الحرة -كما في معجم ياقوت- أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أُحْرِقَت بالنار١، وهذه الحرات إنما هي مقذوفات بركانية تبتدئ من شرق حوران، وتمتد منتثرة إلى المدينة المنورة -التي هي نفسها تقع بين حرتين "واقم والوبرة" وهي كثيرة في بلاد العرب عدة منها بعض الكتاب نحوًا من تسع وعشرين حرة٢، وأشهرها حرة واقم، والتي تنسب إليها وقعة الحرة "٦٣/ ٦٨٣" على أيام يزيد بن معاوية، حيث قتل الأمويون أكثر من عشرة آلاف من أهل المدينة، وارتكبوا ضد أهلها الكثير من الفظائع، وفعلوا بها -كما فعلوا بمكة من بعد- ما لا يتفق مع خلق أو دين، فضلا عن انتهاك حرمة مدينة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم٣.
والحرة عادة مستطيلة الشكل، فإذا كان فيها شيء مستطيل غير واسع، فذلك الكراع واللابة٤ "اللافا" وهي صخور بركانية، وتكثر الحرات في الأقسام
_________________
(١) ١ ياقوت ٢/ ٢٤٥. ٢ البكري ١/ ١٤-١٥، ٢/ ٤٣٥-٤٣٨، ياقوت ٢/ ٢٤٥-٢٥٠، الأصفاني: المرجع السابق ص١٤-١٥، أحمد أمين: فجر الإسلام ص٢. ٣ مروج الذهب ٣/ ٧٨، التنبيه والإشراف ص٣٠٥، أبو الفداء ١/ ١٩١-١٩٢، تاريخ الطبري ٤/ ٣٧٤، ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ١/ ٢٢٨، ياقوت ٢/ ٢٤٩، ابن الأثير ٣/ ٣١٠-٣١٤، تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٩٨-١٦٠، فيليب حتي: تاريخ العرب ص٢٥٤، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ٢/ ٨٦-٨٨، عبد العزيز سالم: تاريخ الدولة العربية، الإسكندرية ١٩٧٣ ص٣٦٩-٣٧١. ٤ ياقوت ٢/ ٢٤٥.
[ ٩٣ ]
الغربية من شبه جزيرة العرب، وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد الشام بمنطقة حوران -ولا سيما في الصفاة- وتوجد في المناطق الوسطى، وفي المناطق الشرقية الجنوبية من نجد حيث تتجه نحو الشرق، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، حيث نلاحظ الحجارة البركانية، على مقربة من باب المندب وعند عدن، وقد ذكر العرب أسماء عدة منها -كما أشرنا آنفًا- وأضاف إليها السياح عدد آخر، عثروا عليه في مناطق ثانية١.
ولعل أهم هذه الحرات: حرة العويرض، وتقع غرب درب الحاج الممتد من تبوك إلى العلا، ويبلغ طولها أكثر من مائة ميل، بعرض يكاد يقرب من ذلك، ومتوسط ارتفاعها عن سطح البحر حوالي خمسة آلاف قدم، كما أن أعلى مواقعها جبل عنازة الذي يزيد ارتفاعها على ٧٠٠٠ قدم فوق سطح البحر٢، وهناك كذلك حرة الحذرية وحرة واقم وحرة ليلى شوران وحرة النار قرب خيبر، وجميع هذه الحرار في الحجاز قرب المدينة المنورة٣.
وفي أرض اليمن عدد كبير من الحرار، منها حرة "أرحب" شمالي صنعاء، ولها "لابة" "لافا" يستخرج الناس منها حجارة سوداء لبناء البيوت٤، كما أن هناك كثيرًا من الحرار في القسم الشمالي من "وادي أبرد"- بين صنعاء ومأرب- ولعل كثرة الحرار بجوار المدن القديمة هو الذي دفع البعض إلى تفسير هلاك بعض المدن -كخراب مأرب وحقه وشبوه- على أنه من هياج البراكين٥.
ولعل أشهر حرار اليمن "حرة ضروان" وقد بلغ من شهرة قذفها للحمم وارتفاع لهيبها، أن القوم كانوا يتعبدون لها ويتحاكمون إليها فيما يشجر بينهم من خلاف، إذ كانوا يعتقدون أن النار تخرج فتأكل الظالم وتنصف المظلوم٦، وأخيرًا فهناك كذلك حرار في عدن وحضرموت وعمان والربع الخالي٧.
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ١٤٧ وكذا C.M. DOUGHTY، OP. CIT.، P.٦١٨ وكذا A.MUSIL، OP. CIT.، P.٣٢١ وكذا C.P. GRANT، OP. CIT.، P.١٢٢ ٢ فؤاد حمزة: المرجع السابق ص٥٨. ٣ ياقوت ٢/ ٢٤٥-٢٥٠، البكري ١/ ١٤-١٥، ٢/ ٤٣٥-٤٣٨، القاموس المحيط ٢/ ٦-٧، ٦٥، ١٥٠، ١٧٢، ٤/ ٤٨، ١٨٧، ٢٦٥، الأصفهاني: المرجع السابق ص١٤-١٥، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٢٩-٣٠. ٤ جواد علي ١/ ١٨٩ وكذا H. SCOTT، IN THE HIGH YEMEN، LANDON، ١٩٤٧، P.٨ ٥ J.B. PHILBY، SHEBA.htm'S DAUGHTER، P.١٠٣، ٣٨٩. وكذا GJ، ٩٢، ١٩٣٨، P.١٢٧ ٦ الإكليل ١/ ٣٣، جواد علي ١/ ١٤٨، وانظر: ياقوت ٣/ ٤٣٥. ٧ جواد علي ١/ ١٩٠، وانظر: ياقوت ٥/ ٣٥٦-٣٥٩ وكذا D.G. HOGARTH، THE NEAR EAST، P.٩٧
[ ٩٤ ]