-٣٠٦ "للشيخ الطوسي"، تفسير القاسمي ١٢/ ٤٣٨٤-٤٣٨٥، تفسير روح المعاني ١٧/ ٢٠٩-٢١٣، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٤/ ٣٧١-٣٧٣، تفسير الخازن ٥/ ٢٤-٢٥، تفسير البغوي ٥/ ٢٤-٢٥ "نسخة على هامش الخازن"، تفسير ابن كثير ٤/ ٦٦٧-٦٦٩، تفسيرالبحر المحيط ٦/ ٣٩٠-٣٩٢، تفسير النسفي" ٣م ٢٩٢-٢٩٣، تفسير المراغي ٦/ ١٤٧-١٥٠، الجواهر في تفسير القرآن الكريم ١١/ ٤٠ وما بعدها، في ظلال القرآن ١٧/ ١٢٣-١٢٥، تفسير مجمع البيان ١٧/ ١٣١-١٣٢. وانظر كذلك أبياتا من قصيدة لجرير بن عطية التميمي يقول فيها: أبونا خليل الله لا تنكرونه فأكرم بإبراهيم جدا ومفخرا أبونا خليل الله والله ربنا رضينا بما أعطى الإله وقدرا
[ ١٣٨ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ﵉"١.
ومنها "ثالثًا" أن هناك من يعتبر "قحطان" نفسه من ولد إسماعيل ﵇، اعتمادًا على أن رسول الله ﷺ مر بناس من "أسلم خزاعة" -وهم من قحطان- وكانوا يتناضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" ٢، ومن ثم فإن "ابن خلدون" يذهب إلى أن جميع العرب إنما هم من ولد إسماعيل ﵇؛ لأن عدنان وقحطان يستوعبان العرب العدنانية والقحطانية٣.
ومنها "رابعًا" أن ابن عباس، روى أن النبي -ﷺ- "انتسب فلما بلغ عدنان وقف، فقال كذب النسابون، كما روى ابن إسحاق- عن يزيد بن رومان -أن النبي -ﷺ- قال: "استقامت نسبة الناس إلى عدنان"، فإذا صح هذان الحديثان الشريفان، فيمكننا القول أن عدنان هو القرم الأول للقبائل العربية، عدا من سماهم الكتاب العرب بالقبائل البائدة٤.
ومنها "خامسًا" أن الأخباريين عندما حاولوا كتابة أنساب العرب، إنما اعتمدوا إلى حد كبير على سلسلة الأنساب في التوراة، ومن ثم فقد رفعوا من نسل قحطان، فهم العرب العاربة، ونزلوا بنسب بني إسماعيل، فهم العرب المستعربة، أحدث نسبًا من غيرهم من القبائل البائدة والعاربة في نظر كتاب الجنوب، وبالتالي فهم أقل شأنًا من قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية٥، وهكذا كان الكتاب المسلمون مروجين لنظرية التوراة في الأنساب، وجهلوا -أو تجاهلوا- أن التوراة إنما كتبت ذلك لترفع من شأن بني إسحاق على بني إسماعيل، ولتجعل منهم دون غيرهم الأمة المختارة، وسلسلة النسب المصطفاة، على بني إسماعيل بالذات، وجهلوا -أو تجاهلوا -أن الخليل، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، إنما كان عربيًّا خالصًا، والأمر كذلك بالنسبة إلى ذريته من بني إسماعيل٦.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، دار التحرير، القاهرة ١٩٦٨، الجزء الأول ص٢٥، ٢ الإكليل للهمداني ١/ ١٠٣-١٠٥. ٣ تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٤١-٢٤٢، نهاية الأرب للقلقشندي ص٣٩٦-٣٩٧، الإكليل ١/ ١٠٣-١٠٥، قارن، جواد علي ١/ ٤٨١-٤٨٢. ٤ عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن القبائل العربية البائدة ص٩٣-٩٤٣. ٥ نفس المرجع السابق ص٩٣. ٦ انظر: كتابنا "إسرائيل" ص١٦٠-٢١٤، وكذا كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"، الفصل الرابع.
[ ١٣٩ ]
ومنها "سادسًا" أن الشعر الجاهلي لم يرد فيه ذكر لتقسيم العرب إلى قحطانية وعدنانية، وإن وردت فيه أبيات يتفاخر أصحابها بعدنان أو قحطان، ترجع في أغلب الظن إلى الحقبة القريبة من الإسلام، كما أن هذا التفاخر -أو حتى الهجاء- لا يصح أن يكون أساسًا لوضع نظرية في اختلاف أجناس القبائل العربية١.
ومنها "سابعًا" أن ما يراه الإخباريون من أن العداء كان مستحكمًا بين العدنانيين والقحطانيين من قديم٢، حتى رووا أن كل فريق منهم، إنما اتخذ لنفسه شعارًا في الحرب يخالف الآخر، فاتخذ المضريون العمائم والرايات الحمر، واتخذ أهل اليمن العمائم الصفر، فإنما أصل هذا العداء ما كان بين الحضارة والبداوة من نزاع طبيعي، وكان توالي الوقائع والحوادث يزيد في العداء، ويقوي روح الشر بينهم، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما كان من العداء الشديد بين أهل المدينة -من أوس وخزرج، وهم على ما يذكر النسابون قحطانيون، وأهل مكة-وهم عدنانيون- وقد استمر هذا التنافس بينهم بعد الإسلام، وكان بين القومين حزازات ومفاخرات، وكل يدعي أنه أشرف نسبًا، وأعز نفرًا٣.
ومنها "ثامنًا" أن علماء الأنثروبولوجيا لم يلاحظوا فروقًا واضحة بين العدنايين والقحطانيين، وإن كان من العجيب أن الدراسات الأنثروبولوجية التي أجريت على أفراد من القبائل العربية الجنوبية، قد أثبتت فروقًا بين أفراد هذه القبائل٤، هذا إلى أن الجماجم التي عثر عليها من عهود ما قبل الإسلام تشير إلى وجود أعراق متعددة بينها٥، فإذا كان ذلك صحيحًا، فربما كان السبب في هذا هو الاختلاط الجنسي عند القبائل العربية الجنوبية، والذي كان نتيجة هجرات من وإلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن هنا كان التشابه بين أهل عمان وبين سكان السواحل الهندية المقابلة لها، ثم بين أهل عدن وبقية العربية الجنوبية وتهامة، وبين سكان أفريقيا الشرقية، وإن كان أكثر احتمالا في الحالة الأخيرة أن تلك القبائل في
_________________
(١) ١ عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٨٥، جواد علي ١/ ٣٧٣-٤٧٥. ٢ R. Dozy، Histoire Des Musulmans D'espagne، I، P.١٧، ٧٠ ٣ أحمد أمين: فجر الإسلام ص٨٥، جواد علي ١/ ٤٨٣، اللسان ٧/ ١٣٣، ٢٠/ ٣٨، وكذا A. Sprenger، Op. Cit.، P.Cxxviii ٤ B. Thomas، Arabia Felix، P.٣٠١ ٥ جواد علي ١/ ٢٩٣، وكذا L.H.D. Buxton، The People Of Asia، London، ١٩٢٥، P.٩٩f
[ ١٤٠ ]
إفريقيا الشرقية، ربما كانت نتيجة هجرات عربية عن طريق باب المندب إلى إفريقيا١.
ومنها "تاسعًا" أنه لم يظهر أي انقسام بين العرب على أيام الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وكذا على أيام خليفتيه الصديق والفاروق -﵄- كما أن الروايات الخاصة بتنظيم الفاروق عمر بن الخطاب لديوان المظالم لم يرد فيها ما يشير إلى أي انقسام أو تمييز بين القحطانية والعدنانية كجنس، وإنما كانت القربى من رسول الله، ﷺ، هي الأساس، ثم يتفاضل الناس بعد ذلك على مقدار سبقهم في الإسلام، وعلى أي حال، فلقد كان بنو هاشم -بيت النبوة- قطب الترتيب، وأن هذا التسجيل قد تم سنة خمس عشرة للهجرة على رأي، وسنة عشرين على رأي آخر٢.
ومنها "عاشرًا" أن الحروب التي قامت بين الإمام عليٍّ -كرم الله وجهه ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه- وبين خصومه، لم تكن حروبًا بين قحطانيين وعدنايين، وإنما كانت بين العدنايين أنفسهم، والأمر كذلك بالنسبة إلى حروب اشتعل أوارها بين القحطانيين أنفسهم.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن الحروب التي دارت رحاها بين العدنانيين والقحطانيين، أو بين فريق وفريق من هذه القبيلة أو تلك، لا تكاد تسمع فيه انتساب كل العرب إلى عدنان أو قحطان، وإنما تسمع فخرًا بأسماء القبائل أو الأحلاف التي انضمت إلى هذا أو ذاك، تسمع أسماء معد أو نزار أو مضر، ولعل هذا كله، يجيز لنا أن نقول -مع الدكتور جواد علي- كيف يجوز لنا أن نتصور انقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين انقسامًا حقيقيًّا، وقد كانت القبائل تتحالف فيما بينها، وتحارب بعضها مع بعض بأحلاف قد تكون مزيجًا بين عدنانيين وقحطانيين، فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان العرب قحطانيين
_________________
(١) ١ انظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" ص٢٨٧-٤٣٧ "مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد السادس، الرياض ١٩٧٦"، وكذا Les Antiquities Du Yemen، In Le Museon، ٦١، ١٩٤٨، P.٢٢٥f ٢ ابن الأثير: الكامل في التاريخ ٢/ ٥٠٢-٥٠٥، تاريخ الطبري ٣/ ٦١٣-٦١٩، تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٣٠.
[ ١٤١ ]
وعدنانيين بالأصل، فكيف تحالفت "جديلة" -وهي من طيء- مع "بني شيبان- وهم من بني عدنان- لمحاربة "عبس" العدنانية، وكيف نفسر تحالف قبائل يمنية مع قبائل عدنانية، لمحاربة قبائل يمنية، أو لعقد محالفات دفاعية هجومية معها١.
وهكذا يمكننا أن نفسر نظرية الطبقات هذه، بأن الظروف السياسية لعبت دورها في تكوينها، وإن شاء أصحابها الرجعة بها إلى الماضي البعيد، ووضع تأريخ قديم لها، ذلك أن بني أمية، حين وضعت الأقدار أمور المسلمين بأيديهم، إنما عملوا على إحياء العصبية الأولى بين القبائل وضرب الواحدة منها بالأخرى رغبة منهم في السيطرة على القبائل جميعًا، وشغلها عما يقترفه الواحد منهم أو الآخر من أخطاء، وقد تسبب هذا الوضع -في أغلب الأحايين- في الإساءة إلى القبائل الجنوبية إلى حد كبير، وسرعان ما انتهزت هذه القبائل فرصة قيام دولة بني العباس -التي اعتمدت عليهم إلى حد كبير- فعملت على استعادة ما فقدته على أيام الأمويين، وبدأ الإخباريون -ومعظمهم من قبائل الجنوب- يكتبون عن الأنساب، وعن التاريخ العربي القديم، وكان موضع الخطر في هذا، أنهم بدءوا يكتبون وهم في البصرة والكوفة، ومن ثم فلم يجدوا من المصادر التي يعتمودون عليها، إلا ما كان قريبًا منهم، وكانت التوراة -وما يدور في فلكها من تصانيف- قد امتلأت بها مكتبات العراق، ومن ثم فقد نقلوا عنها ما كتبته عن قحطان وإسماعيل وهاجر وسبأ وبعض قبائل الجنوب، زاد الطين بلة، أن العصبية لدى اليمنيين قد لعبت دورًا خطيرًا في الأنساب، ومن ثم فقد نسبوا معظم القبائل البائدة إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، كما أنهم لم يكتفوا بنسب أنفسهم، وإنما كانوا ينسبون غيرهم إليهم كذلك٢، بل إن الأمر قد وصل إلى أن تتخذ لفظة "الأنصار"- والتي أطلقت
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٤٧٧ وما بعدها، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٨٦. ٢ عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق ص٩٣، جواد علي ١/ ٤٨٢-٤٩٥، وانظر: ديوان الفررذق ص٨، ٥٩، ٦٨، ٨٦ "طبعة بوشيه"، ديوان حسان بن ثابت ص٤٠، ٧٠، ٧٣، ٨٩، الإكليل ١/ ٩٦٥، ١٠٦، ١١٦، ١١٨، الأغاني ٢/ ١٤٨، ١٥١٥. وكذا J. Halevy، Ja، Ii، ١٨٨٢.، P.٤٩٠ وكذا Ei، Ii، P.٦٥٥ وكذا J. Wellhausen، Op. Cit.، P.٤٠ وكذا R.A. Nicholson، A Literary History Of The Arabs، Cambridge، ١٩٦٢، P.Xx وكذا L. Della Vida، Pre-Islamic Arabia، Princeton، ١٩٤٤، P.٦
[ ١٤٢ ]
على أهل المدينة من أوس وخزرج، بسبب نصرتهم لرسول الله -ﷺ- وكأنها قد أصبحت نسبًا، مما ضايق بعض رجالات قريش، وبدأ شعراء المدينة يفخرون بأصلهم اليمني، وبأنهم من أقرباء الغساسنة وذوي رحمهم، كما استعملوا لفظة الأنصار في مقابل قريش ومعد ونزار١.
ومن عجب أن بعض النزارية في هذا الجو المحموم بالعصبية افتخروا بالفرس على اليمنية، وعدوهم من ولد إسحاق بن إبراهيم، ومن ثم فقد أصبح إبراهيم جد الفرس والعرب، ولم تكتف النزارية بذلك، بل زعمت أن هذا النسب قديم، معتمدين في ذلك على شعر نسبوه إلى شاعر جاهلي، وجاراهم الفرس في هذا الزعم، تقربًا إلى الحكومة وهي عدنانية، فضلا عن أسباب سياسية أخرى، لا شك أن منها إثارة العصبية البغيضة بين العرب أنفسهم، ويبدو أن العدنانيين لم يكتفوا بربط نسبهم بالفرس والإسرائيليين، وإنما ربطوه كذلك بالأكراد، حين نسبوهم إلى "ربيعة بن نزار بن بكر بن وائل.."، فكان رد القحطانيين أن جعلوا اليونان من ذوي قرباهم، بل إن الترك كذلك أصبحوا من حمير٢.
وعلى أن "ألويس موسل" إنما يرى أن أسطورة الأنساب هذه، إنما بدأت فيما قبيل الإسلام، ولما كان لليمن في الجاهلية مقام عظيم، فقد انتسب الكثيرون إلى اليمن، ثم جاء علماء الأنساب -متأثرين بالعوامل الآنفة الذكر- فسجلوها على أنها حقيقة واقعة٣.
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٤٨٣-٤٩٣، الأغاني ١٣/ ١٤٢، ١٤/ ١١٤-١٢٢، ٢٠/ ١١٧، الإكليل ١/ ١١٨، شمس العلوم ١/ ٢٧١، عبد الرحمن البرقوقي: شرح ديوان حسان بن ثابت ص٦، ٢٠٠. ٢ المسعودي: التنبيه والإسراف ص٧٥-٧٨، ٩٤-٩٦، مروج الذهب ١/ ١٧٨، ٢٦٦-٢٧٧، ٣٠٠، طه حسين: في الأدب الجاهلي ص١٢٣، الأغاني ١٧/ ٥٢، متخبات ص١٣، ٥٦، ٦٢، ٦٥، ٨٣-٨٤، ١٠٣ جواد علي ١/ ٣٩٦-٤٠٩، ابن خلدون ٢/ ١٨٤ وكذا J.Hastings، Op. Cit.، P.٢٣٥، ٣٨٦. وكذا Eb، P.١٣٣٣، ٢١٧٥ ٣ Alois Musil، Northern Nejd، New York، ١٩٢٨، P.٣١٨.
[ ١٤٣ ]