ليس من شك في أن مكة المكرمة أهم مواضع الحضر في الحجاز على الإطلاق، وأنها ربما ترجع في نشأتها الأولى إلى عهد الخليل وولده إسماعيل، ﵉، وأن سكانها من الإسماعيليين، إلى جانب قبائل عربية، لم يذكر لنا المؤرخون عنها معلومات دقيقة، كالعماليق وجرهم وخزاعة١، وأن الإسماعيليين -أو العدنايين كما يسميهم المؤرخون المسلمون- كانوا يتكلمون اللغة العربية التي لم تصلنا بها نقوش مكتوبة، ربما بسبب عدم وجود خط متميز لهم قبل الإسلام -كخط المسند في الجنوب- وربما لأن طبيعة السكان في الحجاز لم تكن تميل إلى الكتابة٢، وإن وجدت كتابات لغير الإسماعيليين في الحجاز.
ويختلف المؤرخون في اشتقاق كلمة "مكة"، فذهب فريق إلى أنها إنما سميت كذلك، لأنها تمك الجبارين، أي تذهب نخوتهم، وذهب فريق ثان إلى أنها إنما تقع بين جبلين مرتفعين عليها، وهي في هبطة بمنزلة المكوك، وذهب فريق ثالث إلى أن الكلمة مشتقة من "أمتك" من قولهم: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا مصه مصا شديدا، ولما كانت مكة مكانا مقدسا للعبادة فقد أمتكت الناس، أي جذبتهم من
_________________
(١) ١ الأغاني ١٩/ ٩٤، المعارف ص٣١٣. ٢ النويري ٢/ ٢٧٨، كشف الظنون ١/ ٢٥-٢٦، أصل الخط العربي ص٧، عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية ١/ ٧٧، وكذا E. Gibbon، Op. Cit.، ٥، P.٢٢٠
[ ٣٤٩ ]
جميع الأطراف١، إلى غير ذلك من التفسيرات المألوفة عند الأخباريين في تفسير الأسماء القديمة التي لا علم لهم بها.
غير أن اسم مكة لما كان سابقا لتفسيرات الأخباريين هذه، ولما كان الجنوبيون قد سكنوا مكة مع الإسماعيليين، فإن هناك من يرجح أن الاسم إنما أخذ من لغة الجنوب، مستندا إلى البيت الحرام، فمكة أو "مكرب" -في رأي هذا الفريق من العلماء- كلمة يمنية مكونة من "مك" و"رب"، ومك بمعنى بيت، فتكون "مكرب" بمعنى "بيت الرب" أو "بيت الإله"، ومن هذه الكلمة أخذت مكة -أو بكة بقلب الميم باء على عادة أهل الجنوب- ويرى "بروكلمان" أنها مأخوذة من كلمة "مقرب" العربية الجنوبية، ومعناها "الهيكل"٢.
ويطلق القرآن الكريم على مكة عدة أسماء، منها "بكة" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِين﴾ ٣، وهنا يحاول الأخباريون أن يفرقوا بين مكة، وبكة، فالأولى هي القرية كلها، والثانية إنما المراد بها موضع البيت الحرام، أو أن "بكة" هي موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك٤.
ومنها "أم القرى" لقوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٥، ولعل هذه التسمية إنما تشير إلى أن مكة هي أعظم مدن الحجاز؛ ولأنها تضم بيت الله، أول
_________________
(١) ١ ياقوت ١/ ١٨١-١٨٢، ابن هشام ١/ ١٢٥-١٢٦، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص٤٣٩١. ٢ أحمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص٩٧-٩٨، كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ١/ ٣٣، وكذا Gerald De Gaury، Rulers Of Mecca، London ١٩٥١، P.٢٤. ٣ سورة آل عمران: آية ٩٦ "وانظر: تفسير الطبري ٧/ ١٩-٣٧ "دار المعارف"، تفسير مجمع البيان للطبرسي ٤/ ١٤٤-١٥٠، تفسير المنار ٤/ ١-١٤، تيسير تفسير ابن كثير ١/ ٢٩١-٢٩٥ "بيروت ١٩٧٢"، تفسير ابن كثير ٢/ ٧٣-٧٤، تفسير النسفي ١/ ١٧٠-١٧١، في ظلال القرآن ٤/ ٤٣١-٤٣٦ "دار الشروق، بيروت ١٩٧٤" تفسير القرطبي ٤/ ١٣٧-١٣٩، الكشاف ١/ ٤٤٦-٤٤٧، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ٢/ ٥٢-٥٥. ٤ الأزرقي ١/ ١٨٨، ياقوت ٥/ ١٨٢، ١/ ٤٧٥، نهاية الأرب ١/ ٢٢٧-٢٢٨، نزهة الجليس ١/ ٢٧، صبح الأعشي ٤/ ٢٤٨، تاريخ الكعبة المعظمة ص٣٣، تاج العروس ٧/ ١٧٩، تفسير الطبري ٧/ ٢٣-٢٦، تفسير المنار ٤/ ٧، تفسير الكشاف ١/ ٤٤٦، تفسير البيضاوي ١/ ١٧٢. ٥ سورة الأنعام: آية ٩٢، وانظر: تفسير القرطبي ٧/ ٣٨، تفسير الطبري ١١/ ٥٣٠-٥٣٢ "دار المعارف" تفسير روح المعاني ٧/ ١١٣٦، ١١٤٧-١١٤٨، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٤-٥٦، تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير ٢/ ٣٣-٣٤، وانظر: تفسير سورة الشورى: آية٧.
[ ٣٥٠ ]
بيت وضع للناس، فيه هدى وفيه البركة، وفيه الخير الكثير، جعله الله مثابة أمن للناس١، وللأحياء جميعًا، ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض، ولم تكن هناك دعوة عامة من قبل، وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة من كل الأجناس٢، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ ٣.
ومن أسماء مكة كذلك "البلد" لقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٤، ومنها: "البلد الأمين"٥ لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين ِ﴾ ٦.
وأما أقدم ذكر للبلد الحرام في النصوص القديمة، فإنما يرجع إلى القرن الثاني الميلادي، إذ يحدثنا الجغرافي اليوناني بطليموس "١٣٨-١٦٥م" عن مدينة دعاها
_________________
(١) ١ هناك رواية تنسب إلى الإمام علي -كرم الله وجهه- أن رجلا سأله عن البيت الحرام: أهو أول بيت، فقال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركًا، وأول من بناه إبراهيم الخليل "انظر: تفسير الكشاف للزمخشري ١/ ٤٤٦، تفسير الطبري ٣/ ٦٩، ٧/ ١٩، قارن ٧م ٢٠، ٢٢، البداية والنهاية ٢/ ٢٩٩". ٢ في ظلال القرآن ٧/ ١١٤٨، ٢٥/ ٣١٤٢. ٣ سورة الحج: آية ٢٧. ٤ سورة البلد: آية ١٠٢، وانظر تفسير الطبري ٣٠/ ١٩٣-١٩٥، تفسير البيضاوي ٢/ ٥٥٧، تفسير الفخر الرازي ٣١/ ١٨٠-١٨١، تفسير القرطبي ٢٠/ ٥٩-٦١، تفسير روح المعاني ٣٠/ ١٣٣-١٣٤. ٥ راجع أسماء أخرى في: ياقوت ١/ ٤٥٧، ٥/ ١٨١-١٨٢، العقد الثمين ١/ ٣٥-٣٦، ابن هشام ١/ ١٢٥-١٢٦، تاريخ الخميس ص١٢٥، تاريخ مكة ص٣٨، النويري ١/ ٣١٣-٣١٤، بلوغ الأرب ١/ ٢٢٨، القاموس ١/ ٢٣٥، ٢٣٩، ٣/ ٩٧، ٣٢٩، كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص١٨ "طبعة ليبزج ١٨٥٧م"، صبحي الأعشي ٤/ ٢٤٨، تفسير البيضاوي ٣/ ٥٥٩، تفسير القرطبي ٢٠/ ٥٩-٦٠، تفسير الفخر الرازي ٣١/ ١٨٠، تفسير الطبري ٧/ ١٩-٢٦ "دار المعارف"، ٣٠/ ١٩٣-١٩٤ "طبعة الحلبي". ٦ سورة التين: آية ١-٣، وانظر: تفسير روح الماني ٣٠/ ١٧٣-١٧٥، تفسير الطبري ٣٠/ ٢٣٨-٢٤٦، تفسير البيضاوي ٢/ ٥٥٦، تفسير القرطبي ٢٠/ ١١٠-١١٣، تفسير الفخر الرازي ٣٢/ ٨-١٠، مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي ٣٠/ ١٧٧-١٨١" بيروت ١٩٦١"، الكشاف ٤/ ٢٦٨، تيسير العلي القدير ٤/ ٤٠٥-٤٠٦، تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٣-٣٢٤ "دار الأندلس" الدرر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/ ٣٦٥-٣٦٦، في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٣٢ "بيروت ١٩٧٤" تفسير النسفي ٤/ ٣٦٦-٣٦٧، تفسير أبي السعود "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" ٥/ ٢٧١-٢٧٢.
[ ٣٥١ ]
"ماكورابا" "مكربة" "Macoraba"، رأى العلماء أنها مكة المكرمة١، هذا ويذهب "أوجست ميلر" وغيره، إلى أن المعبد الذي ذكره "ديودور الصقلي"- "من القرن الأول الميلادي" في أرض قبيلة عربية دعاها "Bizomeni"، إنما يعني به "بيت مكة"، أمر غير مقبول، فهو يقع بعيدًا عن مكة في "حسمي" في مكان دعاه "ألويس موسل" باسم "عوافة"، حيث بنت قبيلة ثمود، فيما بين عام ١٦٦، وبداية عام ١٦٩م معبدا هناك٢، وربما كان هذا المعبد هو الذي أشار إليه "ديودور" على أنه المعبد الذي يقدسه العرب٣.
على أن تاريخ المدينة إنما يعود إلى ما قبل عصر بطليموس بكثير، فهناك من يرى أنها سابقة لكتابة أسفار العهد القديم "التوراة"٤، فإنما هي "ميشا" المشار إليها في سفر التكوين٥، وهي "ميشا" التي يقول الرحالة "برتون" أنها كانت بيتًا مقصودا لعبادة أناس من الهند، ويقول الرحالة الشرقيون أنها كانت كذلك بيتًا مقصودا للصابئين، الذين أقاموا في جنوب العراق قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون٦.
على أنه من الغريب أن بعض المؤرخين العرب إنما يذهب إلى أن تأسيس المدينة المقدسة، إنما كان في منتصف القرن الخامس الميلادي٧، ومن ثم فإنه يتأخر بتاريخها حوالي ثلاثة وعشرين قرنًا، لسبب لا أدريه، وإن كان يخيل إلي أنه اعتبر تاريخ مكة لا يبدأ إلا بقصي بن كلاب، الذي حدد له القرن الخامس
_________________
(١) ١ كارل بروكلمان: المرجع السابق ١/ ٣٣ وكذا Ptolemy، Vi، ٧، ٣٢. وكذا Gerald De Gaury، Op. Cit.، P.٢٤ ٢ انظر عن معبد العوافة: J.B. Philby، The Land Of Midian، Meg، ٩، ١٩٥٥، P.١٢٧f وكذا Van Den Branden، Histoire De Thamoud، P.١٥، وكذا Bior، ١٥، ١٩٥٨، P.٨-٩ ٣ جواد علي ٤/ ٩-١٠ وكذا C.H. Oldfather، Diodorus Siculus، Bibliotheca، Book، Iii، Xxxi، وكذا Gerald De Gaury، Op. Cit.، P.١٢ ٤ انظر: عن تاريخ كتابة أسفار التوراة "كتابنا إسرائيل" ص٢٤-٤٥. ٥ التوراة: سفر التكوين ١٠: ٣٠. ٦ عباس العقاد: مطلع النور ص١١٣. ٧ حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي، ١/ ٤٥، صبح الأعشي ٤/ ٢٥٠.
[ ٣٥٢ ]
الميلادي١، وطبقًا لرواية الأخباريين التي ذهبت إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولى أمرها "قصي بن كلاب"، ذلك لأن جرهم وخزاعة- فيما يزعمون- لم يكونوا براغبين في إقامة بيوت بجوار بيت الله الحرام٢، وكأنما يريد هؤلاء الإخباريون أن يقولوا لنا أن مكة ظلت على بداوتها، منذ أن أقام بها إسماعيل، ﵇، في القرن التاسع عشر ق. م، وحتى أصبح أمرها بيد "قصي بن كلاب" في القرن الخامس الميلادي، وتلك مبالغة -فيما أظن- غير مقبولة.
هذا وقد ذهبت آراء أخرى إلى أن تأريخ مكة، إنما يرجع إلى القرن الأول ق. م، اعتمادًا على رواية "ديودور الصقلي" -الآنفة الذكر- ورغم أن ديودور لم يذكر تاريخ واسم المعبد، إلا أن أصحاب هذا الاتجاه إنما رأوا أن وصف ديودور للمعبد بأنه كان محجة للعرب جميعًا، لا ينطبق إلا على الكعبة المشرفة٣، ولكن "ديودور" لم يحدد لنا بدء سكنى المدينة المقدسة، فضلا عن تحديد تاريخ بناء المعبد نفسه، ومن ثم فربما اعتمد المؤرخون في تحديدهم للقرن الأول ق. م، كبداية لسكني مكة، على أنه العصر الذي عاش بعده ديودور الصقلي.
ويذهب "دوزي" إلى أن تاريخ مكة إنما يرجع إلى أيام داود ﵇، حيث أقام بني شمعون بن يعقوب -والذين يسميهم الأخباريون جرهم- الكعبة٤، في القرن العاشر ق. م٥، وتلك أكذوبة كبرى لأسباب، منها "أولًا" أن قبيلة شمعون الإسرائيلية لم تهاجر أبدًا إلى مكة، وإنما كل ما جاء عنها -وطبقًا لرواية التوراة نفسها٦- أنها هاجرت على أيام حزقيا ملك يهوذا "٧١٥-٦٨٧ق. م" إلى الجنوب الغربي من واحة معان، ثم تابعت سيرها حتى نهاية الجنوب الغربي لجبل سعير، حيث قضوا على بقايا ضعيفة، أو جيوب صغيرة للعماليق هناك٧، ومنها
_________________
(١) ١ حسن إبراهيم: المرجع السابق ص٤٦. ٢ تاريخ اليعقوبي ١/ ١٩٧. ٣ جواد علي ٤/ ١٢، وكذا R. Dozy، Die Israeliten Zu Mekka، P.١٣ وكذا E. Gibbon، Op. Cit.، P.٥٠ وكذا Caussin De Perceval، Op. Cit.، I، P.١٧٤ ٤ R. Dozy، Op. Cit.، P.١٥ ٥ انظر عن تاريخ داود، كتابنا إسرائيل ص٤١٧-٤١٧. ٦ أخبار أيام ثان ٤: ٤١-٤٣. ٧ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٥٠٩، وكذا D.S. Margoliouth، Op. Cit.، P.٥١
[ ٣٥٣ ]
"ثانيًا" أن قبيلة شمعون هذه كانت أضعف القبائل الإسرائيلية حتى عشية موت سليمان، ﵇، في عام ٩٢٢ق. م، وانقسام الدولة بعد ذلك مباشرة، إلى يهوذا وإسرائيل، ويكاد يجمع المؤرخون اليهود أنفسهم على أن قبيلة شمعون إنما كانت دائمًا وأبدا تعيش على هامش القبائل الإسرائيلية، وأنها أبدًا لم تحتل المكانة التي تجعلها تقوم بدور مستقل في العصر التاريخي الإسرائيل١، فضلا عن أن تقوم بهجوم ساحق على بلاد العرب وتستولي على مكة.
ومنها "ثالثًا" أن التوراة نفسها تكاد تتجاهل سبط شمعون، دون غيره من أسباط إسرائيل، ربما لضآلة شأنه، حتى إنها لا تكاد تتعرض لذكر هذا السبط، إلا عند دخول بني إسرائيل أرض كنعان٢، وإلا بعد طلب يهوذا٣، ثم مرة أخرى، عند رحيله من جنوب يهوذا إلى واحة معان، في أخريات القرن الثامن وأوائل القرن السابع ق. م، كما أشرنا من قبل، مما دفع بعض الباحثين إلى أن يذهبوا بعيدًا، فيرون أن سبط شمعون لم يكن له وجود في عالم الحقيقة٤.
ومنها "رابعًا" أن هذا الرأي إنما يؤمن بغير حدود بما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن الخليل ﵇، لم يذهب إلى الحجاز، وبالتالي لم يقم مع ولده إسماعيل ببناء الكعبة، وهو زعم لا يعتمد إلا على التعصب ضد العرب، وعلى معارضة الحقائق التاريخية، فضلا عما جاء في القرآن الكريم بشأن هذه الأحداث الثابتة٥، ومنها "خامسًا" أنه يتأخر بتاريخ مكة المكرمة، قرابة قرون تسعة.
وهناك رواية إخبارية يزعم أصحابها أن العماليق إنما كانو يعيشون في مكة والمدينة وبقية مدن الحجاز، وأنهم قد عاثوا في الأرض فسادا، ومن ثم فقد أرسل إليهم، موسى، ﵇، جيشا قضى عليهم، وسكن اليهود المنطقة بدلا عنهم٦
_________________
(١) ١ M. Noth، The History Of Israel، P.٢٣ ٢ يشوع ١٩: ١-٩. ٣ قضاة ١: ٣. ٤ C.F. Burney، Israel's Settlement In Canaan، P.٣٧-٥٨ وكذا إسرائيل ولفنسون: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص٣. ٥ انظر كتابنا إسرائيل ص١٨٣-١٨٩، وكتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"، الفصل السابع -من الجزء الأول- ٦ جواد علي ٤/ ١٣، الأعلاق النفيسة ص٦٠ وما بعدها.
[ ٣٥٤ ]
ولا ريب في أن هذا زعم مكذوب من أساسه -الأمر الذي سوف نناقشه بالتفصيل عند الحديث عن المدينة المنورة- وعلى أي حال، فإن موسى إنما كان يعيش في القرن الثالث عشر ق. م، وأنه خرج بالإسرائيليين من مصر حوالي عام ١٢١٤ق. م، كما حددنا ذلك في كتابنا إسرائيل١.
والرأي عندي أن تاريخ مكة إنما يرجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ذلك أننا نعرف -تاريخيًّا ودينيا- أن الخليل ﵇، قد أتى بولده إسماعيل وزوجه هاجر من فلسطين، وأسكنهما هناك في هذه البقعة المباركة٢، طبقًا لصريح القرآن الكريم، حيث يقول ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ٣ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٤، وإذا ما تذكرنا أن الخليل ﵇، كان يعيش في الفترة "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"٥، وأنه قد رزق بولده إسماعيل، وهو في السادسة والثمانين من عمره٦، فإن إسماعيل يكون قد ولد حوالي عام ١٨٥٤ق. م، ولما كان قد عاش ١٣٧ عامًا٧، فإنه يكون قد انتقل إلى جوار ربه الكريم، حوالي عام ١٧١٧ق. م، ومن ثم فإنه قد عاش في الفترة "١٨٥٤-١٧١٧ق. م" وإذا كان صحيحًا ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أنه قد شارك أباه
_________________
(١) ١ انظر كتابنا: إسرائيل ص٢٦٨-٣٠٣. ٢ تاريخ الطبري ١/ ٢٥١-٢٥٩، ابن الأثير ١/ ١٠٢-١٠٥، ابن كثير ١/ ١٥٤-١٥٤، المقدسي ٣/ ٦٠، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٦-٣٧، شفاء الغرام ٢/ ٣، تاريخ الخميس ص١٠٦، تاريه اليعقوبي ١/ ٢٥، تفسير روح المعاني ١٣/ ٢٣٦-٢٣٧، تفسر الطبري ١٣/ ٢٣٠-٢٣٣، تفسيرالفخر الرازي ١٩/ ١٣٦، الأزرقي ١/ ٥٤-٥٦. ٣ تذهب كتب التفسير إلى أن الله ﷾ لو قال: "أفئدة الناس" ولم يقل: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاس﴾، لازدحم عليهم الفرس والروم والناس كلهم، ولحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاس﴾ فاختص به المسلمون "انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٤٢، تفسير البيضاوي ١/ ٥٣٣، تفسير القرطبي ٩/ ٣٧٣، التفسير الكبير للفخر الرازي ١٩/ ١٣٧، تفسير النسفي ٣/ ٢٦٤، تفسير روح المعاني ١٣/ ٢٣٨-٢٣٩، تفسير الطبري ١٣/ ٢٣٣-٢٣٤. ٤ سورة إبراهيم: آية ٣٧، وانظر: تفسير روح المعاني ١٣/ ٢٣٦-٢٤١، مجمع البيان للطبرسي ١٣/ ٢٢٤-٢٣٠ تفسير الطبري ١٣/ ٢٢٩-٢٣٥، تفسير ابن كثير ٤/ ١٤١-١٤٢، تفسير الكشاف ٢/ ٣٨٠. ٥ انظر كتابنا: إسرائيل ص١٧١-١٧٧. ٦ تكوين ١٦/ ١٦ ٧ تكوين ٢٥: ١٨.
[ ٣٥٥ ]
في بناء الكعبة، وهو في الثلاثين من عمره١، تصديقا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ ٢، فإن بناء الكعبة حينئذ يكون حوالي عام ١٨٢٤ق. م، وهذا يعني أن مكة قد عمرت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ق. م، وهو تاريخ يجعلها واحدة من أقدم مدن بلاد العرب الجنوبية والشمالية سواء بسواء.
وعلى أي حال، فلقد عاش إسماعيل بجوار بيت الله الحرام، وتزوج من امرأة مصرية على رواية التوراة٣، ومن يمنية على رواية الأخباريين٤، وقد أنجب من زوجته المصرية أو اليمنية، لست أدري على وجه التأكيد، أولاده الاثني عشر، وهم -طبقًا لرواية التوراة٥- "بنايوت وقيدار وأدبئيل ومبسام ومشماع ودومه ومسا وحدار ويطور ونافيش وقدمه" وقد نقلهم الأخباريون في كتبهم بشيء قليل أو كثير من التحريف٦.
وأيا ما كان الأمر، فإن إسماعيل قد ظل -بعد إبراهيم- يدعو الناس إلى عبادة الله في مكة ومجاوراتها، حتى إذا ما انتقل إلى جوار ربه الكريم، قام بنوه من بعده على السلطة الزمنية في مكة، وعلى خدمة البيت الحرام، غير أن "جرهم"- طبقا لرواية الإخباريين -سرعان ما تولت أمر البيت، وأبناء إسماعيل مع أخوالهم لا يرون أن ينازعوهم الأمر، لخوؤلتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٢/ ٢٢، وانظر مقالنا "قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة" مجلة كلية اللغة العربية، العد الخامس، ص٣٨٣-٤٥٧ "الرياض "١٩٧٥". ٢ سورة البقرة: آية ١٢٧، وانظر: تفسير الطبري ٣/ ٥٧-٧٣، الكشاف ١/ ٣١١، تفسير روح المعاني ١/ ٣٨٣-٣٨٤، تفسير البحر المحيط ١/ ٣٨٧-٢٨٩، تفسير النسفي ١/ ٧٤، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور ١/ ١٢٥-١٣٧ "طبعة طهران ١٣٧٧هـ"، تفسير القرطبي ٢/ ١٢٠-١٢٦، تفسير أبي السعود ١/ ١٢٤-١٢٥، في ظلال القرآن ١/ ١٠٩-١١٣ "دار الشروق، بيروت ١٩٧٣". ٣ تكوين ٢١: ٢١. ٤ ابن كثير ١/ ٢-١-١٩٣، تاريخ الطبري ١/ ٣١٤، ابن كثير ١/ ٤-١-١٠٥، ١٢٥، الأزرقي ١/ ٨٦، مروج الذهب ٢/ ٢٠-٢١، تاريخ ابن خلدون ١/ ٣٧، المعارف ص١٦. ٥ تكوين ٢٥: ١٤-١٦. ٦ ابن الأثير ١/ ١٢٥، تاريخ الطبري ١/ ٣١٤، ابن كثير ١/ ١٩٣، مروج الذهب ١/ ٢١-٢٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٩، الأخبار الطوال ص٩، تاريخ الخميس ص١١١، جمهرة أنساب العرب ص٧، ٩-١٥، شفاء الغرام ٢/ ١٧-١٨.
[ ٣٥٦ ]
بغي أو قتال، إلى أن قدمت قبائل "الأزد" مهاجرة من اليمن، في فترة لا نستطيع تحديدها على وجه اليقين، ونازعت واحدة من هذه القبائل "خزاعة" جرهم أمر البيت، حتى استولت عليه وطردت جرهم من مكة، ولم يلبث أبناء إسماعيل أن انتشروا في أنحاء الجزيرة العربية، وخاصة في شمالها، وليست أسماء القبائل التي تنسب إلى إسماعيل، إلا أسماء أبنائه أو أحفادهم١.
وتاريخ بني إسماعيل من هذه الفترة، وحتى عهد قصي، غامض غموضا شديدا، ولا يعرف حنى المؤرخون العرب كيف يملئون فراغ هذه القرون المتطاولة، ولا تبزغ شمسهم -مشبعة بالغيوم- فوق أفق التاريخ الحقيقي، إلا من عهد قصي في منتصف القرن الخامس الميلادي، على أن هذا لا يمنعنا أن نذكر -طبقًا لروايات الإخباريين- أنهم هم الذين قاموا على الحكومة والبيت في مكة، ثم تلاهم الجراهمة، فالخزاعيون، ثم ردت إليهم بضاعتهم من جديد، على أيام قصي بن كلاب٢.
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٢/ ٢٢-٢٤، الأخبار الطوال ص٩-١٠، صبح الأعشي ١/ ٣١٥، العقد الثمين ١/ ١٣١-١٣٢، تاريخ الخميس ص١٢٤-١٢٦، أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ص١٠١، مبروك نافع: المرجع السابق ص١٣٣، ابن هشام ١/ ١٢٥. ٢ مبروك نافع: المرجع السابق ص١٣٣، تاريخ الطبري ٢/ ٢٨٤، المعارف ص٣١٣، ابن سعد ١/ ٣٦-٤٢، ابن خلدون ٢/ ٣٣٢-٣٣٥، شفاء الغرام ٢/ ٤٨-٥٤، اليعقوبي ١/ ٢٢٢، الأزرقي ١/ ٨٢-٨٧.
[ ٣٥٧ ]