تقع حضرموت إلى الشرق من اليمن على ساحل بحر العرب، ويصفها "ياقوت الحموي" بأنها ناحية واسعة في شرق عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود ﵇، وبقربها بئر برهوت، وبها مدينتان يقال لإحداهما "تريم" وللأخرى شبام"، وعندها قلاع وقرى١.
وقد تردد اسم حضرموت في كتابات اليونان والرومان، مع شيء قليل أو كثير من التغيير أو التحري، فهو عند "إيراتوسثينيس" "٢٧٦-١٩٤ق. م" "Chatramotitae"وعند "ثيوفراستوس Hadramyta"وعند "بليني" "Atramitae" وعند بطليموس "٢Adramitae".
وحضرموت عند الأخباريين "ابن يقطان" وتلك في الواقع رواية التوراة حيث نقرأ في التكوين وفي أخبار الأيام الأول أن "يقطان ولد الموارد وشالف وحضرموت ورياح"٣.
وقد وصف صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" سواحل حضرموت الجنوبية بأنها مناطق موبوءة يتجنبها الناس، ومن ثم فلا يجمع التوابل منها إلا "دخول" ملك حضرموت، وإلا أولئك الذين كتب عليهم القصاص من جريمة ما٤، وربما
_________________
(١) ١ ياقوت ٢/ ٢٧٠، وانظر: البكري ٢/ ٤٥٥. ٢ جواد علي ٢/ ١٢٩ وكذا Pliny، ٦، ٢٨، ٣٢ وكذا Ei، P.٢٠٧ وكذا O'leary، Op. Cit.، P.٩٩ وكذا Ptolemy، Vi، ٧، ١٠ وكذا C. Forster، Op. Cit.، P.١١٣، ١٩٤ وكذا Theophrastus، Enquiry Into Plants، ٢، P.٢٣٥ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٤١ ٣ تكوين ١٠: ٢٦، أخبار أيام أول ١: ٢٠. ٤ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٨٧
[ ٢٠٩ ]
كان لذلك صلة بالمعنى العبري للكلمة "دار الموت" والذي نقله مسلمة أهل الكتاب، كما نقلوا غيره إلى المصادر العربية١، ومن ثم فقد قيل اسم حضرموت في التوراة "حاضرميت"، وإن قيل كذلك، إنما سميت حضرموت نسبة إلى "حضرموت ابن يقطن بن عابر بن شالح٢".
على أن "ياقوت الحموي" إنما يقدم لنا تعليلا آخر -توراتيًّا كذلك- يجعل حضرموت اسما لرجل، هو "عامر بن قحطان" وأنه كان إذا حضر حربًا أكثر فيها من القتل، ومن ثم فقد سمي بحضر موت٣، أو أنها على اسم "حضرموت ابن قحطان" الذي نزل هذا المكان فسمي به، فهو اسم موضع، واسم قبيلة٤.
وأيًّا ما كان الصواب في هذه التعليلات، فمما لا شك فيه أن هناك دولة قامت في جنوب بلاد العرب تحمل اسم "حضرموت"، وأنها كانت تعاصر معين وقتبان وسبأ، إلا أن العلماء ما يزالون مختلفين على عصر هذه الدولة، فذهب نفر منهم إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م-٢٩٠م"٥، بينما ذهب فريق آخر إلى أنها إنما كانت في الفترة "٤٥٠ق. م- القرن الثاني الميلادي"٦. هذا وقد قدمت لنا الاكتشافات الحديثة الكثير من أسماء ملوك حضرموت، وإن كان العلماء لم يتفقوا بعد على ترتيبهم ترتيبًا تاريخيًّا٧.
وعلى أي حال، فما تزال البعثات العلمية توالي العمل هناك، وآخرها تلك البعثة الأمريكية التي قامت في عام "١٩٦١/ ١٩٦٢" بمسح أثري للوادي، واكتشفت هناك عدة قرى ومواقع أثرية، وأطلال معابد وفخار، فضلا عن ١٢٠٠ نقش، منها ١٨ نقشًا ثموديًّا، لعل أهمها نقوش قرية "سنا" حيث يقوم هناك معبد للإله
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ١٢٠ وقاموس الكتاب المقدس ١/ ٣٧٨. وكذا Ep، P.١٩٧٦ وكذا J. Hasting، Op. Cit.، P.٣٣٣ وكذا J. Montgomery، Arabia And The Bible، P.٣٩ ٢ ياقوت ٢/ ٢٧٠. ٣ ياقوت ٢/ ٢٧٠. ٤ ياقوت ٢/ ٢٧٠. ٥ J.B. Philby، The Background Of Islam، P.١٤١ ٦ S. Moscati، Op. Cit.، P.١٧٩ ٧ أنظر: جواد علي ٢/ ١٦٦٠١٧٠، فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٧٦-٢٧٨.
[ ٢١٠ ]
القمر "سين" ونقوش "العقلة" التي تتضمن أسماء ملوك حضرموت وسبأ١، وإن كان معظمها قد صوره من قبل "فلبي" وكتب عنه.
وتدلنا النقوش التي تركها الحكام الحضارمة على مدى عنايتهم بالإصلاحات الداخلية، فضلا عن علاقتهم بالدويلات المجاورة، ومن ذلك الكتابة التي تركها لنا "شكم سلحان بن رضوان"، أحد كبار موظفي حكومة حضرموت، ربما في عهد "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وفيها يتحدث الرجل عن بناء سور وباب وتحصينات لحصن" "قلت"- ويشرف على واد تقطعه الطريق بين مدينة "حجر" وميناء "قنا" -فضلا عن إنشاء جدار وحواجز في ممرات الوادي الرئيسية، وذلك لحماية منطقة حجر من أي غزو أجنبي، ولا سيما غزو الحميريين الذين كانوا يهددون حضرموت، ويتدخلون في شئونها، وأن ذلك العمل قد تم في خلال ثلاثة أشهر تقريبًا، كما أنشأ استحكامات ساحلية لحماية البر من أي هجوم بحري، ومن ثم فقد أقام على ما يبدو حصونًا على لسانين بارزين في البحر لحماية الخليج الذي كان بينهما، كما حصّن المنفذ المؤدي إلى "ابنة" وإلى مدينة "ميفعة" حيث بنى سورًا قويًّا، فضلا عن برجين وباب وأماكن للجنود لاستخدامها إبان الدفاع عن المدينة٢.
هذا ويرى نفر من الباحثين أن الكتابة التي دونها صاحبنا "شكم شلجان" هذا، إنما هي أقدم كتابة حضرمية وصلت إلينا حتى الآن، وأنها ترجع إلى القرن الخامس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد٣.
ويبدو أن حضرموت كانت تعاني في تلك الأيام من هجمات الحميريين المتتالية عليها، ومن ثم فقد لجأت إلى سد الأودية بجدر حصينة قوية، حتى يمكنها التحكم في المرور في الوادي، وبالتالي تستطيع منع الحميريين من غزوها، وكانوا في تلك الفترة يقيمون في جنوب وجنوب شرق لبنة وميفعة، قبل أن يتحولوا إلى الأماكن التي عرفت باسمهم قبيل القرن الثاني ق. م٤.
_________________
(١) ١ انظر: G.W. Van Beek، G.H. Cala، And A. Jamme، An Archaeological Reconnaissance In Hadhramout، South Arabia، Preliminary Report ٢ جواد علي ٢/ ١٣٢-١٣٣ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٤٤ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٩٥ ٣ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٠٩ ٤ جواد علي ٢/ ١٣٤-١٣٥.
[ ٢١١ ]
ويرى "فون فيسمان" أن حمير قد استولت على ميناء "قنا" "Cana" في أيام الملك "يشكر إيل يهرعش بن أبيع"، وقد كان ميناء قنا هو الميناء الوحيد الصالح للملاحة، ومن ثم فإن حركة الملاحة بين حضرموت من ناحية، والهند وإفريقيا من ناحية أخرى، قد تركزت فيه١.
وهناك كتابة عثر عليها "فلبي" "عرفت بفلبي ١٠٣" تتحدث عن إنشاء طريق على أيام الملك "علهان بن يرعش" في ممر "Hamtaban" شرقي شبوة، لتسهيل وصول القوافل إلى العاصمة، فضلا عن تسهيل وصول الجيش إلى مقر الملك للدفاع عنه٢.
وهناك كتابة أخرى "فلبي ٨٢" ترجع إلى أيام الملك "العزيلط" ملك حضرموت دونها شريفان من حمير بعث بهما ملك سبأ وذي ريدان، للمشاركة في الاحتفال بتتويج ملك حضرموت في حصن أنود، وأخرى دونها الملك الحضرمي نفسه، وفيها يقول "العزيلط ملك حضرموت، ابن عم ذخر، سار إلى حصن أنود، ليتلقب بلقبه "٣.
وفي الواقع أننا نستطيع أن نستنتج من هذه النصوص عدة نتائج منها "أولًا" أن العلاقات بين حضرموت وسبأ كانت في تلك الأيام ودية، ومن ثم فإننا نرى ملك سبأ يشارك -عن طريق مبعوثيه- في الاحتفال بتتويج الملك الحضرمي، ولكن من ناحية أخرى، ربما كان وجود المبعوثين السبئيين إشارة إلى أن ملك حضرموت، إنما كان يتولى سلطانه برضى من ملك سبأ، بخاصة وأن الكتابة إنما دونها مبعوثا ملك سبأ٤، ومنها "ثانيًا" أن القوم في حضرموت قد اعتادوا عند تنصيب ملك جديد، أو إضافة لقب جديد إلى ألقاب الملك القديمة، أن يتم ذلك عند حصن "أنود"٥،
_________________
(١) ١ Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٤ ٢ J.B. Philby، Three New Inscriptions From Hadhramout، Jas، ١٩٤٥ ٣ جواد علي ٢/ ١٤٢ وكذا J.B. Philby، Sheba's Daughters، London، ١٩٣٩. P.٤٤٩-٤٥٠ ٤ جواد علي ٢/ ١٤٢. ٥ حصن أنود "أنوردم": ويقع في موضع "عقلة الحالية" وهو على شكل مربع، يشرف على واد يتصل بتلال "شبوة"، وقد كان حصنًا ومعسكرًا يقيم فيه الجيش لحماية مزارع الوادي "انظر: جواد علي ٢/ ١٥٧-١٥٨ وكذا "J.B. Philby، Sheba's Daughters، London، ١٩٣٩، P.٣١٤f
[ ٢١٢ ]
وإن كنا لا ندري متى بدأ هذا التقليد، وعلى أي حال، فلقد استمر ذلك حتى القرن الثاني الميلادي، فيما يرى "أولبرايت"، أو بالتحديد إلى عام ٢٠٠م، فيما يرى "ريكمانز"١، ومنها "ثالثًا" أن هذا المكان ربما كان من الأماكن المقدسة عند القوم، أو على الأقل ذا مكانة خاصة جرت العادة على أن يتوج الملوك فيه٢.
وهناك نصوص تفيد أن "العزيلط" "وربما كان العزيلط الثاني" قد استقبل وفودًا من الهند ومن تدمر ومن الآراميين، بل إن الكتابة المعروفة ب"جام٩١٩" تتحدث عن مرافقة عشر نساء قرشيات له إلى حصن أنود، مما يدل على أن ملك حضرموت كانت له علاقات ودية -وربما تجارية في الدرجة الأولى- مع الهند وتدمر والآراميين، كما أن ذكر قريش هنا- إن كان المقصود بها قريش المعروفة صاحبة مكة- يعد أقدم ذكر لها في وثيقة مدونة، وإن كنا لا ندري ما هي صفة هؤلاء النسوة القرشيات٣.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نقش "فلبي٨٤" ذي الأهمية الخاصة بالعاصمة "شبوة"، حيث يتحدث فيه صاحبه "يدع إل بين بن رب شمس" بأنه من أحرار يهبأر -أي من صرحاء القبيلة- وأنه قد عمر مدينة شبوة وأقام بها، وبنى معبدها من الحجارة بعد الخراب الذي حل بها، وأنه -احتفالا بهذه المناسبة- قد أمر بتقديم القرابين في حصن أنود، فذبح "٣٥ ثورًا، ٨٢ خروفًا، ٢٥ غزالًا، ٨ فهود"٤.
ومن أسف أن الملك الحضرمي لم يحدثنا عن سبب هذه المأساة التي حلت بشبوة، ومن ثم فقد تضاربت آراء الباحثين حوله، فذهب نفر منهم إلى أن ذلك إنما كان لأن سبأ قد استولت عليها، وأن قتالا ضاريًّا قد وقع بين الفريقين، بذل فيه "يدع إل بين" كل ما استطاع حتى لا تقع المدينة في أيدي الغزاة، ومن ثم فقد كان خراب المدينة وتدمير معبد الإله "سين" بها.
_________________
(١) ١ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٠٨ ٢ جواد علي ٢/ ١٤٢. ٣ Aj، ٩١٩، ٩٣١ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٤ وكذا Basor، ١١٩، ١٩٥٠، P.١٤. وكذا Le Museon، Lxiii، ٣-٤، P.٢٦١، ٦٢، ٦٥ ٤ جواد علي ٢/ ١٤٧ وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.٥٤١ وكذا Le Museon، Lxi، ٣-٤، ١٩٤٨، P.١٩٠
[ ٢١٣ ]
وذهب فريق آخر إلى أن "يدع إل بين" كان ثائرًا حضرميًّا ساءه أن تحتل سبأ عاصمة بلاده، ومن ثم فقد كانت الحرب الضروس بين الفريقين، مما أدى إلى خراب المدينة، وإعلان "يعد إل بين" نفسه ملكًا على حضرموت، وذهب رأي ثالث إلى أن الحرب إنما كانت بين الحضارمة أنفسهم، وأن "يدع إل بين" كان ثائرًا على الملك الشرعي في حضرموت -وليس في سبأ- وأن الحرب قد انتهت بزوال الأسرة الملكية السابقة، وتتويج "يدع إل بين" ملكًا على حضرموت، وإن كتب على المدينة أن تلاقي الأمرين في هذه الحرب الأهلية، وأن يدمر معبدها فيها، وأما تاريخ هذا النص فهو القرن الثاني الميلادي، على رأي "أولبرايت"، وبعد عام ٢٠٠م، على رأي ريكمانز١.
على أن "هومل" إنما يرى أن "يدع إل بين" إنما كان آخر ملوك حضرموت، وأن دولته قد دالت حوالي عام٣٠٠م، وأن السبئيين قد ورثوها على أيام "شمر يهرعش"٢، غير أن "فلبي" قد اعترض على ذلك، محتجًّا بأنه قد عثر في عام ١٩٣٦م عند "العقلة" على نقش جاء فيه ذكر هذا الملك، كمؤسس لأسرة ظلت تحكم أجيالا، وكذلك كمؤسس لمدينة "شبوة" التي كانت من المدن المشهورة على أيام "سترابو" "٦٦ق. م -٢٤م" و"بليني" "٣٢-٧٩م"، هذا وقد عثر "هارولد إنجرامز" عام ١٩٣٩م، على نقش عند أول وادي "عرمة"، ربما يرجع إلى ما قبل تأسيس شبوة -"وإن كان من المحتمل أن يكون لغير هذا الملك رغم تشابه الأسماء" -ومن ثم فإن تاريخ شبوه وقيام هذه الأسرة بحكم حضرموت، إنما يرجع إلى القرن الثاني ق. م، بخاصة وأن الظروف وقت ذاك، كانت تتطلب أسرة حضرمية جديدة، تبادر إلى تأسيس عاصمة جديدة، وتهيمن على طرق مواصلات تجارة البخور، بعد أن بدأت عوامل الضعف تدب في مملكة سبأ منذ القرن الثالث قبل الميلاد٣.
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ١٤٧-١٤٨. وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١١٥ ٢ فريتز هومل: المرجع السابق ص١٠٧. ٣ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٧٥.
[ ٢١٤ ]
وأما متى انتهت دولة حضرموت، وكيف أصبحت جزءًا من مملكة سبأ وذي ريدان، فذلك موضع خلاف بين الباحثين، فهناك من يرى أن ذلك إنما كان في عام ٢٩٠، بينما يرى آخرون أنه كان على أيام "شمر يهرعش"، وبعد عام ٣٠٠م، وأخيرًا فهناك فريق ثالث يذهب إلى أن سقراط حضرموت، إنما كان في القرن الرابع الميلادي، وقبل احتلال الحبشة الأول للعربية الجنوبية "الذي يرونه فيما بين عامي ٣٣٥، ٣٧٠م" بقليل١.
_________________
(١) ١ فؤاد حسنين المرجع السابق ص٢٧٧. وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٦٦-١٤٤
[ ٢١٥ ]