الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة
المدينة المنورة، ثاني مدن الحجاز بعد مكة دون ريب، ودار الهجرة التي نصرت الإسلام، وأعزت كلمة المسلمين، فاستحقت التكريم والتخليد حتى يقوم الناس لرب العالمين، ثم شاءت إرادة الكريم المنان ذي الفضل العظيم-أن تعطي المدينة ما لم تعطه لغيرها من المدائن، وأن تخصها بميزة لا تتطاول إليها واحدة من مدن الدنيا، حيث شرفت بأن تضم في ثراها جثمان سيد الأولين والآخرين، جدنا ومولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
هذا إلى أن بالمدينة المنورة ثاني الحرمين الشريفين، فضلا عن أنها البلد الذي اختاره الله، ليكون أول عاصمة إسلامية في التاريخ، تخرج منها جيوش النور، تحمل راية الإسلام، وهداية القرآن، إلى جميع أنحاء المعمورة، فتنشر التوحيد والحب والعدل والإخاء والمساواة، ومن ثم فقد كانت وما زالت -وسوف تظل أبد الدهر إن شاء الله- قلوب المؤمنين في كل أنحاء الدنيا تنبض بحب المدينة، وتهفو إلى زيارتها، وتتعبد إلى الله في مسجدها، وتنعم بالصلاة في روضته الشريفة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها.
هذا وقد حبت الطبيعة المدينة المقدسة١ بمزايا لم تعرفها مكة المكرمة، من طيب الهواء وجودة التربة، كما أنها لم تكن على طريق القوافل التي تحمل الطيوب بين اليمن والشام فحسب، بل كانت واحة حقيقية ذات تربة صالحة لزراعة النخيل، وهو كثير فيها، ومن ثم فقد أصبحت المدينة واحدة من أمهات المراكز الزراعية في بلاد العرب٢.
_________________
(١) ١ كتب السمهودي في كتابه "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ﷺ" بابا كاملا من ستة عشر فصلا في فضائل المدينة، فليرجع إليه من يشاء "وفاء الوفا ١/ ١٩-١٠٩". ٢ P.K. HITTI، HISTORY OF ARABS، P.١٠٤
[ ٣٨٣ ]
والمدينة المنورة لم تكن تعرف بهذا الاسم قبل نصرتها للإسلام، وهجرة المصطفى، ﷺ، إليها في عام ٦٢٢م، وإنما كانت تسمى "يثرب"، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ١، وقد ذكرت يثرب في الكتابات المعينية، ربما بسبب وجود جالية معينية كانت تقيم هناك خلفتها أخرى سبئية، بعد أن ورث السبئيون دولة معين في اليمن، ومستعمراتها في شمال غرب شبه الجزيرة العربية، ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالنسابين من بعد أن يروا في سكان يثرب من العرب، أزدا من قحطان٢.
ولعل أقدم إشارة إلى "يثرب" في النصوص البابلية، إنما ترجع إلى القرن السادس ق. م، إذ تحدثنا كتابة عثر عليها في "حران" عام ١٩٥٦م، تتحدث عن أعمال الملك البابلي "نبونيد" "٥٥٥-٥٣٩ق. م" في بلاد العرب، فتروي أن ذلك الملك المثقف الذي اشتهر بحبه للآثار٣، قد قام بحملة في العام الثالث من حكمه إلى شمال غرب شبه الجزيرة العربية، احتل فيها تيماء وديدان وخيبر ويثرب، والتي جاءت تحت اسم "أتريبو"، وكانت آخر موضع وصل إليه العاهل البابلي في بلاد العرب، وربما كان السبب في هذه الحملة، إنما كان مهاجمة العرب لمناطق خاضعة للبابليين، وربما كان رغبة البابليين في السيطرة على الطريق التجاري البري بين الشام وجنوب بلاد العرب٤.
وأيا ما كان السبب، فإن العاهل البابلي قد استقر في "تيماء" فترة تقرب من
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: آية١٣، وانظر: تفسير القرطبي ١٤/ ١٤٧-١٤٩ "دار الكتب" تفسير الفخر الرازي ٢٥/ ١٩٩-٢٠٠، تفسير روح المعاني ٢١/ ١٥٨-١٦١، تفسير البيضاوي ٢/ ٢٤٠-٢٤١، تفسير الطبري ٢١/ ١٨٧-١٨٨، تيسير العلي القدير ٣/ ٣٥٥-٣٥٦، تفسير الكشاف ٣/ ٢٥٤، في ظلال القرآن ٢١/ ٢٨٣٨-٢٨٣٩. ٢ جواد علي ٤/ ١٢٨، وكذا ENCY. OF ISLAM، III. P،٨٣ وكذا H. WINCKLER، ARABISCH-SEMITISCH ORIENTALISCH، IN MVG، ١٩٠١، P.٦٣ ٣ A. GARDINER، EGYPT Of The Pharaohs، P.٣٦٣ ٤ A.R. Burn، Persia And The Greeks، P.٣٨ وكذا C.J. Gadd، The Harran Inscriptions Of Nabonidus، P.٣٥ وكذا A. Musil، Northern Nejd، P.٢٢٥. وكذا As، ٨، ١٩٥٨،. P.٨٤ وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.٣٩. وكذا S. Smith، Op. Cit.، P٣، ٨٨
[ ٣٨٤ ]
سنوات عشر، بعيدًا عن عاصمته "بابل" التي لم يعد إليها إلا بسبب التهديدات الفارسية لها، فضلا عن بلاد العرب نفسها، وإلا بعد دعوة رعاياه الذين كانوا على خلاف معه طوال تلك الفترة١.
هذا وقد جاء اسم "يثرب" كذلك في جغرافية بطليموس، وعند "إصطفيانوس البيزنطي" تحت اسم "يثربة ٢Jathripa"، أما الأخباريون فيعرفونها باسم "أثرب" و"يثرب"٣، وأن يثرب -في رأيهم- إنما هي "أم قرى المدينة، التي حددوا امتدادها من طرف وادي قناة شرقًا، إلى طرف الجرف غربًا، ومن زبالة الزج جنوبًا، إلى البساتين التي كانت تعرف بالمال شمالا، وأما وادي قناة فيقع في الناحية الشمالية من المدينة، ويبعد عنها بأربعة كيلو مترات ونصف، ويقع في شمال جبل أحد، الذي يبعد عنه بنحو كيلو متر واحد تقريبًا، وأما المال فهو بعض بساتين العيون في الشمال الغربي، وأما زبالة الزج فهي قرية من قرى المدينة كانت بشمالي "سلع" إلى قرب وادي قناة، اندثرت آثارها فلم تعد معروفة، وذلك اعتمادًا على رواية السمهودي عن "زبالة الزج" بأن "كان لأهلها أطمان"، على روايته، وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، ومن ثم فإن حدود المدينة المنورة٤ -طبقا لرواية السمهودي- إنما كانت تتمثل في الأرض كثيرة النخل غربي مشهد سيدنا حمزة، ﵁، وشرقي البركة التي هي مصرف عين الأزرق، قريبًا من مسجد قباء٥.
_________________
(١) ١ هـ. ج ويلز: موجز تاريخ العالم ص٨٦، لودز: أنبياء بني إسرائيل ص٢٠٥ "باريس ١٩٣٥"، وكذا وكذا Cah، ٤، P.١٩٤ وكذا R.P. Doughty، Nabonidus And Belshazzar، ١٩٢٩، P.١٠٧ وكذا A. Gardiner، Op. Cit.، P.٣٦٣ ٢ جواد علي ٤/ ١٣٠، وكذا P.K. HITTI، OP. CIT.، P.١٠٤ وكذا PTOLEMY، VI، ٧، ٣١، ٣ السمودي: وفاء الوفا ١/ ٦-٧ - القاهرة ١٣٢٦هـ - خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ص٦-٧ "المدينة المنورة ١٩٧٢"، ياقوت ٥/ ٨٤، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٥٣٥. ٤ تقع المدينة المنورة على مبعدة ٤٤٣ كيلو مترا من مكة المكرمة عن طريق وادي فاطمة، وعلى مبعدة ٥٠٢ كيلو مترا عن طريق جدة المسفلت. ٥ محمد بن محمود بن النجار: الدرر الثمينة في تاريخ المدينة ص٣٢٣، إبراهيم بن علي العياشي: المدينة بين الماضي والحاضر ص٤٩٠، عبد القدوس ًُالأنصاري، آثار المدينة المنورة ص١٧٧-١٧٨ "المدينة ١٩٧٣" وفاء الوفا ١/ ٧، الأعلاق النفيسة ص٦٢.
[ ٣٨٥ ]
وعلى أي حال، فلم ينس أصحابنا الأخباريون أن يختلقوا تعليلا للاسم، فهي "يثرب" نسبة إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل من ولد سام بن نوح" أو "يثرب بن قائد بن عبيل بن مهلائيل"، هو أول من نزل بها عند تفرق ذرية نوح، على زعم، وهي من الثرب بمعنى الفساد، أو الترثيب أي المؤاخذة بالذنب، على زعم آخر، هي نسبة إلى رئيس العماليق الذين نزلوا بها بعد أن طردوا منها بني عيبل، من ولد سام كذلك، على زعم ثالث، بل إن هناك رواية رابعة -تنسب إلى ابن عباس- وتذهب إلى أن يثرب في الأصل إنما كان اسما لابن عبيل، الذي هو أول من نزل المدينة١.
وأما اسم المدينة، والذي جاء في القرآن الكريم، حيث يقول ﷾: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢ ويقول: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه﴾ ٣ ويقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَة﴾ ٤، فهو اسم شرفها به المصطفى -صلى الله عليه وعلي آله وسلم- حتى وإن رأى البعض أن الاسم مأخوذ
_________________
(١) ١ وفاء الوفا ١/ ٨، ١٠٩-١١٠، خلاصة الوفا ص٧، ١٥٥، الاشتقاق ٢/ ٣٥٠، البكري ٤/ ١٣٨٩، ياقوت ٥/ ٤٣٠، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٨٦، أحمد بن عبد الحميد العباسي: عمدة الأخبار في مدينة المختار ص٤١-٤٢، مروج الذهب ٢/ ١٢٧، أنساب الأشراف للبلاذري ص٦، عبد القدوس الأنصاري: المرجع السابق ص١٧٧. ٢ تفسير روح المعاني ١١/ ٩-١٢، تفسير المنار ١١/ ١٣-٢٢، تفسير الطبري ١٤/ ٤٤٠-٤٤٥، تفسير البحر المحيط ٥/ ٩٢-٩٣، الكشاف ٢/ ٢١١-٢١٢، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٥-٤٤٧، تفسير القرطبي ٨/ ٢٤٠-٢٤١، وانظر الآية الكريمة: سورة التوبة ١٠١. ٣ سورة التوبة: آية ١٢٠، وانظر: تفسير الطبري ١٤/ ٥٦١-٥٦٤، تفسير القرطبي ٨/ ٢٩٠-٢٩٢، تفسير البحر المحيط ٥/ ١١٢-١١٣، تفسير روح المعاني ١١/ ٤٥-٤٧، تفسير المنار ١١/ ٧٤-٧٦، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٧-٤٤٨، الكشاف ٢/ ٢١٩-٢٢٠، في ظلال القرآن ١١/ ٢٨٣٨-٢٨٣٩. ٤ سورة الأحزاب: آية ٦٠، وانظر: تفسير البيضاوي ٢/ ٢٥٢، تفسير روح المعاني ٢٢/ ٩٠-٩١، تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي" ٢/ ٢٥٢، تفسير الطبرسي ٢١/ ١١٤-١٢٠، تفسير الطبري ٢٢/ ٤٧-٤٨ "طبعة الحلبي"، تفسير القرطبي ١٤/ ٢٤٥-٢٤٧ "دار الكتب المصرية" تفسير الفخر الرازي ٢٥/ ٢٣٠-٢٣١، الدرر المنثور في التفسير بالماثور ٥/ ٢٢٢-٢٢٣ الكشاف ٣/ ٢٧٤، تفسير أبي السعود ٣/ ٢١٩، في ظلال القرآن ٢٢-٢٨٨٠-٢٨٨١، تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير ٣/ ٣٩١-٣٩٢.
[ ٣٨٦ ]
من الكلمة الأرامية "مدينتا" "Medinto Mcdinta" بمعنى "الحمى" أي المدينة، على رأي من يرى أن اليهود المتأثرين بالثقافة الآرامية، أو بعض المتهودة من بني إرم الذين نزلوا يثرب، هم الذين دعوها "مدينتا"، وأنها ربما عرفت بمدينة يثرب -كما جاء في اصطيفان البيزنطي- ثم اختصرت إلى "مدينتا أي المدينة"، ثم عرفت بمدينة الرسول، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، بعد هجرته إليها١.
هذا ويرى "البتنوني" -طبقًا لرواية سوف نناقشها فيما بعد وتتصل بغزو إسرائيلي للمدينة بأمر من الكليم ﵇- أن الجنود الإسرائيليين هم الذين أطلقوا عليها اسم "يثرب"، تحريفًا لكلمة مصرية هي "اتريبس"، كما أن اسم طيبة الذي استعمل اسما للمدينة مأخوذ عن طيبة المصرية٢.
على أن هذا الرأي يحتاج "أولًا" أن تكون قصة الغزو المزعومة حقيقية، وهو أمر تقوم كل الأدلة التاريخية على نقيضه، ثم هو يحتاج "ثانيًا" إلى إيجاد اسم آخر ليثرب قبل هذا الاسم، على أيام العماليق الذين تزعم قصة الغزو المزعومة أنهم كانوا يسكنونها، الأمر الذي لم يشر إليه صاحب هذا الرأي، وأخيرًا "ثالثًا" إذا كان صحيحًا أن الجنود الإسرائيليين هم الذين أطلقوا على المدينة اسم "يثرب"، لكان من الأولى أن يطلقوا عليها واحدًا من أسماء المدن التي كانت في المنطقة التي كانوا يعيشون فيها في مصر -هناك على أطراف الدلتا الشرقية- مثل "بي رعمسيس" العاصمة المصرية وقت ذاك، أو "تانيس" التي جاءت في التوراة تحت اسم "صوعن"
وأما أن يثرب تحريف للكلمة المصرية "أتريبس"، ولعله يعني "أتريب" "بنها الحالية"، فليس هناك من دليل على ذلك، وربما كان الأقرب إلى الصواب أن تكون تحريفًا لـ "أتريبو"، التي جاءت في نص نبونيد الآنف الذكر، كما أن القول بأن اسم "طيبة" منقول عن اسم العاصمة المصرية الشهيرة "طيبة"٣ أمر يحتاج
_________________
(١) ١ عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٥٣٧، أحمد إبراهيم: المرجع السابق ص٢٩١، جواد علي ٤/ ١٣٠، وكذا O'leary، OP. CIT.، P.١٧ وكذا EI، III، P.٨٣ وكذا H. WINCKLER، OP. CIT.، P.٥٣ وكذا P.K. HITTI، OP. CIT.، P.١٠٤ وكذا ZDMG، ٢٢، P.٦٦٨ ٢ محمد لبيب البتنوني: الرحلة الحجازية - القاهرة ١٢٢٩هـ- ص٢٥٢-٢٥٣. ٣ تقع طيبة "الأقصر الحالية" على مبعدة حوالي ٥٠٠ كيلو مترا إلى الجنوب من القاهرة، وأما اسم المدينة الأصلي فهو "ويسة" "ويزة"، بمعنى الصولجان وهو رمز الحكم والسلطان عند الفراعين، وأما اسم=
[ ٣٨٧ ]
إلى نظر؛ لأسباب منها "أولًا" أن طيبة كانت وقت ظهور الإسلام، قد ودعت أمجادها التليدة، يوم أن كانت عاصمة للإمبراطورية المصرية لمئات السنين، ومنها "ثانيًا" أننا حتى لو افترضنا أن المسلمين كانوا يعرفون شيئا عن المدن المصرية القديمة الكبرى في تلك الفترة، بسبب العلاقات بين مصر وبلاد العرب، والتي بدأت منذ فترة مبكرة في التاريخ، واستمرت حتى الفتح العربي لمصر "عام ٢٠هـ -٦٤٠م"١.
فإن طيبة إنما تقع في منطقة نائية هناك في الصعيد الأقصى، وأن القادمين من بلاد العرب ينتظر أن يكونوا على معرفة بالإسكندرية، عاصمة مصر وقت ذاك، فضلا عن مدن الدلتا القريبة من سيناء -حلقة الاتصال بين مصر وبلاد العرب- ثم إن اسم طيبة نفسه قد لا يشجع على القول بأن المسلمين قد أخذوه عن العاصمة المصرية القديمة، فهو اسم وثني يرتبط بالإله آمون على رأي، ومأخوذ عن اسم المدينة اليونانية "طيبة" على رأي آخر.
وأيا ما كان الأمر، فلقد كثرت أسماء المدينة المنورة في العصر الإسلامي، حتى بلغت عشرة أسماء على رأي، وأحد عشر اسما على رأي آخر، وتسعة وعشرين على رأي ثالث، وأربعة وتسعين على رأي رابع، وإن كان أهمها جميعًا: المدينة ويثرب وطيبة وطابة والعاصمة والقاصمة والجدية والمحبوبة والمؤمنة والمباركة والمحفوظة والمختارة والجابرة والعذراء والغراء والبارة والمقدسة والناجية وذات الحرار ومدخل صدق وقرية الأنصار وسيدة البلدان والخيرة وأرض الهجرة ودار
_________________
(١) = طيبة فربما كان مصري الأصل، ويتكون من "غبه" أحد أماكن عبادة آمون، ومن أداة التعريف "تي" بحيث يصبح الاسم كله "تيبه" "طيبة"، ولما جاء الإغريق إلى مصر لم يجدوا مشقة في الملاءمة بين ذلك الاسم وبين اسم مدينتهم المعروفة "طيبة"، هذا وقد اشتهرت المدينة بعدة أسماء منها "نو آمون" أي مدينة آمون و"المدينة" فقط، و"المدينة الجنوبية"، تمييزا لها عن "منف" التي تقع على مقربة من القاهرة الحالية، و"سيدة المدائن"، ثم خلع عليها الإغريق اسم "ديوس بوليس مجنا" "مدينة الله الكبرى"، ثم أطلق عليها الكتاب القدامى من أمثال ديودور وسترابو وبليني واصطيفانوس البيزنطي اسم "طيبة ذات المائة باب"، وأما اسمها الحالي "الأقصر" "جمع تكسير لكلمة قصر" فقد أطلقه العرب عليها حين بهرتهم عمائرها الكبرى فعدوها قصورا، هذا وقد كانت طيبة عاصمة لمصر في أغلب عصور ازدهار الحضارة المصرية "انظر: أحمد بدوي: في موكب الشمس ٢/ ٣١٧-٣٣٥، إرمياء ٤٦: ٢٥، وكذا J. BAIKI، EGYPT. ANTIQ. IN THE NILE VALLEY، P.٣٤٢.F ١ انظر عن هذه العلاقات مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" -مجلة كلية اللغة العربية- العدد السادس - الرياض ١٩٧٦.
[ ٣٨٨ ]
الهجرة ودار الأخيار ودار الإيمان ودار الأبرار ودار السنة وبيت الرسول ومدينة الرسول ومضجع الرسول وحرم رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
ومن أسف أن تاريخ يثرب القديم مجهول، فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها، ولم تقم بها حفريات علمية يمكن أن تقدم لنا معلومات ذات قيمة عن تاريخ المدينة المقدسة القديم، وإن كانت هناك حفريات قد أجريت دون أن يقصد بها ذلك الهدف العلمي -كالتي حدثت في الأعوام ١٣٣٣، ١٣٣٥، ١٣٥٢هـ- في أحد البساتين، وإبان حفر أساس القسم الشمالي لمدرسة العلو الشرعية الواقعة بقرب باب النساء، وفي المناخية جنوبي السبيل، إلا أنها قد كشفت عن بعض أشياء قد تشير إلى أن المدينة الحالية، إنما قامت على أنقاض مدينة أخرى -الأمر الذي اشار إليه اليهود منذ القرن التاسع الهجري- ومن ثم فإن معلوماتنا الحالية، إنما تعتمد في الدرجة الأولى على روايات الأخباريين، وأكثرها من ذلك النوع الذي عرفناه من قبل٢.
_________________
(١) ١ وفاء الوفا ١/ ٧-١٩، خلاصة الوفا ص٧-١٧، الدرر الثمينة في تاريخ المدينة "ملحق بالجزء الثاني من شفاء الغرام" ص٣٢٣، المقدسي: أحسن التقاسيم ص٣٠ "ليدن ١٩٠٦"، الأغلاق ص٥٩، ٨٧، البكري ٤/ ١٢٠١-١٢٠٢، ياقوت ٥/ ٨٢-٨٣، ٤٣٠، عمدة الأخبار ص٤١، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٥٣٨. ٢ عبد القدوس الأنصاري: آثار المدينة المنورة ص١٩٢-١٩٤، أحمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص٢٩٠-٢٩١، محمد حسين هيكل: في منزل الوحي ص٥١٢-٥١٤.
[ ٣٨٩ ]