ليس هناك من شك في أن الماء هو العنصر الفعال في الإنتاج الزراعي، ومن ثم فإن الإنتاج لا يتيسر إلا حيث تتوفر المياه، الأمر الذي لم يحدث إلا في أقاليم قليلة من بلاد العرب، فإذا أضفنا إلى ذلك أن جفاف الهواء وملوحة التربة يحولان دون نمو النبات وازدهاره، لتبين لنا أن دولة النبات في شبه جزيرة العرب ليست بحال من الأحوال دولة ضخمة، ومن ثم فإن الأراضي الزراعية قد انتثرت في بلاد العرب كالجزر في محيط الصحراوات الرملية، والمرتفعات الوعرة التضاريس العارية من التربة في كثير من الأحايين١، هذا إلى جانب بعض المناطق الجنوبية حيث تفرغ الرياح الموسمية أمطارها على سفوح السلسلة الجبلية، فتقوم فيها بعض الزراعات الناجحة، أو البستنة الرابحة، عن طريق توفير المياه وحسن تصريفها٢.
وتعتبر نخلة البلح ملكة عالم النبات في شبه جزيرة العرب، وما زالت حتى اليوم تحتفظ بمركز ممتاز بين الحاصلات الزراعية في بلاد العرب، وإن تدهورت قيمة
_________________
(١) ١ فيليب حتى: تاريخ العرب ١/ ٢١، محمود طه أبو العلا: المرجع السابق ص١٨٦. ٢ كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، بيروت ١٩٦٥، ص١٤.
[ ١٠٩ ]
التمور في السنوات الأخيرة، ولم تعد كما كانت من قبل عند البدوي، الذي كان قوام طعامه التمر والحليب، كما لم تعد كذلك منية البدوي أن يحصل على الأسودين الماء والتمر١.
وقد أفادت النخلة القوم فوائد جمة، حية وميتة، أفادتهم في تقديم ثمرة صارت إدامًا للعرب، وطبًّا يستطبون بها لمعالجة عدد من الأمراض، ومادة استخرجوا منها دبسًا وخمرًا وشرابًا٢، بل لقد ذهبوا في ذلك إلى أبعد من الفوائد المباشرة، فحلوا بها مشكلة الصراع بين الحرارة والملوحة، ذلك أن الإشعاع الشمسي الهائل يرفع البخر إلى درجة تهدد الموارد الباطنية بالنفاد وسط التربة الزراعية بالاستملاح المتزايد، ولهذا لجأ القوم إلى النخيل، لا كغذاء فقط، وإنما لتستظل به الزراعة، ولهذا تمتاز بعض الواحات بعدة ملايين من النخيل، تقوم كالغابة الحقيقية، بينما ترقد عند أقدامها وبين جذوعها الزراعات، وهكذا تصبح الواحة بحق "غابة الصحراء" والنخلة عن جدارة "مظلة الواحة"٣.
ولقد أدت تلك الفوائد الجمة للنخلة أن أصبحت "سيدة الشجر" لا عند العرب فحسب، بل عند قدماء الساميين جميعًا، وأحيطت عندهم بهالة من التقديس والتعظيم، وقد عثر على صورها وصور سعفها على النقود القديمة، وفي جملتها نقود العبرانيين، الذين يحترمون النخلة احترامًا لا يقل عن احترام العرب لها، ومن ثم فقد ورد ذكرها في مواضع عديدة من التوراة والتلمود٤، ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ملكة الأشجار العربية هذه، غير عربية الأصل، فقد نقلت إلى بلاد العرب من بابل، حيث كانت شجرة النخل من أعظم العوامل التي اجتذبت الإنسان القديم للتوطن هناك٥.
_________________
(١) ١ فيليب حتى: المرجع السباق ص٢٣، وانظر ابن قتيبة: عيون الأخبار ٣/ ٢٠٩-٢١٣ "القاهرة ١٩٣٠"، السيوطي: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ٢/ ٢٥٥ "القاهرة ١٣٢١هـ". ٢ جواد علي ١/ ٢٠٧. ٣ جمال حمدان: أنماط من البيئات ص٩٥-٩٦. ٤ جواد علي ١/ ٢٠٧، لاويون ٢٣: ٤٠، نحميا ١٨: ١٥ مكابيين أول ١٣: ٥١ وكذا J. HASTINGS، DICTIONARY OF THE BIBLE، P.٦٧٦ ٥ P.K. HITTI، OP. CIT.، P.١٩-٢٠
[ ١١٠ ]
أما الكروم فقد غرست في مناطق من شبه جزيرة العرب، اشتهرت بها؛ كالطائف واليمن، كما غرس في الواحات العربية الرمان والتفاح والمشمس والبرتقال والليمون الحامض والبطيخ والموز، ويرجح أن الأنباط واليهود هم الذين أدخلوا هذه الفواكه إلى بلاد العرب من الشمال١، كذلك زرع القمح والشعير في الواحات، كما كان ينمو الأرز في عمان والإحساء، ولا يزال شجر اللبان يزدهر على الهضاب المحاذية للساحل الجنوبي، لاسيما في مهرة، وقد كان لشجر اللبان هذا أهمية كبرى في الحياة التجارية الأولى في بلاد العرب الجنوبية، وأما الصمغ العربي فقد كان من أخص حاصلات عسير، التي أصبحت الآن أكثر الأقاليم زراعة للقمح، تليها في ذلك منطقة القصيم، وأما شجرة البن التي تشتهر بها اليمن الآن فقد أدخلت إلى جنوب بلاد العرب من الحبشة في القرن الرابع عشر الميلادي٢.
وتوجد في البادية عدة أنواع من شجر السنط، منها الآثل والغضال الذي ينتج الفحم الممتاز، والطلح الذي يستخرج منه الصمغ العربي، والسدر وهو شجر النبق وأوراقه عريضة، وترتفع أشجاره إلى عشرة أمتار عن سطح الأرض، ويكثر في بطون الأودية، ويكون ظلا يقي مَنْ يجلس تحته لهيبَ الشمس ووهجَها المحرق، ويستعمل ورقه استعمال الصابون في تنظيف الجسم، والآراك وهو شجر محبب للشعراء، وهو الحمض، أو شجر من الحمض، تتخذ منه المساويك، وترعاه الإبل، فيه ملوحة ومرارة، وهو للإبل كالفاكهة للإنسان، تأكل منه الإبل بعد أن تشبع من غيره، وللأراك ثمر إذا نضج يدعى الكباث، وأطيب مراعي الإبل السعدان، وهناك البرسيم، وهو حب القرظ -والقرظ نوع من الكراث- وهناك الآس، وهو شجرة طيبة الريح، ولها ثمر أسود وأبيض يؤكل، والأبيض أجود، وهناك العرار، وهو بهار البر، طيب الرائحة، والخزامى المشهور بطيب الرائحة وشقائق النعمان إلى غير ذلك من أشجار البادية٣.
_________________
(١) ١ فيليب حتى: المرجع السابق ص٢٢-٢٣، وانظر: السيوطي: المرجع السابق٢٥٤. ٢ محمود طه أبو العلا: المرجع السابق ص٢١١، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.١٩ ٣ جواد علي ١/ ٢٠٩، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٣٣-٣٤، وانظر: محمود شاكر: شبه جزيرة العرب- الجزء الأول- عسير، المكتب الإسلامي، بيروت ١٩٧٦ ص٣٧-٤١.
[ ١١١ ]