تقع شبه جزيرة العرب في مكان وسط من حيث المناطق المناخية والنباتية في العالم القديم، فإلى شرقها يقع الإقليم الموسمي الغني بإنتاجه الزراعي، وإلى غربها وشمالها يقع إقليم البحر المتوسط وما وراءه، وله لون خاص من الإنا الزراعي يختلف عن الإنتاج في الغقليم الموسمي، وبعبارة أخرى، تقع الصحراء العربية على أقصر طريق بين أغنى أقاليم العالم القديم التي تتفاوت في إنتاجها تفاوتًا كبيرًا، مما يؤدي إلى التبادل التجاري، ومن ناحية أخرى يملك البدوي وسيلة المواصلات الوحيدة في الصحراء -الجمل وخاصة المهري- وأخيرًا فالتجارة وسيلة ممتازة للاستفادة، أفضل بكثير من رحلاته التي يقوم بها بطبعه إلى هوامش الصحراء، لمبادلة حاصلاته بحاصلات الزراع المستقرين، أضف إلى ذلك كله، أن البدو يمكنهم عبور الصحراء في قوافل ذات أعداد كبيرة، تضمن الحماية والسلامة من الغارات في أثناء الطريق١.
وهكذا تكاملت الأطراف لإنشاء تجارة رابحة بين الإقليم الموسمي وبلاد الهلال الخصيب من ناحية، وبين جنوب غرب شبه الجزيرة العربية وجنوبها، ومصر ودول شرق البحر المتوسط من ناحية أخرى، أو بمعنى آخر، وجدت مناطق الإنتاج
_________________
(١) ١ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩٩.
[ ١١٧ ]
وأسواق الاستهلاك، والعرب الرعاة وإبلهم فيما بينهما وسطاء للتجارة، وهكذا نشأت الطرق والدروب الصحراوية لتسلكها التجارة، وأصبح جنوب غرب الجزيرة وجنوبها مركز إشعاع تخرج منه القوافل التجارية إلى الشمال -عبر مكة ويثرب- حتى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وحول خليج العقبة إلى مصر، وكانت موانئ الخليج العربي مركز الإشعاع الثاني للطرق والدروب الصحراوية، فمنه تخرج الطرق إلى غرب شبه الجزيرة وإلى جنوبها، وشمالها الغربي١.
لقد كان هناك مركزان تخرج منهما الطرق: جرها على الخليج العربي، ومدن الساحل الجنوبي الغربي، وقد سارت هذه الطرق كالآتي:
١- الطريق الجنوبي الشمالي:
من مأرب إلى البتراء، ويبدأ في الواقع من عدن وقنا في بلاد اليمن وحضرموت، ثم مأرب -على مبعدة ٨٠ ميلا إلى الشرق من صنعاء -ثم يتجه إلى نجران فالطائف، ثم مكة ويثرب وخيبر والعلاء ومدائن صالح، ثم ينفصل الطريق هنا ليتجه فرع منه إلى تيماء صوب العراق، ويستمر الفرع الآخر في نفس الاتجاه حتى البتراء فغزة ثم الشام ومصر.
٢- طريق مأرب -جرها:
ويتجه من مأرب ثم نجران، حيث يتجه إلى الشمال الشرقي في وادي الدواسر، ويمر بقرية "الفاو" -على مبعدة ٥٠ كيلو مترًا إلى جنوب نقطة يتداخل ويتقاطع فيها وادي الدواسر مع جبال طويق عند فوهة مجرى قناة تدعى الفاو، وتشرف على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي- ومن هناك يتجه إلى الأفلاج فاليمامة، أو عن طريق واحة يبرين -على مبعدة ٣٠٠ كيلو متر جنوب غرب الهفوف- ثم واحة الهفوف، فجرها "الجرعاء"٢، على ساحل الخليج العرب.
_________________
(١) ١ محمود طه أبو العلا: المرجع السابق ص١٢٤، ١٢٧. ٢ جرها: وقد ذكرها الهمداني باسم "جرعاء" وهي سوق لبني تميم في الإحساء، ومنذ قرن مضى رأى "شبرنجر" أن "Gerrha" إنما هي الجرعاء، وقد كانت قائمة بالقرب من ميناء العقير الحالي، وربما -فيما ترى إليزابيث مونرو -أنها تحت أنقاض مدينة من العصور الوسطى تسمى "تاج" Thag" هي الآن فيما وراء "جبير" "Gubair" -وربما الأصح الجبيل، وكانت تعرف قديمًا باسم عينان- والتي كانت تقع على بحيرة أو خليج، على أن دائرة المعارف البريطانية، إنما تتفق مع "جون فلبي" على أن جرها هي العقير نفسها، وأن هذا الاسم الجديد "العقير" قد احتفظ في بنيته بالاسم القديم "جرها" إذا أن هناك ثمة تقارب بين اسمي الجرعاء والعقير، والتي تسمى =
[ ١١٨ ]
٣- طريق جرها- البتراء:
ويبدأ من جرها ثم الهفوف، ثم إلى شمال اليمامة، عند موقع مدينة الرياض الحالية تقريبًا، ثم يتجه إلى الشمال الغربي، موازيًا لجبل طويق، ثم يتجه غربًا إلى بريدة، ومنها حائل فتيماء، وأخيرًا البتراء.
٤- ويرفد هذا، الطريق الرابع:
البحر العربي والمحيط الهندي والممالك العربية الجنوبية، وخاصة حضرموت ومنطقة عمان، ويبدأ من الخليج متجهًا شمالان بغرب مارًّا بمحاذاة الحدود الشرقية لنجد، فمنها بعدئذ، إما إلى الشمال في اتجاه العراق، وإما إلى بادية الشام.
٥- وأما الطريق الخامس:
فقد كان عبر الطرف الشرقي من الربع الخالي، ويبدأ من منطقة حضرموت وعمان متجهًا إلى منطقة اليمامة، صاعدًا إلى بلاد الشام أو العراق، حيث يلتقي بالطريق الشرقي وبفرع الطريق الغربي١.
وعلى أي حال، ففي القرن الأول الميلادي تحولت التجارة إلى البحر الأحمر، فاضمحلت أهمية هذه الطرق، وأصبح الطريق البحري هو المفضل، وأما أهم مواد تجار النقل في الصحراء، فكان كل ما خف حمله وغلا ثمنه، فمن الجنوب إلى
_________________
(١) = محليا "عجيز" وهي قريبة من منطقة "جرعة"، وأما الدكتور سليمان حزين، فالرأي عنده أن جرها هي القطيف وإن كان هناك من يرى أن جرها إنما تقع على مبعدة ١٥ ميلا إلى الشمال الشرقي من العقير، وقد حدد "سترابو" الجرعاء على مبعدة ٦٠ ميلا داخل اليابسة، بينما رأى "بليني" أنها تقع على الساحل. "انظر: الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص٢٨١، "طبعة الرياض ١٩٧٤"، فضلو حوراني: المرجع السابق ص٤٣-٤٤، إليزابيث مونرو: الجزيرة العربية بين البخور والبترول مجلة الدارة، العدد الأول ص٣٥-٣٦ عام ١٩٧٦، وكذا: بيتر بروس كورنول: البحث عن ماضي جزيرة العرب، ترجمة محمود محمد الشهاوي - القاهرة ١٩٥٣ ص٣٨. وكذا S.A. HUZAYYIN، ARABIA AND THE FAR EAST، CAIRO، ١٩٤٢، P.١٤٢ وكذا A. SPRENGER. DIE Alte Geographie Arabiens، Berlin، ١٨٧٥، P.١٣٥ وكذا G. Bibby، Lookinh For Dilmun، London، ١٩٧٠، P.٢٥٠ وكذا E. Monroe، Arabia، From Incense To Oil، Addarah، I، Riyadh، ١٩٧٦، P.١١ ١ عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن بعض المدن القديمة في شمال غربي الجزيرة العربية، مجلة الدارة، العدد الأول ١٩٧٥، ص٨٧، إليزابيث مونرو: المرجع السابق ص٣٥، محمود طه أبو العلا: المرجع السابق ص١٢٧. وكذا A. Amer، The Ancient Trans-Peninsular Routes Of Arabia، Cairo، ١٩٢٥، P.١٢٦-١٤٠
[ ١١٩ ]
الشمال يتحرك تبر الذهب والصمغ والعاج وريش النعام والبخور من اللبان والمر، ومن الشمال إلى الجنوب تتحرك الأقمشة والآلات والأدوات والمعادن والملح، أي الخامات من الجنوب والمصنوعات من الشمال١.
_________________
(١) ١ جمال حمدان: المرجع السابق ص١٠٠، وانظر: إليزابيث مونرو: المرجع السابق ص٢٨-٤٣، وانظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة، مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، العدد السادس، الرياض ١٩٧٦ ص٢٨٧-٤٣٧.
[ ١٢٠ ]