الفصل الحادي عشر: عصر الدولة الحميرية
يتميز هذا العصر من عصور التاريخ السبئي بأن الملوك قد حملوا فيه لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وهذا يعني أن حضرموت قد أصبحت من هذا العصر الرابع، جزءًا لا يتجزأ من مملكة سبأ، أما "يمنات" "يمنت" فهي لفظة جديدة لم تصل إلينا من قبل، ومنها -فيما يرى البعض- ولدت كلمة "اليمن" التي توسع مدلولها في العصور الإسلامية حتى شملت أرضين واسعة لم تكن تعد من اليمن فيما قبل الإسلام١، ومن ثم فقد قيل إن حدود اليمن إنما تقع بين عمان ونجران، ثم تلتوي على بحر العرب إلى عدن إلى الشحر، حتى تجتاز عمان فتنقطع عند بينونة، وقيل حد اليمن من وراء تثليث وما سامتها إلى صنعاء، وما قاربها إلى حضرموت والشحر وعمان إلى عدن أبين، وما يلي ذلك من التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله٢.
واليمن -في رأي آخر- اسم عام أطلق على السواحل الجنوبية٣، وهي -في رأي ثالث- كلمة عامة تشمل الأرضين الواقعة جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، من باب المندب وحتى حضرموت، وتتكون من عدة مخاليف، يحكمها أقيال وأذواء شبه مستقلين، إذ كانوا يخضعون لنفوذ "ظفار" أو "ميفعة"، ولعل أشهر مدنها "Oceiis" عند باب المندب "ميناء الجبانيين"، فضلا عن "عدن"
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٥٣١، ياقوت ٥/ ٤٤٧-٤٤٩، الهمداني: المرجع السابق ص٤٨. ٢ ياقوت ٥/ ٤٤٧. ٣ انظر فيما بعد ص٣٤٨-٣٤٩، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٦٠
[ ٢٩٩ ]
و"قنا" في حضرموت١، وهي -في رأي رابع- القسم الجنوبي من حضرموت، وقد كانت "ميفعة" عاصمة لها في ذلك الوقت٢.
ويذهب المسعودي إلى أن اليمن، إنما سمي يمنًا لأنه على يمين الكعبة، أو ليمنهن أو لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تيامن بعضهم يمين الشمس وهو اليمن٣، أو لأن الناس لما تكاثروا بمكة وتفرقوا عنها التأمت بنو يمن إلى اليمن، وهو أيمن الأرض، أو لأنها سميت يمنًا نسبة إلى يمن بن قحطان٤.
وعلى أي حال، فإن عصر الدولة الحميرية هذا، إنما تميز كذلك بأن لقب الملوك سرعان ما تغير مرة أخرى، فأصبح الواحد منهم يلقب بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات، وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، كما تميز كذلك بدخول اليهودية والمسيحية إلى بلاد اليمن، ومحاولة زحزحة الديانة الوثنية- والتي كانت تدور حول عبادة النجوم والكواكب والشمس- وقد بدأت المسيحية على المذهب المنوفيزي، القائل بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح، تأخذ طريقها من الشام إلى اليمن، وكانت بيزنطة تهدف من وراء ذلك أغراضًا سياسية أكثر منها دينية، فقد شجع الحميريون اليهودية، رغبة منهم في مقاومة المسيحية، دين عدوهم السياسي والاقتصادي٥.
ولعل من الأفضل هنا أن نتوقف قليلا -قبل الاستطراد في الحديث عن العصر الحميري- لنشير في اختصار إلى الحميريين أنفسهم:
كانت قبيلة حمير قبيلة قوية لها نفوذ كبير في العربية الجنوبية في أخريات أيام سبأ، وقبل ظهور المسيحية، ولهذا ظل اسمها يتردد دائمًا في كتابات المؤرخين الرومان وفي كتابات العرب، وأصبح اسمها صفة لكل ما يعثر عليه في جنوب شبه
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٥٣١ وكذا E. Glaser، Punt Und Die Sudarabischen Reiche، Mvg، ١٨٩٩، P.٩٩ ٢ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥٦ ٣ المسعودي: مروج الذهب ٢/ ٣. ٤ ياقوت ٥/ ٤٤٧، البكري ٤/ ١٤٠١، صبح الأعشي ٥/ ٦، اللسان ١٣/ ٤٦٢، ٤٦٤. ٥ محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٦٥.
[ ٣٠٠ ]
الجزيرة العربية، وصار اسم النقوش التي بدأ العلماء في حلها هو "النقوش الحميرية"، بل إن كلمة الحضارة الحميرية أصبحت علمًا على كل شيء في بلاد العرب قبل الإسلام١.
هذا وقد أطلق الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان على الحميريين اسم "Homeritai" "Omyritai "٢Hamiroei" "Omeritae"، هذا وقد اعتبر "بليني" الحميريين من أكثر الشعوب عددًا، وأن عاصمتهم هي مدينة "سيفار "٣Sapphar" "أي ظفار"، وقد جاءت في التوراة تحت اسم "سفار"٤، وهي مدينة في الداخل، على مبعدة مائة ميل إلى الشمال الشرقي من "المخا" وعلى الطريق إلى صنعاء، وقد احتلت في تلك الفترة مكانة "مأرب" عاصمة سبأ، و"قرناو" عاصمة معين، ولا تزال آثارها ماثلة للعيان على قمة تل مستدير بجوار بلدة "يرم" الحديثة٥
وهذا وقد عرف الحميريون عند الأحباش باسم "٦Hemet"، كما أشار "بليني" إلى مدينة دعاها "مسلة ٧Mesaia"- والتي رأى فيها "جلازر" المشالحة الحالية إلى الشرق من "مخا" -بينما ذهب "سبرنجر" على أنها "مأسل الجمع"، وأن المقصود بـ "Homeritae" هنا، جماعة أخرى دعاهم "Nomeritae" وأن التحريف إنما جاء من النساخ٨.
ويذهب صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" إلى أن الحميريين إنما كانوا يحكمون منطقة واسعة تمتد من ساحل البحر الأحمر وساحل المحيط حتى حضرموت، فضلا عن ساحل "عزانيا" الأفريقي، وأن ملكهم، كان يسمى
_________________
(١) ١ أحمد فخري: المرجع السابق ص١٢٦. ٢ جواد علي ٢/ ٥١٠، وكذا Pliny، Vi، ٢٨ ٣ Ei، ٢، P.٣١٠، ٣، P.٢٩٢. وكذا Pliny، Vi، P.١٠٤ وكذا Zdmg، ٣١، ١٨٧٧، P.٦٩. وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٢٩، ٤٣٨ ٤ تكوين ١٠: ٣٠. ٥ P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٥٦ ٦ جواد علي ٢/ ٥١٠-٥١١. وكذا Le Museon، Lxxvii، ٣-٤، ١٩٦٤، P.٤٢٩ ٧ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٤٦. وكذا Pliny، Vi، ٣٢، ١٥٨ ٨ Pliny، Vi، Xxxii، ١٥٨. وكذا E. Glaser، Op. Cit.، Ii، P.١٣٧
[ ٣٠١ ]
"كرب إيل" وأن ظفار كانت عاصمة لهم ١، وأن اسمهم قد جاء في ألقاب "عيزانا" ملك أكسوم، حيث نقرأ في لقبه "ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة والسبئيين وصلح وتهامة٢"، ومن الغريب أن الكتاب المسيحيين والبيزنطيين إنما عدوهم من القبائل الحبشية٣.
وقد شغل الحميريون في الكتب العربية صفحات، ربما كانت أكثر مما شغلته بقية دول العربية الجنوبية مجتمعة، وقد نسبوهم إلى "زيد" الذي لقبوه "حمير" ثم جعلوه ابنا لسبأ، فهو -فيما يزعمون- "حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٤، وأنه أول من توج بالذهب، وقد ورث أباه في عرشه- ولمدة خمسين عامًا على رأي، وخمسة وثمانين على رأي أخر- وأنه في أثناء ذلك مد حكمه إلى حدود الصين، كما أخرج ثمودًا من اليمن إلى الحجاز، وأنه عاصر الخليل ﵇ "أو على الأقل هو في درجته من النسب"، ومن ثم فهو الذي سير جرهما إلى الحرم وأرض الحجاز، حيث التقوا بهاجر وولدها إسماعيل الذي تزوج منهم، وهكذا ذهب بعض الإخباريين إلى أنه إنما كان قبل عاد وثمود بدهور طويلة، فضلا عن أنه هو الذي بنى سد مأرب، أو أكمله بعد أبيه سبأ، ثم مات بعد عمر طال إلى ثلاثة قرون كاملة، تاركًا وراءه بنين كثيرين، وإن رأى البعض أنهم ستة تفرعت منهم قبائل حمير، والتي لم يربط الود بينها، بقدر ما دقت طبول الحرب، ويضيف البعض إلى ذلك، أنه لما مات وثب أخوه "كهلان" على الملك فاغتصبه، ولكن أبناء حمير سرعان ما استردوه، ومن ثم فقد بقيت "كهلان" على الحدود، فيما يلي الصحراء٥.
_________________
(١) ١ Ei، ٢، P.٣١٠ ٢ فريتز هومل: التاريخ العربي القديم ص١٠٨. ٣ Ei، ٢، P.٣١٠ ٤ ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ١٥٧، ابن حزم: المرجع السابق ص٣٢٩، ٤٣٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٠، تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٥، مروج الذهب ١/ ٤٨، المعارف ص٢٧١، ياقوت ٢/ ٣٠٦-٣٠٧، أبو الفداء ١/ ٦٦. ٥ تاريخ ابن خلدون ٢/ ٤٧، الإكليل ١/ ٩٨-٢-١، تاريخ اليعقوبي ١/ ٥٩، تفسير روح المعاني ٢٢/ ١٢٦، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢-١٨، محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٦٦، وقارن: تفسير البيضاوي ٢/ ٢٥٩، تفسير القرطبي ١٤/ ٤٨٦، تفسير الفخر الرازي ٢٥/ ٢٥١، تفسير الطبري ٢٢/ ٧٨-٨٠.
[ ٣٠٢ ]
وأما لماذا سمي باسمه هذا؟ فالجواب عند بعض الأخباريين، لأنه كان يلبس حلة حمراء، وإن وقف البعض الآخر موقفًا محايدًا إزاء هذه التفسيرات، فرأى أن هذه الأسماء مثل حمير -وكذا اسمه الآخر العرنج أو العرنجج- لا نقف لها على اشتقاق، لأنها قد بعدت قدم العهد بمن كان يعرفها١.
وبدهي أن هذه الروايات لا شك أن الكثير منها، إنما هو أقرب إلى الأساطير منه إلى حقائق التاريخ، وأن حمير -إن كان هناك من يدعى حمير- لم يمد حدوده إلى الصين؛ ذلك لأن التاريخ لا يعرف أن العرب قد وصلوا إلى تلك البلاد غزاة فاتحين، طوال تلك العصور الغابرة، وإني لأظن -وليس كل الظن إثمًا- أن هؤلاء الكتاب الإخباريين إنما كانوا متأثرين بالفتوحات الإسلامية في تلك المناطق، فخيل إليهم أن للأمر سوابق خلت، فإذا كان ذلك كذلك، فتلك مأساة، إذ يصبح الإخباريون بعيدين عن تلك الروح التي تمت بها الفتوح الإسلامية، والتي لم ولن يعرف التاريخ لها مثيلا، وذلك حين خرج المسلمون من بلاد العرب ينشرون التوحيد والهداية والنور في جميع أنحاء الدنيا، لا يبغون من وراء ذلك بلادًا يستعمرونها، أو إمبراطورية يتربعون على عرشها، أو أسلابا يغنمونها، وإنما كانوا يبغون أولًا وأخيرًا، وجه الله، وهداية الناس -كل الناس- إلى الإسلام، دين الله الحنيف.
والأمر كذلك بالنسبة إلى إخراج ثمود من اليمن إلى الحجاز؛ ذلك لأن الثموديين٢ -كما تدل آثارهم- إنما كانوا أصلا من شمال بلاد العرب، وليس من جنوبها، وقد انتشرت آثارهم في مناطق واسعة، امتدت من الجوف شمالا، إلى الطائف جنوبًا، ومن الأحساء شرقًا، إلى يثرب فأرض مدين غربًا، وفي المسالك المؤدية إلى العقبة والأردن وسورية، ولعل في هذا تفسيرًا لذكر القرآن الكريم لهم دون غيرهم من شعوب بلاد العرب، ممن هم كانوا أكثر منهم شهرة في مجال التجارة أو المدنية أو القوة، كالديدانيين والأنباط واللحيانيين٣، فضلا
_________________
(١) ١ اللسان ٤/ ٢١٥، الاشتقاق ٢/ ٥٢٣. ٢ انظر عن "الثموديين" الفصل السابع من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"، ومقال: الدكتور خالد الدسوقي "قوم ثمود بين روايات المؤرخين ومحتويات النقوش"، مجلة كلية اللغة العربية، العدد السادس -الرياض ١٩٧٦، والفصل الخامس من كتابنا هذا. ٣ أحمد حسين شرف الدين: اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام ص٦١.
[ ٣٠٣ ]
عن العظة من قصة النبي الكريم سيدنا صالح ﵇، هذا إلى أن الثموديين إنما كانوا يقيمون في شمال بلاد العرب في القرن الثامن ق. م، كما تدلنا على ذلك النصوص الآشورية١، بينما نحن الآن نتحدث عن حمير في فترة تقرب من الميلاد بقليل أو كثير، وأما أنه كان في عصر إبراهيم ﵇، فتلك مبالغة، بخاصة إذا ما علمنا أن الخليل كان يعيش في الفترة "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"٢، والأمر كذلك بالنسبة لمن جعلوه قبل عاد وثمود، وكذا بالنسبة إلى الفترة التي عاشها في هذه الدنيا.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى لقب "تبع" -وجمعه التبابعة- والذي ظهر في تلك الفترة، من تاريخ اليمن القديم، وهو لقب مجهول الأصل كان يطلق على الملوك٣، ومن ثم فقد أصبح المؤرخون والمفسرون في حيرة من تفسير المراد به، فهناك من يرى أن الملوك قد سموا به لأنهم إنما كانوا يتبعون بعضهم البعض الآخر في الملك وفي السيرة، وهناك من يرى أن "التبع" ملك يتبعه قومه ويسيرون تبعًا له، أو لكثرة أتباعه أو من التتابع٤، ولست أظن أنهم كانوا في ذلك يختلفون عن غيرهم من الملوك، فالملكية بطبيعتها نظام وراثي، ثم إن الملك إنما يتبعه قومه، لأنه صاحب الأمر فيهم، كما أن أتباعه لا بد وأن يكونوا من الكثرة بحيث يكونون ممكلة.
وهناك من يفرق بين لقب "تبع" ولقب "ملك"، فذهب إلى أن اللقب الأول لا يلقب به إلا من يملك اليمن والشحر وحضرموت، وقيل حتى يتبعهم "بنو جشم بن عبد شمس"، فإن لم يكن كذلك فهو ملك، وليس تبعًا٥، وأن أول من حمل لقب "تبع" إنما كان "الحارث بن ذى شم" "الرائش"، وأن هذا اللقب قد استمر حتى زال سلطانهم حين استولت الحبشة على اليمن٦، ولعلهم في هذا
_________________
(١) ١ انظر: Anet، P.٢٨٧ وكذا A. Van Den Branden Histoire De Thamoud، وكذا Les Textes Thamoudeens De Philby، ١٩٥٦، وكذا Les Inscriptions Thamoudeens، ١٩٥٠. ٢ انظر عن عصر إبراهيم كتابنا إسرائيل ص١٧١-١٧٧. ٣ تفسير القرطبي ١٦/ ١١٤، الإكليل ٨/ ٦٩-٧٠، وكذا F. Hommel، Explorations In Arabia، P.٧٢٧-٤١ ٤ تاج العروس ٥/ ٣٨٧، اللسان ٨/ ٣١، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٠-٥١، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٧٧. ٥ ابن كثير ٢/ ١٥٩، تاج العروس ٥/ ٢٨٧، الإكليل ٢/ ٥٥. ٦ صبح الأعشي ٥/ ٤٨٠.
[ ٣٠٤ ]
إنما يقصدون أن لقب "تبع" إنما هو أعظم من لقب "ملك"، ومن ثم فإنهم في هذا لم يجانبوا الصواب كثيرًا بالنسبة إلى تاريخ اليمن، فلقد رأينا من قبل -كما في أربع وسمعاي وغيرهما- كثيرًا من مشايخ القبائل والمشيخات الصغيرة، الذين انتحلوا لقب "ملك"، دون أن يكون لديهم شيئًا من مقومات الملكية المعروفة.
على أن أسوأ ما في الأمر، مبالغة الأخباريين فيمن أرسلهم الله، ﷾، من المصطفين الأخيار للتبابعة، فيذهب البعض منهم إلى أنهم كانوا اثني عشر ألف نبي، وإن تواضع البعض، فجعلهم ثلاثة عشر نبيًّا١، وأن واحدًا من التبابعة قد صنع "الماذيات" من الحديد، قيل إن الحديد إنما قد سخر له، شأنه في ذلك شأن داود عليه السلام٢.
هذا وقد تحدث القرآن الكريم عن التبابعة، فقال ﷾: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٣، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٤، إلا أن القرآن الكريم لم يحدد اسم هذا آل "تبع"، ومن ثم فقد اختلف المفسرون فيه، فرأى بعضهم أنه من حمير، وأنه حَيَّرَ الحيرةَ، وأتى سمرقند فهدمها، وذهب بعض آخر إلى أن "تبعًا" إنما كان رجلا صالحًا من العرب، وإنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك؛ لأنه فارق دينهم، وانتهى الأمر بأن تحاكموا إلى النار، فانتصر الرجل على قومه الوثنيين، ومن ثم فقد تهودت حمير، وهدم تبع "بيت رئام"٥، على أن الرواية نفسها، إنما رويت كذلك عن "تبان أسعد أب كرب"٦ وعلى أي حال فإن هناك من يروي عن مولانا وسيدنا رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ ابن كثير ٢/ ١٥٩. ٢ تفسير ابن كثير ٤/ ١٤٢، تفسير الطبرسي ٢٥/ ١١٥، تفسير الخازن ٤/ ١١٥، اللسان ٨/ ٣١. ٣ سورة الدخان: آية ٣٧، وانظر تفسير الطبري ٢٥/ ١٢٨-١٢٩ طبعة الحلبي ١٩٥٤، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٤-١٤٧ دار الكاتب العربي - القاهرة ١٩٦٧ تفسير البيضاوي ٢/ ٣٧٦-٣٧٧ طبعة الحلبي ١٩٦٨. ٤ سورة ق: آية ١٤. ٥ تفسير الطبري "٢٥/ ١٢٨-١٢٩، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٧٦-٣٧٧، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٦، تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي" ٢/ ٣٧٦، ٤١٤، قارن ملوك حمير وأقيال اليمن ص١١٣. ٦ ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ١٦٤-١٦٦.
[ ٣٠٥ ]
وسلم- أنه قال: "لا تسبوا تبعًا فإنه كان قد أسلم" ١. ومن يروي أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قال: "ما أدري أكان تبعٌ نبيًّا أم غير نبي"٢.
ولعل من الغريب أن نصوص المسند لم يرد فيها ذكر لكلمة "تبع"، بمعنى "ملك"، أو حتى بمعنى آخر يفيد معنى الرياسة، وإنما كان القوم يستعملون بدلا عنها كلمة "ملك"، ومن ثم فقد ذهب بعض العلماء إلى أن كلمة "تبع"، ربما كان المقصود بها "بتع" -وهو اسم لقبيلة همدانية٣- ثم حرفت الكلمة إلى "تبع"٤، على أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى هذا الاتجاه، فقد تكشف الحفريات عن نصوص ترد فيها هذه اللفظة بالمعنى المتعارف عليه، أو بمعنى آخر.
وأما موطن الحميريين، فقد كان إلى الشرق من القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، حيث يكون جزءًا من أرض قتبان، فيقع إلى الجنوب من أرض "رشاوي" و"حبان" وإلى الغرب من حضرموت، وإلى الشرق من "ذياب" وتكون أرض "يافع" الموطن القديم للحميريين قبل هجرتهم حوالي عام ١٠٠ قبل الميلاد، إلى مواطنهم الجديدة، حيث حلوا في أرضين" "دهس"،"رعين" مكونين حكومة "ذي ريدان"، ومتخذين من "ظفار" عاصمة لهم، وأما المصادر العربية فيفهم منها أن الحميريين إنما كانوا يقطنون منطقة "لحج" في ظفار، وفي "سرو حمير" و"نجد حمير٥".
ورغم أن هناك من يرى أن الحميريين فرع من السبئيين٦، أو على الأقل يمتون إليهم بصلة قوية، وأن لغتهم ليست إلا لهجة من لغتي سبأ ومعين٧، فإن
_________________
(١) ١ ابن كثير ٢/ ١٦٦، تفسير الطبري ٢٥/ ١٢٨-١٢٩، ٢٦/ ٩٧، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٤-١٤٦، قارن: ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢٢. ٢ تفسير البيضاوي ٢/ ٣٧٧، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٤-١٤٧، تفسير النيسابوري "حاشية على تفسير الطبري" ٢٥/ ٨٦، قارن: تفسير الطبري ٢٥/ ١٢٩-١٢٩. ٣ انظر عن قبيلة بتع: جواد علي ٢/ ٤٠٧-٤٠٩. ٤ Ency. Of Islam، ٢، P.٣١١ ٥ جواد علي ٢/ ٥١٨-٥٢٠، وكذا Ei، ٢، P.٣١٠ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٤٨، ٦٦، ٧٣ ٦ جرجي زيدان: المرجع السابق ص١٢٦. ٧ P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٥٦
[ ٣٠٦ ]
العلاقات بين سبأ وحمير كان يسودها طابع العداء في أغلب الأحايين، وكثيرا ما أشارت الكتابات السبئية إلى ذلك١.
وعلى أي حال، فهناك ما يشير على أن الحميريين قد استولوا على مأرب -العاصمة السبئية العتيقة-، وربما استغلوا فرصة الضعف التي سادت البلاد في أعقاب حملة "إليوس جالليوس" الفاشلة، على رأي، وفي حوالي عام ١١٠م، على رأي آخر، ومن ثم فقد غير أحد ملوكهم-مجاراة، وربما منافسة لملوك سبأ الشرعيين- لقبه من "ذي ريدان" إلى "ملك سبأ وذي ريدان"، وأعادوا إليه لقبه ونفوذه، وإن ظل الحميريون محتفظين بلقبهم الجديد، ومن ثم فقد رأينا ملكين -الواحد سبئي والآخر حميري- وكل منهما يزعم أنه "ملك سبأ وذي ريدان"٢، هذا ويذهب "فون فيسمان" -اعتمادًا على نقش جام ٦٥٣- إلى أن الحميريين قد أعادوا الكرة واستولوا على مأرب مرة أخرى، حوالي عام ٢٠٠م، أو عام ٢١٠م٣.
وأما أول من حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات" فهو "شمر يهرعش" حوالي عام ٢٩٠، ويبدو أن الرجل قد اتصل بالحكم منذ أيام أبيه "ياسر يهنعم"، كما تشير إلى ذلك نصوص كثيرة، ومنها نص يرجع إلى عام ٢٧٦م، كما تدلنا كذلك النصوص التي ترجع إلى أيام أبيه، على أنه قد شارك في الحرب التي نشبت في تلك الفترة.
ويحتل "شمر يهرعش" في قصص الأخباريين مكانة قد تفوق مكانة أبيه، فهو عندهم "تبع" الذي جاء ذكره في كتاب الله الكريم، لأنه "لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه، فكان جميع العرب -بنو قحطان وبنو عدنان- شاكرين لأيامه، وكان أعقل من رأوه من الملوك، وأعلاهم همة وأبعدهم غورًا، وأشدهم مكرًّا لمن حارب، فضربت به العرب الأمثال"٤.
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥١ ٢ جواد علي ٢/ ٥٢٠، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥١ ٣ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٨ ٤ وهب بن منبه: كتاب التيجان في ملوك حمير ص٢٢٢.
[ ٣٠٧ ]
ويزعم الأخباريون أن صاحبنا "شمر يهرعش"، علم أن الصفد والكرد وأهل نهاوند ودينور، قد هدموا قبر أبيه "ناشر النعم" فأقسم "ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلا منيفًا شامخًا كما كان"، وهكذا زحف بجيوشه إلى أرمينية وهزم الترك وهدم المدائن بدينور وسنجار، ودخل مدينة الصفد وراء جيحون وهدمها فسميت "شمركند" -أو "شمر كنداي" عند الفرس، من "شمر" أي خرب، في زعمهم- ثم عربت إلى سمرقند، أو لأن شمر هدمها، ثم أمر ببنائها فسميت به١.
ويبلغ الخيال بالإخباريين، حين يزعمون أن "شمهر يهرعش"- أو شمر يرعش كما يدعونه٢، قد وصل بفتوحاته إلى الصين، وأنه ترك هناك بعضًا من جنوده، ثم ينتقلون به فجأة من الصين إلى مصر فالحبشة، ثم يعودون به مرة ثانية إلى المشرق، حيث يقيم فترة في مدينة "شداد بن عاد"، التي لا ندري عنها شيئًا، وأخيرًا يعودون به إلى اليمن، فيقيم في قصر غمدان، وبعد ذلك كله، لا يرضى له الإخباريون إلا بملك الأرض كلها، وإلا بعمر لا يقل عن ألف وستين عامًا٣.
هذا إلى أن الرجل -فيما يزعمون- كان أول من أمر بصناعة "الدروع السوابغ المفاضة التي منها سواعدها وأكنها وهي الأبدان"، فضلا عن آلاف الدروع التي فرضها على الفرس والروم واليمن، وكذا على بابل وعمان والبحرين، ولم ينس الإخباريون أن يتحدثوا عن حكمته وشعره، بل إن البعض منهم قد ذهب به الخيال إلى الحد الذي رأى في أهل التبت، وكأنهم بقية من جنود شمر يهرعش، فزيهم زي العرب، وأخلاقهم أخلاق العرب، وهم معترفون بأنهم من العرب ثم من اليمن٤.
_________________
(١) ١ وهب بن منبه المرجع السابق ص٢٢٣، أخبار عبيد بن شريه ص٤٢٩، البكري ٣/ ٧٥٤-٧٥٥، ياقوت ٣/ ٢٤٧، قارن: ملوك وأقيال اليمن ص٩٣-٩٤. ٢ يروى الأخباريون أنه سمي "يرعش" بسبب ارتعاش مسه من شرب الخمر، أو لأنه أصابه الفالج في آخر عمره فكان يرتعش منه، أو لأنه كان "يرعش" "بضم الياء وكسر العين" كل من رآه هيبة "انظر: وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢٢٠، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٩٣". ٣ ياقوت ٣/ ٢٤٧، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٢، وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢٢٢-٢٣٦، ملوك حمير وأقيال اليمن ص٩٤-٩٥. ٤ نشوان الحميري المرجع السابق ص٩٣، وهب بن منبه، المرجع السابق ص، الإكليل ص٢١١.
[ ٣٠٨ ]
وبدهي أن كل هذا من اختراع، "ابن منبه" ومن نحا نحوه من الأخباريين، فليس في آثار اليمن نفسها -والتي ترجع إلى عهد شمر يهرعش- ما يدل على ذلك، كما أن الأمم الأخرى التي تحدث عنها الإخباريون، وكأنها قد خضعت له، لم يعرف تاريخها حتى اسم "شمر يهرعش" هذا، بل إن النصوص لتشير إلى أن "امرأ القيس بن عمرو" ملك الحيرة، قد هدد "شمر يهرعش في دولته ذاتها، حتى أن قواته قد وصلت إلى نجران، كما سوف نشير فيما بعد، ومع ذلك فربما كانت هذه الروايات عن فتوحاته في المشرق والمغرب، إنما هي تعبير عن أصداء فتوحاته في اليمن في سبيل توحيدها تحت سلطانه١.
وعلى أي حال، فالرجل عظيم ما في ذلك من شك، وأنه أدى دورًا من أهم الأدوار في تاريخ اليمن القديم، ما في ذلك من شك كذلك، وأن الأحداث التي ترجع إلى أيامه، إنما تدل بوضوح على أنه كان كذلك، ولعل من الأفضل لنا أن نقسمها إلى قسمين، الواحد: يتصل بالفترة التي كان يلقب فيها بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، والآخر: يرجع إلى تلك الفترة التي حمل فيها لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات".
وهناك من الفترة الأولى نقش عرف بـ "جلازر ٥٤٢"ويتصل بالتشريعات الخاصة بأهل مأرب ومجاوراتها، فيما يتصل ببيع المواشي والرقيق، فلقد حددت تلك التشريعات فترة شهر يصبح بعدها البيع نهائيًّا، كما حددت كذلك فترة تتراوح ما بين عشرة أيام وعشرين يومًا يجوز فيها رد المبيع للبائع، فإن هلك الحيوان بعد أيام سبعة من شرائه، وجب على المشتري دفع ثمنه كاملا٢.
ويشير نص "شرف الدين ٤٢" أن واحدًا من قواد "شمر يهرعش" "لعله ريمان ذو حزفر"، قد غزا مناطق على ساحل الخليج العربي كانت تخضع وقت ذاك لفارس، وأعني بذلك قبائل تنخ أو تنوخ في الإحساء الحالية، وقطو، أي القطيف
_________________
(١) ١ سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص١٩٦. ٢ جواد علي ٢/ ٥٤٠-٥٤١، وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.١١٠
[ ٣٠٩ ]
في الوقت الحاضر١، إلا أن مكتشف النص- الزميل الأستاذ أحمد حسين شرف الدين- يذهب إلى أن الملك "شمر يهرعش" نفسه، هو الذي قاد جيشه إلى الشمال، فعبر بلاد الأزد، واجتمع مع ملكها "مالك بن الكلاع"، ثم سار إلى الشمال حتى بلغ "قط وصف" و"كوك" حاضرتي مملكة فارس وأرض تنوخ٢، وفي هذا الوقت كان "أذينه" ملك تدمر، يقوم بحملاته ضد "سابور الأول" ٢٤١-٢٧٢م" ملك فارس، وحاصر المدائن "طيسفون" التي أشير إليها في النص الآنف الذكر باسم "قط وصف"، ومن ثم فربما استعان "أذينة" -الموالي للروم- بالملك "شمر يهرعش" في محاربة الفرس الذين تغلبوا على الروم في معركة "اديسا" عام ٢٦٠م٣.
وعلى أي حال، فإننا نستطيع أن نستنتج من النص عدة نتائج، منها "أولًا" أن شمر يهرعش يجب أن يكون -طبقًا لرواية الأستاذ شرف الدين- قد بدأ حكمه قبل عام ٢٦٠م٤، ومنها "ثانيًا" أنه لابد وأن يكون على علاقات طيبة بأعراب "نجد" -وبخاصة سادة كندة- ذلك لأن أعراب نجد هؤلاء كانوا يقيمون وقت ذاك في الخرج والأفلاج، كما أن الأخيرة كانت تعد من مواطن كندة منذ أيام "شعر أوتر" في حوالي عام ١٨٠م، وحتى أيام "الشرح يحصب" الثاني في حوالي عام ٢١٠م -طبقًا لتقدير فون فيسمان- كما أن "بليني" قد تحدث عن "آل ثور في عين الجبل"، و"آل ثور" هم "كندة فيما يرى الأخباريون٥، ومنها "ثالثًا" لعل هذه الأحداث ربما كانت هي السبب في أن الروايات العربية ذهبت إلى أن الرجل قد غزا فارس، وإن كانت هذه الروايات قد بالغت بدرجة غير مقبولة، حتى غدت أقرب إلى القصص منها إلى حقائق التاريخ، بخاصة وأن هناك من يعتبر الحملة إنما كانت مهمة سياسية أكثر منها حربية٦.
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٧. وكذا Le Museon، ١٩٦٧، ٣-٤، P.٥٠٥، ٥٠٨ ٢ A.H. Sharafaddin، Selscted Arabic Inscriptions، P.٣١ ٣ أحمد حسين شرف الدين: اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام ص٤٣. ٤ نفس المرجع السابق ص٤٤-٤٥. ٥ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٧-٨٨. وكذا Pliny، Vi، ١٥٨ ٦ مظهر علي الإرياني: المرجع السابق ص٩١.
[ ٣١٠ ]
وأيًّا ما كان الأمر، فإننا نقرأ في نقش "Cih ٤٠٧" عن حرب شنها "شمر يهرعش" على قبائل تهامة في غربي اليمن، والتي شملت عسير وصبية -بين بيش ووادي سهام -وأن جيوش الملك الحميري قد انتصرت على هذه القبائل برًّا، ثم سرعان ما طاردتهم في البحر، حيث أوقعت بهم خسائر فادحة، وربما كان ذلك يشير إلى أن أولئك المهزومين إنما كانوا من الأحباش الذين كانوا يحكمون ساحل تهامة، وأن المعركة إنما دارت في البحر الأحمر١، وأن "شمر يهرعش" قد استعان بقبيلة "سردود" في قتالهم، وأن هذه المعارك ربما كانت السبب في تدخل الأكسوميين مرة أخرى في شئون العربية الجنوبية، كما يفهم من دراسة النقود، وإن كانت النقوش لا تقدم لنا عونًا في تفهم الأحداث وقت ذاك٢، وأخيرًا فهناك نصوص أخرى، ومنها "جام ٦٤٩-٩٥١-٩٥٣"، تشير إلى حروب انتصر فيها "شمر يهرعش" على المناوئين لحكمه٣.
وفي النصف الثاني من عهد "شمر يهرعش" نرى أن الملك الحميري يطلق على نفسه لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، ويدل هذا اللقب الجديد على أن "شمر يهرعش" قد استولى على حضرموت، أو على الأقل على الجزء الأكبر منها٤، أما يمنات -فكما أشرنا من قبل- ربما كانت اسمًا عامًا أطلق على السواحل الجنوبية٥، وربما كانت الأرضون التي تكون القسم الجنوبي من مملكة حضرموت، ويعتمد "فون فيسمان" -في رأيه هذا- على وجود عاصمتين لحضرموت وقت ذاك، الواحدة "شبوة"، والأخرى "ميفعة"، مما يدل على انقسام الدولة إلى قسمين، شمالي ويدعى حضرموت، وجنوبي ويدعى "يمنات" "اليمن"٦.
هذا وقد حكم "شمر يهرعش" في الفترة" ٢٧٠-٣١٠م"٧، وإن كان
_________________
(١) ١ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١١٩ وكذا Ra، Xxxv، ١٨٩٩، P.٢٥ وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٦٩ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٥. وكذا Rep، Epig، ١٨٩، I، Iii، P.١٥٠ ٢ عبد المجيد عابدين: المرجع السابق ص٣٢-٣٣. ٣ A. Jamme، Op. Cit.، P.١٥١-١٦٠، ٣٦٩ وكذا: جواد علي ٢/ ٥٤٢-٥٤٧. ٤ عبد المجيد عابدين: المرجع السابق ص٣٢، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٥ ٥ P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٦٠ ٦ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٥ ٧ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٣٩٥.
[ ٣١١ ]
"فون فيسمان" يذهب إلى أن النصف الثاني من عهده، إنما كان في الفترة "٢٨٥-٢٩١"، أو في الفترة "٣١٠-٣١٦م"، وأنه كان يعاصر "امرأ القيس بن عمرو" ملك الحيرة "٢٨٨-٣٢٨م" وصاحب نقش النمارة١، والذي أخضع عدة قبائل منها "مذحج ومعد وأسد ونزار"، حتى وصل إلى نجران٢.
ولعل من الأفضل هنا أن نعود إلى النص نفسه، حيث نقرأ "تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج، وملك الأسدين ونزار وملوكهم، وهرب محجو عكدي وجا بزجي في حبج نجرن مدينت شمر، وملك معدو، وبين بنيه الشعوب، ووكلهن فرسو لروم، فلم يبلغ ملك مبلغه، عكدي هلك سنت ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول، بلسعد ذو ولده".
وترجمته إلى لغة مفهومة قد تكون على النحو التالي: "هذا جسمان امرئ القيس بن عمرو ملك العرب جميعًا، الذي عقد التاج وملك قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وصد بني محج؟ حتى اليوم، وجاء بنجاح إلى حصار نجران عاصمة شمر، وملك قبيلة معد، وقسم على أبنائه الشعوب، وجعلها فرسانًا للروم، فلم يبلغ ملك مبلغه حتى اليوم، ومات سنة٢٢٣، يوم ٧ من شهر كسلول، السعادة لأولاده"٣.
ومن أسف أن النص لا يشير إلى بقية "اسم "شمر" صاحب مدينة نجران، لنعرف من كان "شمر" هذا، وإن كان قد أشار إلى أن قتالا دار حول نجران بين قوات امرئ القيس وقوات شمر، وأن النصر كان من نصيب الأولين، فإذا كان صحيحًا ما ذهب إليه "فون فيسمان" من أن "شمر يهرعش" كان يعاصر امرئ القيس ملك الحيرة، فإن هذا يعني -فيما يرى الدكتور جواد علي- أن بلاد العرب
_________________
(١) ١ نقش النمارة: اكتشف هذا النقش "رينيه ديسو وفردريك ماكلر" عام ١٩٠١م، على مبعدة كيلو متر واحد من النمارة، القائمة على أنقاض مخفر روماني شرقي جبل الدروز، وهو في خمسة أسطر محفورة على حجر من البازلت على قبر امرئ القيس المتوفى في ٧ ديسمبر ٣٢٨م، وموجودة الآن بمتحف اللوفر في باريس، وواضح أن كاتبه نبطي، فالخط المستعمل هو الخط النبطي، واللغة العربية المستعملة تعرضت هي أيضًا لتحريفات نبطية. ٢ جواد علي ٢/ ٥٤٨، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٥٦، ٤٨٦ وكذا F. Altheim، Geschichte Der Hunnen، I، ١٩٥٩، P.١٢٧ وكذا Rep، Epig، ٤٨٣ ٣ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٦٥-١٦٦.
[ ٣١٢ ]
كانت في أوائل القرن الرابع الميلادي ميدانًا للتسابق بين هذين الرجلين القويين، وأن العرب قد انقسموا إلى حزبين: عرب شماليين، وعرب جنوبيين، وأن امرأ القيس، كان قد توغل في بلاد العرب حتى بلغ نجران، وأعالي العربية الجنوبية، وأخضع القبائل العربية المذكورة في النص، التي يرى النسابون أنها قبائل عدنانية في غالبيتها، وأن وصول امرئ القيس إلى حدود العربية الجنوبية من ناحية الشمال، قد جعله وجهًا لوجه أمام "شمر يهرعش"، ومن ثم فقد بدأ النزاع بين الرجلين١.
وعلى أي حال، فليس بعيدًا أن يحدث صدام بين امرئ القيس وشمر يهرعش، أو بأي ملك آخر يملك نجران، ما دام الأول قد حكم قبائل معد التي تسكن الحجاز ونجد، وتتصل منازلها بتخوم نجران، وقد خضعت معد لنفوذ الحيرة، لأن نص شمعون من "بيت رشام" يذكر الأعراب الشماليين والمعديين في معسكر المنذر الثالث ملك الحيرة، والأمر كذلك بالنسبة إلى نص "مريغان"٢.
هذا وقد استدل بعض الباحثين من نص "ريكمانز ٥٣٥" أن "مر القيس بن عمرو ملك خصصتين" إنما هو "امرؤ القيس البدء" ملك الحيرة، كما أن هناك من يرى أن "شمر ذي ريدان" المذكور في النص، إنما هو "شمر يهرعش"، اعتمادًا على ورود الاسمين "شمر ذي ريدان، وشمر يهرعش" في وثيقتين مدونتين في معبد الإله المقة بأوام في مأرب، ومؤرختين بسنتي "تبع كرب بن ودد إل بن حزفر"، الثالثة والسادسة، ومن ثم فإن "مالك" ملك كندة كان معاصرًا لكل من امرئ القيس وشمر يهرعش٣، وبالتالي فإن هذه النتائج تتعارض وما ذهب إليه الأستاذ "شرف الدين" من أن "شمر يهرعش" قد حكم قبل عام ٢٦٠م، وأنه ساعد "أذينة" ملك تدمر في حروبه ضد الفرس٤- كما أشرنا من قبل-
وأيًّا ما كان الأمر، فإننا لا نملك دليلا على أن حربًا دارت رحاها بين امرئ القيس ملك الحيرة، وشمر يهرعش، غير أن نص "جام ٦٥٨"، فيما يرى البعض،
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٥٤٩، وكذا Oriens Antiques، Iii، ١٩٦٤، P.٨١، ٢ جواد علي ٢/ ٥٤٩، وكذا F. Altheim And R. Stiehl، Op. Cit.، Ii، P.٣٢١ ٣ J. Pirenne، Op. Cit.، P.٣٠، ١٦٦، ١٦٨ وكذا Le Museon، ٦٩، ١٩٥٦، P.١٣٩ وكذا A. Altheim And R. Stiehl، Op. Cit، I، P.٣٢٢، Iv، P.٢٧٢ وكذا جواد علي ٢/ ٥٤٩-٥٥٠، مظهر علي الإرياني: المرجع السابق ص٩٥-٩٦. ٤ أحمد حسين شرف الدين: المرجع السابق ص٤٤-٤٥.
[ ٣١٣ ]
إنما يشير إلى حرب بين الرجلين دارت رحاها في "وادي عتود"١، هذا ورغم أننا لا نعرف كذلك كيف استطاع "شمر يهرعش" ضم حضرموت إلى سبأ؟ فإن هناك من يرى أن ذلك قد تم في القرن الرابع الميلادي، وقبل استيلاء الحبشة على العربية -للمرة الأولى-٢ بزمن قصير، كما أن نقش "جام ٦٥٦" قد أشار إلى حرب استعر أوارها بين حضرموت، و"شمر يهرعش" في "وادي السر" "سررن" -على مبعدة سبعة كيلو مترات من وادي شبام- وأن شمر يهرعش قد لقب في هذا النص بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"، وأن نص "جام ٦٦٢" يشير إلى أن "شبوه" كانت تحت سيادة سبأ، وأن الملك السبئي قد عين عليها حاكمًا من أشراف سبأ، وأن نص "Cih ٩٤٨" يشير إلى انتصار "شمر يهرعش" على "شرح إيل" ملك حضرموت، كما أن اسم "شمر يهرعش" جاء في النص شمر يرعش، كما يكتبه الأخباريون٣.
ويختلف المؤرخون فيمن خلف "شمر يهرعش"، فذهب "فلبي" إلى أنه "يرم يهرحب" وأنه حكم حوالي عام ٣١٠م، وربما كان ابنًا له٤، وأما "فون فيسمان" فالرأي عنده أنه ولده "ياسر يهنعم"، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" الأول، الذي عاش قبله بفترة٥، هذا ويذهب "ريكمانز" أن "ياسر يهنعم، ولقبه بالثالث، تمييزًا له عن جده، وعن "ياسر يهنعم" هذا لم يكن ابنًا لشمر يهرعش، وإنما كان أخوه، وأنهما قد حكما معا حكمًا مشتركا، ثم انفرد "شمر يهرعش" بالعرش، وعند وفاته عاد العرش مرة ثانية إلى أبيه، فأشرك معه ابنه الآخر "ثران أيفع"، ثم ابنه الثالث "ذرأ أمر أيمن"، ويعارض "فون فيسمان" هذا الاتجاه فهو أمر لم يسبق له مثيل "أولًا"، ولأن "ياسر يهنعم" يكون قد عاش فترة طويلة، "ثانيًا"٦،
وعلى أي حال، فلقد رأى "فون فيسمان" أن "ياسر يهنعم" وابنه "ثاران أيفع"
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٦-٧ ٢ يرى "ريكمانز أن ذلك كان في الفترة ما بين عامي ٣٣٥-٣٧٠م. "انظر: "J. Ryckmans، Op. Cit.، P.٣٣٨ ٣ جواد علي ٢/ ٥٥٣-٥٥٥، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٩٦، ١٦٣، ٣٧٢-٣، ٤ J. Philpy، Op. Cit.، P.١٤٣ ٥ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٩ ٦ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٩، ٤٩٨
[ ٣١٤ ]
قد حكما في الفترة من "٣١٠-٣٢٠م" ثم خلفهما "ثاون يركب" "٣٢٠-٣٣٠م"، وأما "ألبرت جام" فقد ذهب إلى ما ذهب إليه "ريكمانز" من قبل، مع قليل من التغيير في الفترة التي تلت موت "شمر يهرعش"، وتقديم فترة اشتراك حكم "ذرأ أمر أيمن" مع أبيه، على فترة اشتراك أخيه "ثاران أيفع" مع أبيه كذلك، وأن الفترة الأولى كانت "٣٠٥-٣٢٠م" وأن الثانية كانت "٣٢٠-٣٢٥م"١.
ونقرأ في نقش "جام ٦٦٥" عن حرب خاض غمارها أعراب من سبأ ومن كندة، فضلا عن أشراف من "أبعل" و"نشق" و"نشان"، بأمر من الملكين "ذرأ أمر أيمن" وأبيه "ياسر يهنعم"- اللذين جاء اسم كل منهما في النقش -في أرض حضرموت، وقد اشترك معهم ٧٥٠ من راكبي الجمال، وسبعون من الفرسان، فضلا عن المشاة، وقد تمكن قائد الحملة "سعد تالب" من إحراز النصر في عدة مواقع -في أرك ودهر ورخيت وأعين خرص٢- وربما تشير هذه الحروب إلى انفصال حضرموت وسهرت "سهرتن" عن سبأ، هذا وقد استعان الجيش، كذلك السيطرة على سواحل جنوب غرب الجزيرة العربية، كما أن رؤساء القبائل قد انتهزوا فرصة الاضطرابات هذه فأقاموا حكومات إقطاعية، مما يدل على أن هذا العهد، إنما كان من عهود الضعف في حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"٣.
وهذا ويذهب "ألبرت جام" إلى أن "كرب إيل وتار يهنعم" قد خلف "ثاران أيفع" وحكم في الفترة "٣٢٥-٣٣٠م"، ثم جاء بعده "ثاران يركب ""٣٣٠-٣٣٥م"، ثم "ذمار علي يهبر الثاني "٣٣٥-٣٤/" ثم "ثاران يهنعم" الذي تلاه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "أب كرب أسعد و"ذرأ أمر أيمن"٤.
وأما "فون فيسمان" فقد وضع ذمار علي يهبر" بعد "ثاران يركب"، ثم عاد فوضع "ذمار علي يهبر" مع ابنه "ثاران يهنعم"، وحددها لهما فترة حكم مشترك
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٨. وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٢ ٢ جواد علي ٢/ ٥٥٩-٥٦١ وكذا Le Mueosn، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٠ وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٧٥. وكذا A. Sprenger، Op. Cit.، P.١٨٩ ثم قارن: نقش الكهالي رقم ٣٢ رقم ص١٦٤-١٦٩ من كتاب "في تاريخ اليمن" لمظهر الإرياني. ٣ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٠ ٤ A. Jamme، Op. Cit.، P.٣٩٣
[ ٣١٥ ]
"٣٤٠-٣٥٠م"، ثم "ثاران يهنعم" مع ابنه "ملكيكرب يهأمن"، ثم "ملكيكرب يهأمن"، مع ابنيه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن"، ثم انفرد "أب كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن"، حوالي عام ٤٠٠م١.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نصوص "جام ٦٦٩، ٦٧٠، ٦٧١"، هي آخر النصوص التي نقرأ فيها اسم الإله الموقاة، إله سبأ الكبير، وقد عثر عليها في معبده المعروف بـ "أوام" في مأرب، وترجع إلى أيام "ثاران يهنعم" وابنه "ملكيكرب يهأمن"٢، وليس من شك في أن هذا إنما يشير إلى إعراض القوم منذ ذلك العهد -وبداية عصر الديانات السماوية، بل إن الملك "ملكيكرب يهأمن" قد تجاهل المقة ولم يتقرب إليه -كما كان يفعل أسلافه- وإنما بدأ يتقرب إلى الإله "ذي سموي" "رب السماء"، مما يدل على أن عقيدة التوحيد إنما بدأت تأخذ طريقها إلى ملوك سبأ، منذ اختفاء الآلهة الوثنية، أمام رب السموات، الأمر الذي لم يحدث فجأة، وإنما كان عبارة عن تطور يتصل بالمعبود الذي كان يقدس إلى جانب "تالب"، واسمه "ذو سماوي"، وكذا "الله" سيد السموات والأرض، ثم بعد ذلك سرعان ما يظهر "الرحمن" في صورة لا تعدلها تلك الصورة التي نجدها في اليهود المتأخرة٣.
وعلى أي حال، فهناك رواية تذهب إلى أن هذا التطور الخطير في الديانة، إنما حدث منذ أيام "ثاران يهنعم" اعتمادًا على رواية "Phiiostorgios" التي ذهب فيها إلى أن "ثيوفيلوس" قد نجح في تنصير الحميريين، وبناء كنائس في ظفار وعدن، وأن الإمبرطور البيزنطي "قسطنطين الثاني" "٣٥٠-٣٦١م" هو الذي أرسل الرسل إلى اليمن للدعوة إلى النصرانية، ومن ثم فإن "ثاران يهنعم" -طبقًا لهذه الرواية- هو الذي هجر دينه الوثني واعتنق النصرانية٤، اعتمادًا على أن
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٨ ٢ Ibid.، P.٤٥١ ٣ فريتز هومل: المرجع السابق ص١٠٨، جواد علي ٢/ ٥٦٧. ٤ جواد علي ٢/ ٥٦٧-٥٦٨. وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢ وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.٢٢
[ ٣١٦ ]
الكتابة التي جاء فيها اسم الإله "ذي سموي"، والتي عثر عليها خارج "ظفار"، إنما ترجع إلى عهد قريب من عهد "ثاران يهنعم"، أي إلى حوالي عام ٣٧٨، أو عام ٣٨٤، وبعبارة أخرى إلى عهد ابنه "ملكيكرب يهأمن"، وقد جاء فيها اسم ولديه "أب كرب أسعد"و"ذرأ أمر أيمن" كشريكين له في العرش١.
وعلى أي حال، فهناك من يذهب إلى أن "ثيوفيلوس" لم يكتب له نجحا يستحق التقدير في مهمته في اليمن بسبب تدخل الفرس -أعداء الروم- في تلك الفترة في شئون اليمن، وتحريضهم اليمنيين على مقاومة نفوذ الرومان في بلادهم٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن "سد مأرب" قد أصابه تصدع أدى إلى سقوط أجزاء منه، وأن المكان "ثاران يهنعم" قد قام بإصلاحه، وإعادته إلى حالته الأولى٣.
هذا ونشير كذلك إلى أن اسم "ملكيكرب يهأمن" قد جاء محرفًا في المصادر العربية، فهو عند "حمزة الأصفهاني" "كلي كرب بن تبع" وقد حكم ٣٥ عامًا٤، وهو عند "ابن جرير" "ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع"٥، وهو عند القلقشندي "كليكرب بن تبع الأقرن"، وقد حكم ثلاثًا وخمسين سنة أو ثلاثًا وستين سنة، بعد "شمر مرعش" "شمر يهرعش" وأن اسمه "زيد بن شمر"، وقد عرف بالأقرن لشامة كانت في قرنه٦، وهو عند ابن الأثير "ملكيكرب تبع زيد بن عمرو بن تبع"٧، وهو عند المسعودي، "كليكرب بن تبع"٨، وهو عند اليعقوبي "ملكيكرب بن تبع"٩، وهو عند نشوان الحميري "ملكي كرب" وهو الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش١٠.
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٥٠، ٣-٤، P.٢٧٠، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢ ٢ عبد المجيد عابدين: المرجع السابق ص٣٩. ٣ جواد علي ٢/ ٥٦٨. وكذا Jamme ٦٧١. وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩١، ٤٩٨ ٤ حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص٨٥. ٥ تاريخ الطبري ٢/ ٥٦٦-٥٦٧. ٦ صبح الأعشي ٥/ ٢٣. ٧ ابن الأثير ١/ ٢٧٦، الاشتقاق ٢/ ٥٣٢. ٨ مروج الذهب ٢/ ٥٠. ٩ تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٦. ١٠ ملوك حمير وأقيال اليمن ص١١٧-١١٨.
[ ٣١٧ ]
وأيًّا ما كان الأمر، فلقد جاء بعد "ملكيكرب يهأمن" هذا، ولده "أب كرب اسعد" وربما كان هو "أسعد كامل تبع" الذي يروي الإخباريون أنه أول من تهود من التبابعة، ثم نشر اليهودية بين اليمنيين في قصة طريفة، يذهبون فيها إلى أنه كان قد قدم المدينة المنورة غازيا بعد عودته من المشرق، ربما لأن القوم قد قتلوا ولده الذي كان قد خلفه فيهم وهو في طريقه إلى المشرق، وربما لأن رجلا من بني عدي ابن النجار عدا على رجل من أصحابه فقتله، وربما لأنه جاء لنصرة الأوس والخزرج من أبناء عمومته على اليهود، وهنا جاءه "حبران من يهود بني قريظة" ينهيانه عن تدمير المدينة، لأنها سوف تكون مهاجر نبي سوف يخرج من قريش -دعوه أحمدا مرة، ومحمدا مرة أخرى- وهكذا صرف الحبران تبعا عن تدمير المدينة، فضلا عن إيمانه بدينهما، وقوله شعرًا في النبي -ﷺ- متمنيا فيه أن يعيش حتى يراه، فيكون له وزيرا وابن عم، فضلا عن القتال إلى جانبه، لأنه كان على علم بما سيلاقيه الرسول -﵊- من قومه من أذى، ثم أودع هذا الشعر عند أهل يثرب ودفعه إلى كبيرهم، وأن القوم كانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى عهد النبوة١.
ويتجه "أب كرب أسعد" صوب مكة في طريقه إلى اليمن، حتى إذا ما كان بين "عسفان" و"أمج" أتاه نفر من "هذيل" يغرونه بسلب البيت الحرام، ويستفتي "تبع" أحبار يهود فيصدقونه النصح قائلين: "ما نعلم بيتًا لله ﷿ اتخذه في الأرض لنفسه غيره"، ومن ثم فإنه إن سلبه كان هلاكه فيه، ويعلم الرجل أن الصدق ما نصحا به الحيران اليهوديان، فينتقم من هذيل، ثم يمضي إلى مكة فيطوف بالبيت وينحر الذبائح، ثم يقيم بمكة ستة أيام، يرى أثناءها -فيما يرى النائم- وكأنه يكسو البيت الحرام، وتتكرر الرؤيا ثلاث ليال، ويفعل "تبع" ما أمر به في منامه، ومن ثم يصبح أول من كسا البيت، ثم يعود إلى اليمن فتتكرر قصة تهوده
_________________
(١) ١ الأزرقي ١/ ١٣٢-١٣٤، ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ١٦٣-١٦٤، تفسير ابن كثير ٤/ ١٤٢، تاريخ الطبري ٢/ ١٠٥-١٠٦، بلوغ الأرب ٢/ ١٠٧، ٢٤٠-٢٤١، ابن هشام ١/ ٢٥-٢٧، وفاء الوفا ١/ ١٢١، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢٢-١٢٣، أخبار عبيد بن شريه ص٤٦٠، مروج الذهب ١/ ٨٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٣، تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٧-١٩٨، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٥.
[ ٣١٨ ]
مرة ثانية، وهنا يروي الأخباريون حديثا نسبوه -عن طريق أبي هريرة- إلى النبي ﷺ، يقول فيه: "لا تسبوا أسعد الحميري، فإنه أول من كسا الكعبة"١، ثم وصفوه بعد ذلك بأنه كان ملكًا عظيمًا، شاعرا فصيحًا، عارفا بالنجوم، وهو أحد المعمرين، عمر ثلاثمائة وإحدى وخمسين سنة، وكان ملكه ثلاثمائة وستة وعشرين سنة، وكان مؤمنا بالله٢.
وليس من شك في أن رواء هذا القصص، وغيره من أساطير تمتلئ بها الكتب العربية، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وغيرهما من مسلمة أهل الكتاب، وهنا لعل سائلا يتساءل: أكان "تبع" هذا يقول الشعر بلغة قريش، ونحن نعرف -من دراستنا للنصوص القديمة- أنها تختلف كثيرًا عن لغة حمير، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الأخرى من العربية، التي جعلوها مقصورة على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وحتى قال بعضهم: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا٣.
ثم كيف عرف الحبران اليهوديان أن هناك نبيا سوف يبعث من قريش، ومبلغ علمي أن التوراة -وكذا التلمود- لم يرد فيهما نص صريح بذلك، صحيح أن هناك نصوصًا تشير إلى مبعث نبي من العرب، وأن الإرهاصات بمولد المصطفى -ﷺ- كثيرة، وأن البشارات بمولد النبي الاعظم -﵊- أكثر من أن تحصى، بل إن كان ما في بلاد العرب يكاد يشير بالتغيير المنتظر، على يد رسول الله وخاتم النبيين -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- ولكن صحيح كذلك أنها لم تشر إلى أنه من قريش بالذات، وأنه سوف يهاجر إلى المدينة كذلك
_________________
(١) ١ ابن كثير ٢/ ١٦٤-١٦٧، تاريخ الطبري ٢/ ١٠٧-١١١، تفسير الطبري ٢٧/ ١٥٤، تفسير الخازن ٤/ ١١٥، ١٧٥، تفسير القرطبي ١٦/ ١٤٥، تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٨، ابن هشام ١/ ٢٧-٣٠، العقد الثمين ١/ ٧١، وفاء الوفا ١/ ١٣٤، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٣-٥٤، الأزرقي ١/ ٢٤٩، تفسير الطبرسي ٢٥/ ٦٦، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٣٤-١٣٥، الفتح الكبير للنبهاني ٣/ ٣٢٤، ثم قارنك المعارف ص٢٧٥-٢٧٦، مروج الذهب ٢/ ٥١، تفسير الطبري ٢٥/ ١٢٨-١٢٩، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٧٦-٣٧٧، وصايا الملوك ليحيى الوشاء ص٣٠. ٢ ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢٢. ٣ محمد بن سلام الحجمي: طبقات فحول الشعراء ص٤ وما بعدها وكذا Igance Goldziher، History Of Classical Arabic Literature، P.٢
[ ٣١٩ ]
بالذات، وأما نص التوراة الذي تحدث عن البشارة بمبعث نبي من العرب، فهو "أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه"١.
ثم أليس من المضحك المبكي، أن يكون اليهود أشد حرصًا على الحفاظ على الكعبة، وأكثر توقيرًا لها، من العرب أنفسهم، بل ألا يتأنى هؤلاء الرواة حين يجعلون من اليهود بالذات، هداة ملوك العرب إلى مكانة الكعبة المشرفة بالذات كذلك، وأن يصرحوا -كما يزعم هؤلاء الرواة- أن الله لم يتخذ له بيتًا في الأرض غيرها، فإذا كان ذلك كذلك، فلم لم يحج اليهود إليها، كما كان يفعل العرب؟ ثم ما هو موقف اليهود بالنسبة إلى هيكلهم المشهور بهيكل سليمان٢، والذي يزعمون له ما يزعمون من قداسة، ما بعدها قداسة؟.
ثم من أين عرف "تبع" هذا، أن النبي -ﷺ- سوف يسمى "أحمدا" كما جاء في الشعر المنسوب إليه؟ بل إنه يسميه كذلك "المصطفى"٣، على أن رواية ثالثة تسميه "محمدا"٤، ومبلغ علمي أن ذلك لم يرد في نص من النصوص العربية -التي سبقت عصر الرجل أو عاصرته- وإنما جاء ذلك في الإنجيل، كما قال ﷾ في القرآن الكريم -على لسان المسيح ﵇: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: سفر التثنية ١٨: ١٥-١٩، سفر أشعياء ٤٢: ١-١٣، إبراهيم خليل أحمد: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن "مكتبة الوعي العربي، القاهرة ١٩٦٤" محمد رضا: محمد رسول الله، بيروت ١٩٧٥ ص٤٥ وما بعدها، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة، جامعة الموصل، بيروت ١٩٧٤ ص٣١٩ وما بعدها. ٢ انظر عن: هيكل سليمان: كتابنا إسرائيل ص٤٦٤-٣٧١. ٣ ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢٢، قارن: وصايا الملوك ليحيى الوشاه ص٣٠. ٤ السمهودي: وفاء الوفا ١/ ١٣٣. ٥ سورة الصف: آية٦، وانظر: تفسير الطبري ٢٨/ ٨٧، تفسير الطبرسي ٢٨/ ٦٠-٦٢، تفسير الكشاف ٤/ ٩٨-٩٩، تفسير البيضاوي ٢/ ٤٧٣-٤٧٤، تفسير روح المعاني ٢٨/ ٨٥-٨٧، تفسير ابن كثير ٦/ ٦٤٦-٦٤٨، "دار الأندلس"، تفسير القرطبي ١٨/ ٨٣-٨، تفسير أبي السعود ٥/ ١٦١، تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي ٢/ ٤٧٣-٤٧٤، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/ ٢١٣-٢١٤.
[ ٣٢٠ ]
ثم كيف آمن "تبع" برسول الإسلام الأعظم -ﷺ- قبل مبعثه بنحو من سبعمائة عام- كما يروي الأخباريون١- ألمجرد أن الحبرين اليهوديين قد أخبراه أن يثرب سوف تكون مهاجرًا لنبي يخرج من قريش؟ لا أظن أن ذلك سببًا كافيًا لإيمانه بنبي كان حتى تلك اللحظة ما يزال في ضمير الغيب، أضف إلى ذلك أن الفترة بين عهد "أب كرب أسعد" وبين مبعث المصطفى، ﷺ، ليست سبعة قرون بحال من الأحوال، فإذا كان الرجل قد مات في حوالي عام ٤١٥م- أو عام ٤٢٠م، أو حتى عام ٤٣٠م- كما سوف نرى، وإذا كان الرسول -ﷺ، قد انتقل إلى الرفيق الأعلى في يونية ٦٣٢م٢، فإن الفرق بين وفاتهما لا تصل إلى أكثر من قرنين من الزمان.
ومن ثم فأكبر الظن، أن هناك -بجانب الإسرائيليات في هذه الروايات -هدفًا من ورائها، يقصد منه رفع شأن القحطانيين إبان النزاع السياسي بينهم وبين العدنانيين، ومن ثم فإن هذه الروايات جد حريصة على أن تقدم لنا "تبعًا" وقومه في صورة أفضل من صورة العدنايين بصفة عامة، والقرشيين بصفة خاصة، فهم -أي القحطانيين- كانوا "أولًا" أول من قال الشعر في مدح المصطفى -ﷺ-، فعل ذلك سبأ، كما أشرنا من قبل، ويفعله الآن "تبان أب كرب أسعد" وهم "ثانيًا" كانوا على علم باسم المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وبعثته، بينما لم يكن العدنانيون يعرفون ذلك حتى ظهور الإسلام، وهم "ثالثًا" قوم مؤمنون، كسوا البيت وعمروه أكثر من مرة، قد قدروا مكانته قبل ظهور الإسلام بقرون، حتى إن كان اليهود هداتهم إلى ذلك.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/ ١٤٤. ٢ أرجح الآراء فيما نظن، أن النبي ﷺ قد ولد في ٩ ربيع الأول" ٢٠ أبريل ٥٧١/" وانتقل إلى الرفيق الأعلى في ١٢ أو ١٣ ربيع الأول عام ١١هـ "٧ أو ٨ يونية ٦٣٢م" "انظر: محمود باشا الفلكي: التقويم العربي قبل الإسلام ص٣٨، محمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص٢٢، ٣١، ٣٢، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص٩٥-٩٦، تاريخ الطبري ٢/ ١٥٤-١٥٥، ابن الأثير ١/ ٤٥٧-٣٥٨، ابن كثير البداية والنهاية ٢/ ٢٦١-٢٦٢ وكذا Caussin De Perceval، Essi Sur L'histoire Des Arabes، I، P.٢٨٦f وكذا P. Lammens، Age De Mohammad، P.٢٠٩f وكذا R. Blachere، La Probleme De Mohamet، P.١٥
[ ٣٢١ ]
وأخيرًا فإن هذا الإلحاح على أن التبابعة قوم مؤمنون بالله وبرسالة محمد، ﷺ، ثم الإلحاح على عدم جواز سبهم، إنما قد يدل على أن هناك من كان يسب التبابعة ويلعنهم، وربما كان هذا السب وذلك اللعن، لم يكن موجها بالذات إلى التبابعة، وإنما كان موجها إلى اليمنيين بخاصة، والقحطانيين بعامة، ومن هنا كان هذا الإلحاح على عدم السب، بل ربما قد وضعت -فيما يرى الدكتور جواد علي- هذه الأحاديث على لسان النبي -﵊- للرد على هذه الحملة العدنانية ضد القحطانيين١، أضف إلى ذلك أن هذا الإلحاج ربما كان الهدف منه كذلك، إلقاء ظلال من شك على رواية تاريخية تذهب إلى أن "حسان بن عبد كلال" قد أقبل بجيش من اليمن يزيد نقل حجارة الكعبة الشريفية من مكة إلى اليمن، غير أن حملته هذه انتهت بالفشل٢ -كما سوف نشير فيما بعد- فضلا عن حملة أبرهة على مكة، والتي شاركت فيها بعض البطون اليمنية.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن المصادر العربية إنما تذهب إلى أن "أب كرب أسعد" قد خرج من اليمن حتى وصل إلى جبلي طيئ فسار يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة تحير وكان الوقت ليلا فأقام مكانه، فسمي ذلك المكان بالحيرة، وخلف به قومًا من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به، ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ وكلب والسكون وبلحرث بن كعب وإياد، ثم توجه إلى الموصل، ثم إلى أذربيجان، فلقي الترك فهزمهم، ثم عاد إلى اليمن، فهابته الملوك وأهدوا إليه، ومنها هدايا من الهند التي علم أنها من الصين، ومن ثم فقد غزاها٣.
وليس من شك في أن "أبا كرب أسعد" قد كتب له نجحا كبيرًا في توسيع ملكه، وأنه قد بلغ البحر الأحمر والمحيط الهندي، والأقسام الجنوبية من نجد، وربما كان قد استولى على جزء كبير من الحجاز، ومن ثم فإن في روايات الأخباريين عن فتوحاته أساسًا من الصحة٤، إلا أن عنصر المبالغة فيها إنما قد أفسدها إلى حد كبير، وإن كانت تدل في الوقت نفسه على قوة شخصيته، التي مكنته من إتمام هذه الفتوح، ومن السيطرة على الأعراب، وبالتالي فقد أضاف إلى لقبه "ملك سبأ وذي
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٥١٥-٥١٦. ٢ الإكليل ٢/ ٣٥٧-٣٥٩، تاريخ الطبري ٢/ ٢٦٢٦-٢٦٣، جواد علي ٢/ ٥٨٥، ٣ ابن الأثير ١/ ٢٧٦-٢٧٧، تاريخ الطبري ١/ ٥٥٦-٥٦٧، البكري ٢/ ٤٧٩. ٤ جواد علي ٢/ ٥٧٥.
[ ٣٢٢ ]
ريدان وحضرموت ويمنات" جملة "وأعرابها في الجبال والتهائم"، وهكذا ترك الرجل أثرًا عميقًا في الأجيال القادمة، فأضافت إلى فتوحاته، ما شاء لها الخيال أن تضيف.
وقد اختلف العلماء في فترة حكم "أب كرب أسعد"، فذهب فريق إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٠٠-٤١٥ أو ٤٢٠م"١، وذهب آخرون إلى أنها في الفترة "٣٨٥-٤٢٠م"٢، على أن هناك فريقًا ثالثًا ذهب إلى إنها في الفترة "٣٧٨-٤١٥م"٣، ويتجه الدكتور جواد علي إلى أنها استمرت حتى عام "٤٣٠"م٤، ولعل السبب في ذلك أن نص "ريكمانز ٥٣٤"، والذي جاء فيه ذكر "أب كرب أسعد" وستة من أولاده، إنما يرجع إلى عام ٤٢٨م أو عام ٤٣٤م٥، وهذا يعني أن حكم "أب كرب أسعد" قد جاوز عام ٤٢٨م، وربما عام ٤٣٠م، فإذا ما تذكرنا أن الرجل قد ذكر مع والده في نص يرجع إلى عام ٣٧٨، أو عام ٣٨٤، فإن حكمه يكون عندئذ قد جاوز نصف القرن من الزمان، ولو افترضنا أنه كان شابًا في العشرين من عمره، فإن الرجل يكون قد عاش حوالي السبعين عامًا، وربما أكثر من ذلك بقليل٦.
هذا وقد أشرنا من قبل إلى أن "أبا كرب أسعد" قد أضاف إلى لقبه "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات" جملة "وأعرابها في الجبال والتهائم"، فكان بذلك أول من حمل هذا اللقب٧، ولعل السبب في ذلك إنما هو ظهور قوة الأعراب وأهميتهم، وبخاصة أعراب الهضاب وجنوب نجد وقبائل تهامة، ومن ثم فقد أصبح لهم تأثير في الشئون، الداخلية، ربما قد يصل إلى إحداث تغيير في التنظيم السياسي
_________________
(١) ١ J.B. Philby، Op. Cit.، P.١١٦، ١٤٣. وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.١٠٤ ٢ فريتز هومل: المرجع السابق ص١٠٨. ٣ J.B. Philby، Note On The Last Kings Of Saba، In Le Museon، ١٩٥٠، Lxiii، ٣-٤، P.٢٦٩ ٤ جواد علي ٢/ ٥٧١. ٥ جواد علي ٢/ ٥٧٤. وكذا F. Altheim And R. Stiehl، Op. Cit.، Iv، P.٢٧٣ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢، ١٩٥٥، P.٣٠٨ ٦ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢ وكذا F. Altheim And R. Stiehl، Op. Cit.، P.٢٧٣ ٧ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢
[ ٣٢٣ ]
نفسه، وهكذا أضاف "أب كرب أسعد" اسمهم إلى لقبه، دلالة على سيطرته عليهم وعلى خضوعهم له، وهو في هذا إنما يتبع سنة أسلافه في تغيير ألقابهم، كلما أخضعوا أرضًا جديدة، مضيفين إلى لقبهم ما يدل على الوضع الجديد١، ومن ثم فإن اللقب الجديد إنما يدل على أن حكم "أب كرب أسعد" قد امتد إلى التهائم -بأعرابها وقراها- وإلى قبائل "معد" التي تمتد منازلها من نجران إلى مكة ونجد٢.
وقد عثر "جون فلبي" في وادي مأسل الجمح -على الطريق بين مكة والرياض- على كتابة دونت بمناسبة إقامة حصن في هذا المكان، عرفت بـ "فلبي ٢٢٧"٣، وقد استطاع العلماء أن يستخلصوا منها نتائج عدة، منها "أولًا" أن هذا المكان من جملة الأرضين، التي تخضع للملك "أب كرب أسعد"، ومن ثم فإن نفوذه قد تجاوز اليمن حتى بلغ تلك المنطقة من "نجد"، والتي كانت تعد من منازل "معد"٤. معقلا لقوات سبئية تحمي هذا الطريق، الذي يربط اليمن بنجد وبشرق الجزيرة العربية، من هجوم القبائل التي كانت تغير على قوافل التجارة٥، ومنها "ثالثًا" أن الهمداني كان قد ذكر أن "ماسل الجمح" إنما كان من مواضع "نمير"، وهو اسم قريب من اسم قبيلة "Nomeritae" التي ذكرها بليني، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أن "مأسل الجمح" إنما كانت من مواضع "نمير" على أيام "بليني" "٣٢-٧٩م" وبعده٦، ومنها "رابعًا" أن النص إنما يذكر أن اسم والد "أب كرب أسعد" إنما هو "حسان ملكيكرب يهأمن"، وليس "ملكيكرب يهأمن"، ومن ثم فقد تساءل البعض: هل نحن أمام ملك واحد، أم أمام ملكين مختلفين٧؟
_________________
(١) ١ انظر: مثال لذلك من تاريخ مصر الفرعونية من عهد "منوحتب الأول" من الأسرة الحادية عشرة، حيث غير الملك لقبه ثلاث مرات "راجع كتابنا "حركات التحرير في مصر القديمة"- دار المعارف، الإسكندرية ١٩٧٦ ص٩٦-٩٨". ٢ جواد علي ٢/ ٥٧١-٥٧٢، وكذا Die Araber، Ii، P.٣٢١، Iv، P.٢٧٤ ٣ Le Museon، ١٩٥١، ١-٢، P.٩٩، ١٩٥٣، ٣-٤، P.٣٠٣ وكذا J.B. Philby Motor Tracks And Sabaean Inscriptions In Najd، Gj، Cxvi، ١٩٥٠، P.٢١١-٢١٥ ٤ جواد علي ٢/ ٥٧٣، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٢ ٥ J.B. Philby، In Gj، ١٩٥٠، Cxvi، ٤-٦، P.٢١٤ ٦ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٢٠ ٧ جواد علي ٢/ ٥٧٣-٥٧٤.
[ ٣٢٤ ]
بقيت نقطة أخيرة تتصل بذلك الطريق البري، الذي يربط المناطق المرتفعة الزراعية بالمناطق الشمالية، حيث يصل إلى شمال الطائف، ويتصل بطريق الحجاز، ويعرف بـ "درب أسعد كامل" -نسبة إلى الملك أب كرب أسعد- والطريق دون شك، يعد تحولا خطيرا في الطرق البرية القديمة، التي كانت منتشرة في حافة الصحراء الشرقية المتصلة بالجوف، إذ يشير إلى تحول هذا الطريق من الأراضي السهلة إلى الهضاب التي يعيش عليها المزارعون، الذين يعيشون على الزراعة التي تعتمد على المطر، وقد شمل هذا التحول فيما شمله طريق البخور واللبان القديم١.
ويروي الأخباريون أن الذي خلف "أب كرب سعد"، إنما هو "ربيعة بن نصر اللخمي"، وأنه قد رأى رؤيا هالته فسار بأهله إلى العراق وأقام بالحيرة وحكم فيها، ومن عقبه كان "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة٢، ثم عاد الملك إلى "حسان بن تبان بن كرب"، وهو -فيما يرى البعض- أخو زرقاء اليمامة التي صلبت على باب مدينة "جو"، والتي سميت فيما بعد "اليمامة" نسبة إليها٣، الأمر الذي ناقشناه من قبل.
على أن "جون فلبي" قد جعل العرش بعد وفاة "أب كرب أسعد" لشقيقه "ورو أمر أيمن" "٤١٥-٤٢٥م"، ثم إلى ابن أخيه "شرحبيل يعفر" والذي حكم في الفترة "٤٢٥-٤٥٥م" على رأي "فلبي"٤ وفي الفترة "٤٢٠-٤٥٥م" على رأي هومل٥. وإن كان "فلبي" عاد مرة أخرى فحدد له الفترة التي حددها "هومل"٦- ولعل من الغريب أن يتجاهل "فلبي" "حسان يهأمن" ابن "أب كرب أسعد"- رغم أنه ذكر في نص "فلبي ٢٢٧" ونعت بأنه "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في الجبال وفي التهائم"٧.
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٥٧٦-٥٧٧، وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٢٣، ٤٩٣ ٢ ابن الأثير ١/ ٤١٨-٤٢٠، صبح الأعشي ٥/ ٢٣. ٣ ابن كثير ٢/ ١٦٧، أخبار الزمان ص١٢٤-١٢٦، ياقوت ٥/ ٤٤٢-٤٤٧، البكري ٢/ ٤٠٧، المعارف ص٢٧٤-٢٧٥، مروج الذهب ٢/ ١١١-١١٩، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٤-٢٥، المقدسي ٣/ ١٧٨، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٤٢-١٤٣. ٤ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.١٤٣ ٥ جواد علي ٢/ ٥٧٧، وكذا HANDBUCH، P.١٠٤ ٦ LE MUSEON، ١٩٦١، ١-٢، P.١٧٤. وكذا J.B. PHILBY، ARABIAN HIGHLANDS، P.٤٦٠ ٧ جواد علي ٢/ ٥٧٨.
[ ٣٢٥ ]
ويروي الأخباريون أن "حسان" قد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ أرض العرب والعجم، فلما كان بالعراق كرهب قبائل اليمن المسير معه، فكلموا أخاه عمرا في قتله وتمليكه من بعده، وهكذا قتل عمرو أخاه، غير أنه بمجرد عودته إلى اليمن قد أصيب بمرض نفسي جعله يفقد القدرة على التحكم في الأمور، مما أدى به في نهاية الأمر إلى أن يقتل كل من أشار عليه بقتل أخيه، ثم لم يلبث أن هلك١، ويزعم الإخباريون أن الحميريين قد تفرقوا بعد هلاك عمرو، فاغتصب العرش رجل من غير الأمراء، دعوه "لختيعة تنوف ذو شناتر" فقتل خيار القوم، وعبث بأعراض الناس، حتى قتله "ذو نواس"- في رواية مزرية سجلها الإخباريون في كتبهم -ثم جلس على العرش من بعده٢.
وعلى أي حال، فإذا ما عدنا مرة أخرى إلى عهد "شرحبيل" يعفر"، لوجدنا أنفسنا أمان نص خطير "جلازر ٥٥٤"، يتحدث عن تصدع سد مأرب، وما قام به الملك إزاء هذا الحادث الخطير، حيث نقر في النص أن "شرحبيل يعفر" قد قام بتجديد بناء السد وترميمه على مقربة من "رحب" وعند "عبرن"، فضلا عن إصلاح أجزاء منه حتى موضع "طمحن" "طمحان"، وحفر مسايل المياه وبناء القواعد والجدران بالحجارة وتقوية فروعه، وبناء أقسام جديدة بين "عيلان" و"مفكول" و"مفلل" وتجديد سد "يسرن"، ويذكر النص أن هذه الأعمال قد تمت في عام ٥٦٤/ ٥٦٥ من التقويم الحميري، الموافق عام ٤٤٩/ ٤٥٠ من التقويم الميلادي٣.
_________________
(١) ١ ابن كثير ٢/ ١٦٧، ابن الأثير ١/ ٤٢٠-٤٢١، تاريخ الطبري ٢/ ١١٥-١١٧، أبو الفداء ١/ ٦٨، الميداني ١/ ٧٣-٧٤، الاشتقاق ٢/ ٥٣٣، المقدسي ٣/ ١٧٨، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٤٢-١٤٥. ٢ ابن كثير ٢/ ١٦٧-١٦٨، تاريخ الطبري ٢/ ١١٧-١١٩، المعارف ص٢٢٧، ابن الأثير ١/ ٤٢٤-٤٤٥. ٣ جواد علي ٢/ ٥٧٩-٥٨١، وانظر الفصل التاسع من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني" -الجزء الأول- وكذا E. GLASER، MVG، II، ١٨٩٧، P.٣٧٢-٣٧٩ وكذا A. SPRENGER، OP. CIT. P.١٣ وكذا J.B. PHILBY، THE BACKGROUND OF ISLAM، ١٩٤٧، P.١١٨ وكذا LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٩٣-٤٩٤
[ ٣٢٦ ]
هذا ويتحدث النص كذلك عن انتشار عقيدة جديدة، فهو يشير إلى ظهور "رب السماء والأرض"، حيث نقرأ فيه "بنصر وردا إلهن بعل سمين وأرضن" أي "بنصر وبعون الإله رب السموات والأرض"، وهي عقيدة ظهرت عند أهل اليمن بعد الميلاد بتأثير اليهودية والنصرانية ولا شك١.
وينتقل العرش بعد "شرحبيل يعفر" إلى "عبد كلال" والذي حكم في الفترة "٤٤٥-٤٦٠م" علي رأي "فلبي" و"هومل"٢، وإن كان "فلبي" قد رأى أن الرجل كان كاهنًا وشيخًا لقبيلة، نجح -بمساعدة الأحباش- في اغتصاب العرش لمدة خمس سنين٣، هذا وقد ذكره الأخباريون بين ملوك حمير، وأنه كان يدين بالنصرانية سرًّا، وبالمصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- قبل مبعثه- شأنه في ذلك شأن سبأ، وأب كرب أسعد- وإن من ولده "الحارث بن عبد كلال"، وهو أحد الذين وفدوا على النبي -ﷺ- فأفرشهم رداءه٤، غير أنهم يرونه قد تولى العرش بعد وفاة "عمرو بن تبان أسعد"، فملك أربعًا وتسعين سنة -وهو تبع الأصغر- ثم خلفه أخوه "مرثد"، وقد ملك سبعة وثلاثين عامًا٥، وقد أدى تشابه الاسمين "عبد كلال الذي جاء في نص جلازر٧، وعبد كلال عند الأخباريين" إلى أن يرى بعض العلماء أن الاسمين لرجل واحد، وأنه كان ملكًا٦.
ويروي الهمداني أن "حسان بن عبد كلال" أقبل من اليمن، "في حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج البيت عنده، وإلى بلاده"، فأقبل حتى نزل "نخلة"، فخرج إليه القرشيون بقيادة فهر بن مالك، حيث دارت بينهم معركة ضارية، انتهت بانتصار قريش، وأسر "حسان بن عبد كلال"٧، فإذا كان ذلك كذلك، فإن حملة أبرهة على مكة كانت لها سابقة يمنية من قبل، ثم إذا ما تذكرنا أن هناك من يرى -كما أشرنا
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٨٢، وكذا D.S. MARGOLIOUTH، OP. CIT.، P.٦٨ ٢ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.١٤٣ ٣ J.B. PHILBY، ARABIAN، HIGHLANDS، P.٢٦٠ ٤ منتخبات ص٩٣، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٧٠، الإكليل ٢/ ١٣٠. ٥ وهب بن منبه: المرجع السابق ص٢٩٩، صبح الأعشي ٥/ ٢٣. ٦ جواد علي ٢/ ٥٨٤. ٧ الإكليل ٢/ ٣٥٧-٣٥٩، تاريخ الطبري ٢/ ٢٦٢-٢٦٣
[ ٣٢٧ ]
آنفًا- أن "عبد كلال" إنما اغتصب عرشه بعون من أكسوم، فهل هذا يعني أن الحبشة النصرانية كانت وراء تلك الحملة؟ لست أدري، فتلك أخبار لا يوثق بها كثيرًا، ثم إن الهمداني يرفض القصة من أساسها، وإن كان هناك من يتهمه بأنه يمني متعصب، لا يؤيد حربًا تنتصر فيها قريش على اليمن، ثم يضع تبعة نقل حجارة الكعبة من مكة إلى اليمن على عاتق "هذيل بن مدركه" أحد سادات مكة١، وإن لم يبين لنا لماذا فعل" ذلك؟ وما الفائدة التي تعود عليه من فعله هذا؟
وعلى أي حال، فلقد جاء بعد ذلك "شرحب إيل يكف" "٤٦٠-٤٧٠م" فولداه "معد يكرب يهنعم" و"لحيعث ينوف" "٤٧٠-٤٩٥م" على رأي هومل٢، و"نوف" "٤٧٠-٤٨٠م"، ثم "لحيعث ينوف" "٤٨٠-٥٠٠م" علي رأي فلبي٣، وربما كان الأخير هو "لختيعة تنوف ذو شناتر" عند الأخباريين، والذين رأوا أنه حكم سبعا وعشرين سنة٤، ثم جاء "مرثد ألن ينوف" "٤٩٥-٥١٥م" ثم "ذو نواس" "٥١٥-٥٢٥م"، وهو "زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أب كرب" والذي سمي "يوسف" بعد تهوده، وإن ذهب البعض إلى أنه من غير الأسرة المالكة٥، وأن السبب في تسميته "ذي نواس" أن كانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه٦، وعلى أي حال، فهو الملك الذي احتل الأحباش اليمن في عهده، وبقوا فيها قرابة نصف قرن من الزمان، وإن كانت هذه ليست هي المرة الأولى التي يغزو الأحباش فيها اليمن، فذلك أمر له سوابق خلت من قبل٧- كما رأينا آنفًا-.
_________________
(١) ١ الإكليل ٢/ ٣٥٩، جواد علي ٢/ ٥٨٥. ٢ جواد علي ٢/ ٥٨٧، وكذا HANDBUCH، P.١٠٥ ٣ J.B. PHILBY، THE BACKGROUND OF ISLAM، P.١٤٣ وكذا LE MUSEON، ١٩٦١، ١-٢، P.١٧٤ ٤ تاريخ الطبري ٢/ ١١٧، صبح الأعشي ٥/ ٢٤، تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٩. ٥ ابن الأثير ١/ ٤٢٥، المعارف ص٣١١، مروج الذهب ٢/ ٥٢، وهب بن منبه: المرجع السابق ص٣٠٠. ٦ تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٩، المعارف ص٢٧٧، تفسير القرطبي ١٩/ ٢٩٣. ٧ A. GROHMANN، ARABIAN، ١٩٦٣، P.٢٩. وكذا P.K. HITTI، OP. CIT.، P.٦١
[ ٣٢٨ ]