لقد دار- ولا يزال- جدل طويل حول عصر الدولة المعينية، والفرق بين السنوات التي يقدمها العلماء جد شاسع، حتى أننا نرى آراء تذهب إلى أنها إنما كانت بين الألف الثالثة والثانية ق. م، بينما تأخرت بها آراء أخرى إلى النصف الثاني من الألف الأولى ق. م، ذلك أن "إدوارد جلازر" يذهب إلى أن الأبجدية التي استعملها المعينيون في كتاباتهم إنما ترجع إلى الألف الثانية، وربما الثالثة ق. م، وهذا يعني أن تاريخ القوم إنما يرجع إلى ما قبل هذه الفترة١.
ويتجه "فريتز هومل" إلى أن دولة معين قد بدأت فيما بين عامي ١٥٠٠، ١٢٠٠ق. م، وانتهت حوالي عام ٧٠٠ق. م، بل نراه يحدد حوالي عام ١٣٠٠ق. م، كبداية لظهور معين على مسرح التاريخ، وأما الحضارة والكتابة المعينية فيجب أن تكون أقدم من هذا التاريخ، وربما ترجع إلى منتصف الألف الثانية ق. م، ومن ثم فهو يرى أن دولة معين كانت سابقة لدولة سبأ، معتمدًا في ذلك على أن "جلازر" قد عثر على نقوش سبئية قديمة "جلازر ٤١٨، ٤١٩، ١٠٠٠"، وفيها نقرأ عن سقوط الدولة المعينية على يد أحد حكام سبأ٢، وأن النقش الكبير، والمعروف بنقش صرواح٣، يدلنا على أن العصر الذهبي لدولة معين، إنما كان قبل ارتفاع
_________________
(١) ١ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام -الجزء الثاني- ص٧٧ وكذا Eduard Glaser، Skizze Der Geschichte Und Geographie Arabiens، P.١١٠، ٣٣٠. ٢ فريتز هومل: المرجع السابق ص٦٤-٦٥. وكذا Ei، ٤، P.١٣ وكذا Basor، ٧٣، ١٩٥٩، P.٥ ٣ انظر: أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم ص١٦٢=١٦٥.
[ ١٩٤ ]
شأن السبئيين١.
هذا وقد حدد "فلبي" لدولة معين الفترة "١١٢٠-٦٣٠ق. م"٢، بينما ذهب فريق آخر من العلماء "ومنهم هاليفي وموللر وموردتمان وماير وسبرنجر وليدر بارسكي" إلى أن ظهور دولة معين لا يمكن أن يتجاوز الألف الأولى قبل الميلاد٣، ولعل "ملاكر" يرى نفس الرأي، وإن كان أكثر تحديدًا في تأريخه، إذ جعل قيام دولة معين في عام ٧٢٥ق. م، ونهايتها في القرن الثالث ق. م٤، ولعل قريبًا من هذا ما ذهب إليه "أوليري" من أن كتابات المسند جميعها -سواء أكانت معينية أو سبئية- لا ترجع في تأريخها إلى أقدم من عام ٧٠٠ق. م، وربما إلى القرن الثامن ق. م٥.
ويذهب "وينت" إلى اعتبار سبأ وديدان أقدم الدول العربية، معتمدًا في ذلك على ما ورد في التوراة٦ من قدم سبأ، ومن ثم فإنه يرى أن قيام دولة معين لا يمكن أن يتجاوز عام ٥٠٠ق. م، وأن نهايتها إنما كانت فيما بين عامي ٢٤ق. م، ٥٠م٧، وأما "موسكاتي" فالرأي عنده أن الحفائر الحديثة وتطبيق "العملية الراديوكربونية" "Radiocarbon Precess" تشير إلى تعاصر دولتي سبأ ومعين، وأن قيام دولة معين إنما كان حوالي عام ٤٠٠ق. م٨، وأما "وليم أولبرايت" فقد حدد نفس العام "٤٠٠ق. م" كبداية لدولة معين، كما جعل نهايتها فيما بين عامي ٥٠،
_________________
(١) ١ فريتز هومل: المرجع السابق ص٦٥. ٢ J.B. Philby، Op. Cit.، P.١٤١ ٣ جواد علي ٢/ ٧٧. وكذا Zdmg، Xivii، P.٤٠٠ وكذا Ei، ٤، P.١٣ وكذا Wissman And Hofner، Op. Cit.، P.١٠٥، ١١٥ ٤ فؤاد حسنين: التاريخ العربي القديم ص٢٧٣. ٥ جواد علي ٢/ ٧٨ وكذا O'leary، Op. Cit.، P.٩٥ ٦ تكوين ١٠: ٧، ٢٨. ٧ Basor، ٧٣، ١٩٣٩، P.٨ ٨ Sabatino Moscati، Ancient Semitic Civilizations، P.١٧٤
[ ١٩٥ ]
٢٥ق. م١، ثم عاد بعد ذلك فعدل تواريخه، فجعل عام ٣٥٠ق. م، كبداية لقيام الدولة، وأما النهاية ففي الفترة ما بين عامي ١٠٠، ٥٠ق. م٢، وأخيرًا فهناك من جعل نهاية دولة معين في حوالي عام ١٠٠م٣.
وهكذا يبدو واضحًا مدى الخلاف بين العلماء على وقت قيام دولة معين ونهايتها، وكيف أن الفرق بين التقديرات المختلفة جد شاسع، وهنا لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا التفاوت الزمني يؤثر تأثيرًا كبيرًا في معرفتنا للدول العربية الأخرى، وذلك لأن قيام كل دولة عربية جنوبية مرتبط بالأخرى، بخاصة إذا ما سلمنا بأن الدولة السبئية قامت على أنقاض الدولة المعينية، ومن ثم فإن ظهور سبأ على مسرح التاريخ العربي، يجب أن يكون في رأي هؤلاء العلماء معاصر لفترة الاضمحلال التي مرت بها دولة معين٤.
أضف إلى ذلك كله، أن الذين انتهوا بالدولة في فترة مبكرة، ترجع إلى ما قبل الميلاد بعدة قرون، أو حتى الذين وصلوا بها إلى ما قبل الميلاد بقرن من الزمان، قد يزيد وينقص قليلا، تجاهلوا أن الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان -ومنهم سترابو وبليني وديودور الصقلي -قد أشاروا إلى المعينيين وتجارتهم، بل إن بطليموس "١٣٨-١٦٥م" والذي أخرج كتابه "الجغرافية" حوالي عام ١٥٠م، قد وصفهم بأنهم "شعب عظيم"، فضلا عن أن الكتابات المعينية في الجيزة، إنما تشير إلى اشتغالهم بتجارة الطيب والبخور في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، ولعل هذا كله هو الذي دفع "أوليري" إلى القول بأن المعينيين كانوا نشيطين إلى ما بعد الميلاد،
_________________
(١) ١ W.F. Albright، The Chronology Of Ancient South Arabia In The Light Of The First Campaign Of Excavation In Qataban، In Basor، ١١٩، ١٩٥٠- P.٥-١٥، ١٢٩، ١٩٥٣، P.٢٢ ٢ BASOR، ١٧٦، ١٩٦٤، P.٥١. وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٣٤ ٣ LE MUSEON، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٣٤ وكذا J. PIRENNE، LE ROYAUME SUD-ARABE DE QATABAN ET SA DATATION، ١٩٦١، P.٧ ٤ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٧٣.
[ ١٩٦ ]
وربما كانت نهاية دولتهم على أيام البطالمة أو الرومان، إلا أن تحقيق ذلك -على ضوء معلوماتنا الحالية- أمر لا نستطيع أن نقول فيه كلمة نزعم أنها القول الفصل، أو أنها أقرب إلى الصواب من غيرها١.
وأما بداية دولة معين، فلعلنا إن اعتمدنا على التوراة، لكان رأي الذين يرجعون بها إلى الألف الثانية ق. م، صحيحًا إلى حد كبير، ذلك أن سفر القضاة يحدثنا أن الصيدونيين والعمالقة والمعونيين كانوا يضايقون بني إسرائيل٢، وإذا كان خروج بني إسرائيل من مصر -كما رجحنا في كتابنا إسرائل - قد تم على أيام "مرنبتاح" "١٢٢٤-١٢١٤ق. م"٣، فإن عصر القضاة سوف يكون في الربع الأخير من الألف الثانية ق. م، وإذا كان المقصود بالمعونيين هنا، الجالية المعونية في شمال غرب الجزيرة العربية، فإن دولة معين لابد وأن تكون قد قامت قبل هذه الفترة، وربما في النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد.
ونقر أن في سفر أخبار الأيام الثاني، إشارات عن حرب دارت رحاها بين "يهوشافط"، من ناحية، وبين بني مؤاب وبني معون والمعونيين من ناحية أخرى٤، وهذا يعني أن المعونيين كان لهم وجود على أيام الملك اليهودي "يهوشافط" "٨٧٣-٨٤٩ق. م"- أي في القرن التاسع قبل الميلاد- ووفقا لما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني "٢٦: ٧"، فإن الملك "عزيا" "٧٧-٧٤٠ق. م" قد حطم العرب الذين كانوا يسكنون في "حوربعل"، كما حطم أهل معون، ويفهم من نصوص التوراة هذه أن هؤلاء العرب كانوا يسكنون في الإقليم الواقع في الجنوب والجنوب الشرقي من البحر الميت -أي في نفس الإقليم الذي تقع فيه واحة معان٥، ومعنى هذا -مرة أخرى- أن المعينيين كانوا أصحاب مستعمرات في شمال بلاد العرب في
_________________
(١) ١ مظهر علي الأرياني: في تاريخ اليمن ص١٥، إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية ص٢٤٥، فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٦٩، وكذا جواد علي ٢/ ٨٠. وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.٩٤-٥ وكذا PTOLEMY، GEOGRAPHY، VI، ٧، ٢٣ وكذا BASOR، ٧٣، ١٩٣٩، P.٩٤-٥ ٢ قضاة ١٠: ١٢ ٣ راجع كتابنا "دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم" -الجزء الثاني- إسرائيل - القاهرة ١٩٧٣ ص٢٦٨-٣٠٣. ٤ أخبار أيام ثان ٢٠: ١، ١٠، ٢٢. ٥ ألويس موسل: المرجع السابق ص٣.
[ ١٩٧ ]
القرن الثامن قبل الميلاد، ولعل هذا كله إنما يعضد فكرة البداية المبكرة لقيام دولة معين في حوالي الألف الثانية قبل الميلاد، إلا إذا كانت "معون" التوراة، لا صلة لها بمعين بلاد العرب، وهو أمر لا يوافق عليه الكثير من الباحثين.
[ ١٩٨ ]