أو "التورة" كلمة عبرية تعني الهداية والإرشاد، ويقصد بها الأسفار الخمسة الأولى "التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية" والتي تنسب إلى موسى -﵇- وهي جزء من العهد القديم، والذي يطلق عليه تجاوزًا اسم "التوراة" من باب إطلاق الجزء على الكل، أو لأهمية التوراة ونسبتها إلى موسى، والتوراة، أو العهد القديم -تمييزًا له عن العهد الجديد كتاب المسيحيين المقدس- هو كتاب اليهود الذي يضم إلى جانب تاريخهم، عقائدهم وشرائعهم، ويقسمه أحبار اليهود إلى ثلاثة أقسام: الناموس والأنبياء والكتابات"١.
هذا وقد تحدثت التوراة في كثير من أسفارها عن العرب وعلاقتهم بالإسرائيليين، كما جاء في أسفار التكوين والخروج والعدد ويشوع والقضاة وصموئيل -الأول والثاني- والملوك -الأول والثاني- وأخبار الأيام -الأول والثاني- ونحميا والمزامير وأشعياء وإرمياء وحزقيال ودانيال والمكابيين-الأول والثاني-.
غير أن التوراة عندما تتحدث عن العرب، فإنما تهتم بالقبائل والأماكن العربية ذات العلاقة الاقتصادية باليهود في بعض الأحيان، وذات العلاقة السياسية في أحوال أُخَر، ولهذا نجدها عندما تتحدث عن القبائل في شبه الجزيرة العربية، فإنما تتحدث عنها على أساس أنها قبائل كانت لها علاقة بالعبرانيين، ثم هي قبائل متبدية في المكان الأول، إلا عندما يتصل الأمر بقصة سليمان وملكة سبأ، فالأمر جد مختلف، ويصبح لهذه القبائل شأن آخر٢.
وعلى أي حال، فعلينا حين نتعامل مع التوراة كمصدر تاريخي، أن نتخلص تمامًا من الهالة التي أسبغها عليها المؤمنون بها، وأن ننظر إليها كما ننظر إلى غيرها من المصارد التاريخية، ولا يهمنا هنا أن تكون التوراة كتابًا مقدسًا أو لا تكون، فذلك شأن من يريدون أن يروها في نصها الراهن على هذا النحو أو ذاك، ولكن
_________________
(١) ١ قدم المؤلف دراسة مفصلة عن التوراة في كتابه "إسرائيل" ص١٩-١٥٩. ٢ عبد الرحمن الطيب الأنصاري: لمحات عن القبائل البادية في الجزيرة العربية "مطبوعات جمعية التاريخ والآثار بكلية الآداب - جامعة الرياض" عام ١٩٦٩ ص٨٦.
[ ٢٦ ]
الذي يهمنا هنا ألا تكون كتاب تاريخ يحاول فرض مضمونه على الحاضر والمستقبل، كما حاول فرضه على الماضي، وإذا كان ما يعزى للتوراة من قيمة تاريخية لا يجد له سندًا، إلا فيما يزعم لها من قداسة، فالذي لا شك فيه أن هناك ثمة علاقة بين قيمة التوراة ككتاب تاريخ، وقيمتها ككتاب مقدس، ذلك أنه كلما تدعمت قيمتها ككتاب مقدس تضاءلت الريبة في صدق ما تضمنته من وقائع وسهل وصول هذه الوقائع إلى يقين الناس على أنها من حقائق التاريخ التي لا ينبغي الشك فيها، وقد أدركت الصهيونية العالمية هذه الحقيقية، فأحسنت استغلالها إعلاميًّا في الغرب المسيحي لدعم ما زعمت أنه حقها في إنشاء دولتها إسرائيل، ولكن أية قيمة تبقى لتاريخ لا يجد سندًا له، إلا فيما يزعم لكتاب واحد من قداسة، وهي بعد قداسة توجه إليها سهام الريب من أكثر من جانب، وليس بالوسع القول بأنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات١.
ومن هنا فإننا سننظر إلى التوراة كمصدر تاريخي، دون أن نتقيد كثيرًا بتلك الهالة التي فرضتها على المؤمنين بها، إن من كتبوا التوراة المتداولة اليوم -كما يقول المؤرخ الإنجليزي سايس- كانوا بشرًا مثلنا، وهم كمؤرخين لا يختلفون كثيرًا عن نظائرهم من معاصريهم في الشرق، كما أنه ليس هناك تاريخ لا يحتمل المناقشة، بل لا يحتمل أن نخطئه، وما دامت التوراة كتاب تاريخ، فليس هناك ما يمنع المؤرخ من أن يناقشها مناقشة حرة دون تمييز، يتقبل ما تقوله بصدر رحب، إن كان يتفق مع الأحداث التاريخية، ويوافق المنطق والمعقول، ويرفضه حين نذهب بعيدًا عن ذلك٢.
_________________
(١) ١ صبري جرجس: التراث اليهودي الصهيوني - القاهرة ١٩٦٧ ص٥١، ٥٨-٥٩. ٢ انظر عن "التوراة والحقائق التاريخية" كتابنا إسرائيل ص١١٣-١٢٣.
[ ٢٧ ]