لعل أهم ما يميز ذلك العصر، أنه العصر الذي بدأت به السيادة القرشية على مكة، بقيادة رجلها العظيم "قصي بن كلاب" -الجد الرابع للمصطفى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- الذي جمع أمر مكة في يديه، ثم ورثه لأبنائه من بعده، بعد أن أزاح الخزاعيين عنها في حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي، مما اضطرهم إلى الرحيل عن مكة، والنزول في بطن مر "وادي فاطمة"، وهكذا أصبح قصي رئيسًا للحكومة المكية وزعيما لديانتها، ومن ثم فقد اجتمعت له السقاية والحجابة والرفادة واللواء ودار الندوة، وهي أمور لم تجتمع لرجل من قبله١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٣٠-١٣٧، أحمد إبراهيم: المرجع السابق ص١٠٥، مبروك نافع: المرجع السابق ص١٣٣.
[ ٣٥٧ ]
ويجمع المؤرخون على أن قصيا هذا من ولد إسماعيل، فهو "قصي١ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد"، وإن كانوا يختلفون في أسماء الفترة حتى إسماعيل، ولعل أرجح سلسلة الأنساب هي التي تقول إن عدنان هو "ابن أدد بن زيد بن ثري بن أعراق الثري"، وأما "ثري" فهو نبت أو نبايوت، وأما "أعراق الثري" فهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام٢، وإلى هذا يشير الحديث الشريف: "اختار الله من ولد إسماعيل كنانة، واختار قريشًا من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار " ٣.
ويروي الأخباريون أن "فاطمة بنت سعد" قد تزوجت بعد وفاة "كلاب" برجل من "بني عذرة" فحملها معه إلى موطن قبيلته على مشارف الشام، فأخذت معها ولدها زيد، والذي لقب بقصي لبعده عن ديار أبيه، ولما بلغ قصي مبلغ الرجال وعرف حقيقة نسبه، وأنه قرشي -وليس عذريا- عاد إلى مكة، ثم تزوج من ابنة خليل الخزاعي، غير أن الرجل لم يلبث إلا قليلا حتى هلك، وهنا يعلن قصي حقه في ولاية البيت الحرام -إرثا من جده إسماعيل- فتقوم الحرب بين خزاعة وحلفائها من جانب، وبين قصي ومن ناصره من كنانة وإخواته من بني عذرة من جانب آخر، ويكتب في نهايتها لقصي نجاحا بعيد المدى في هزيمة خزاعة ومن والاها من بكر، وفي أن يجليها عن المدينة المقدسة، وفي أن يصبح سيد مكة دون منازع٤.
_________________
(١) ١ تذهب المراجع العربية إلى أن قصيا إنما كان على أيام المنذر بن النعمان ملك الحيرة "٤١٨-٤٦٢م" وبهرام جور ملك الفرس "٤٢٠-٤٣٨م" "ياقوت ٥/ ١٨٦، بلوغ الأرب ١/ ٢٤٧، وكذا Ency، Of Islam، ٤، P.١٧٤.، ويرى "وليم موير" في كتابه "حياة محمد". The Life Of Mohammed، Edinburgh، ١٩٢٣ أنه ولد في حوالي عام ٤٠٠م، وولده عبد مناف في حوالي عام ٤٣٠م، وولد هاشم في حوالي عام ٤٦٤م، ثم ولد عبد المطلب في حوالي عام ٤٩٧م، أما عبد الله والد النبي ﷺ فحوالي عام ٥٤٥م. ٢ تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٤-٢٧٥، ابن الأثير ٢/ ١٨-٣٣، ابن خلدون ٢/ ٢٩٨، تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ١٨، الاشتقاق ١/ ٢٠-٣٢، الإكليل ١/ ١١٠-١١٦، أخبار الزمان للمسعودي ص١٠٤ القلقلشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص٢٣-٢٥ "القاهرة ١٠٥٩"، المعارف ص٢٩-٣٢، الزبيري: كتاب نسب قريش، القاهرة ١٩٥٣، ص١٣-١٤. ٣ ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ٢٠٢، وانظر: المواهب للقلاني ١/ ١٣. ٤ تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٤-٢٥٨، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٣٤، ابن كثير ٢/ ١٨-٢٠، ابن هشام = ١/ ١٢٨-١٣٥ "مراجعة محمد خليل هراس"، البداية والنهاية ٢/ ٢٠٥-٢٠٦، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٣٧-٢٣٩، الأزرقي ١/ ١٠٣-١٠٧، القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص٣٦٥-٣٦٦ "طبعة بغداد ١٩٥٧"، الدميري: حياة الحيوان ٢/ ٢٧٨، نسب قريش للزبيري ص١٤، أنساب العرب للبلاذري ١/ ٤٨، المحبر ص٥٦٢، حسين باسلامة: تاريخ الكعبة المعظمة ص٢٨١-٢٨٣ حياة محمد ص١١٠-١١١.
[ ٣٥٨ ]
وتذهب بعض المراجع إلى أن القيصر إنما قد أعان قصيا على خزاعة١، فإذا كان ذلك كذلك، فربما كان الغساسنة هم وسيلة قيصر إلى ذلك، وربما كانت قبيلة عذرة -التي تربى فيها قصي- هي التي قامت بهذا الدور، بخاصة وأنها من القبائل المتنصرة، التي كانت تعيش على مقربة من النفوذ الروماني في الشام، والذي ربما كان يمتد إليها كذلك، وهنا فلعل أقرب الفروض إلى الصواب، أن تكون المساعدة الرومية لقصي عن طريق واحد من حكام الولايات الجنوبية، ولعلها "بصرى" في شكل مساعدة مالية، أو بإيعاز إلى إحدى القبائل الظاعنة حول الحدود الفلسطينية، بمساعدة قصي٢، وإذا كان صحيحًا ما ذهبت إليه المراجع العربية، من أن إخوة قصي من عذرة قد ساعدوه في القضاء على خزاعة٣، كما أشرنا من قبل، فإن قبيلة عذرة هي التي قامت بهذا الدور.
وأيا ما كان الأمر، فلقد نجح قصي في القضاء على نفوذ خزاعة ومن والاها من بكر، وفي أن يجليهم عن مكة، وفي أن يصبح هو سيد المدينة المقدسة، وصاحب ولاية البيت الحرام، وأن يفرض نفوذه على بطون كنانة التي كانت تلي بعض مناسك الحج، وأن ينزل قريشًا مكة، وكان بعضًا من بطونها مقيما في الشعاب ورءوس الجبال، ثم يقسمها أرباعا بينهم، ومن ثم فقد سمي "مجمعا"، وهكذا تزعم قصي قومه فملكوه عليهم، فكان أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكًا وأطاع له به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف قريش كله٤.
_________________
(١) ١ انظر: المعارف ص٣١٣، وكذا H. Lammenes، La Mecque A La Veille De L'hegire، P.٢٨٩ ٢ جواد علي ٤/ ٣٩، وكذا W. Montgomery Watt، Muhammed At Mecca، Oxford، ١٩٥٣، P.١٣ ٣ ابن الأثير ٢/ ١٩، ابن كثير ٢/ ٢٠٥، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٦-٢٥٧، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٣٤، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٣٨، ابن سعد ١/ ٦٨، الأزرقي ١/ ١٠٥. ٤ ابن كثير ٢/ ٢٠٥-٢٠٩ - تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٣٧-٢٤٠، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٤-٢٥٨، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٣٤، مروج الذهب ٢/ ٣١-٣٣، الأزرقي ١/ ١٠٣-١٠٧، صبح الأعشي ١/ ٣٠٠-٣٠٦، نهاية الأرب للقلقشندي ص٣٩٩-٤٠٠، نهاية الأرب للنويري ١/ ٢٤٦-٢٤٧، بلوغ الأرب للألوسي ٢/ ١٧٣، ٢٨٥، أنساب الأشراف ١/ ٥٠، الطبقات الكبرى ١/ ٣٦-٣٩، ٤/ ١-٩، الميداني ١/ ٢١٦-٢١٧، المعارف ص٢٧٩، شفاه الغرام ١/ ٥٤، ٦٧-٧٢، الاشتقاق ١/ ٣٦-٣٩، ١٥٥، ٢/ ٤٦٩، العقد الثمين ١/ ١٤٥-١٤٧، أحمد السباعي: تاريخ مكة ص٤٥، حياة محمد ص١١١، تاريخ الكعبة المعظمة ص٢٨١-٢٨٤.
[ ٣٥٩ ]
ولعل هذه الأحداث هي التي كانت سببًا في أن يذهب بعض المستشرقين الذين اعتادوا الشك في كل رواية عربية أو إسلامية، إلى أن قصيا إنما هو شخصية خيالية، ابتدعها خيال الإسلاميين على زعم، وشخصية حربية جاءت من الشمال من السهول المحيطة بسورية على زعم آخر، ويبلغ الخيال أشده بهؤلاء المؤرخين الأوربيين حين يزعمون أن قريشًا نفسها -تلك القبيلة التي نجحت في أن تحكم مكة وأن تنقلها من مرحلة البداوة إلى زعامة شبه الجزيرة العربية، وأن تنشئ لنفسها من التنظيم السياسي والاقتصادي والديني ما يكفل لها هذا التقدم، وما يدل على معرفة كبيرة بشئون الحكم والاستقرار- لا يمكن أن تكون من هذه القبائل المتبدية في تهامة والحجاز، ومن ثم فلا بد أن تكون -فيما يزعمون- قد قدمت من الشمال، أو من وديان العراق، وربما كانت من بقايا الأنباط الذين قضى الرومان على دولتهم في أوائل القرن الثاني الميلادي، خاصة وأن قريشًا قد برعت في التجارة التي برع الأنباط فيها من قبل، كما أن لغتها التي سادت بلاد العرب، إنما هي لغة شمالية أكثر منها جنوبية١.
ولا ريب في أن هذا الزعم قد جانبه الصواب إلى حد كبير، وذلك لأسباب منها "أولًا" أن قصيا إنما هو شخصية حقيقية قد عاشت في فترة لا تبعد كثيرًا عن الإسلام، ومن ثم فلا يمكن القول أن الخيال قد اختلط بالتاريخ فيما يدور حولها من أحداث، ومنها "ثانيًا" أن القرشيين أنفسهم قد سبقوا هؤلاء المتشككين من المستشرقين إلى القول، بأنهم إنما يرتبطون بالأنباط بصلات القربي حتى أن "ابن عباس" قد أعلن منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنًا "نحن معاشر قريش من النبط"، فضلا عن أن لغة الحجاز لم تتطور من اليمنية مباشرة، وإنما جاء التطور
_________________
(١) ١ أحمد إبراهيم: المرجع السابق ص١٠٥-١٠٦، شوقي ضيف: العصر الجاهلي ص٤٩، وكذا H. Lammens، Op. Cit.، P.١٤٨-٩٤، وكذا W.M. Watt، Op. Cit.، P.٤
[ ٣٦٠ ]
من العربية القديمة إلى الآشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية١، ومن ثم فإن القرابة بين الأنباط والقرشيين أمر معروف، وما أتى المستشرقون بجديد فيها، الأمر الذي سنشير إليه عند الحديث عن الأنباط، ومنها "ثالثًا" أن هناك في المراجع العربية ما يشير إلى أن قريشًا عندما طردت خزاعة من مكة، فإن بعضًا من رجال خزاعة قد وهب مسكنه، ومنهم من باعه، ومنهم من أسكنه، مما يدل على أن مكة إنما كانت عشية تسلم قصي زمام السلطة فيها مأهولة بسكانها من الخزاعيين، فما فعل قصي إلا أن أحل قريشًا مكان خزاعة، بعد أن كان بعض منها يسكن الشعاب ورءوس الجبال -كما أشرنا من قبل- ويؤيد هذه الحقيقة أن القرآن الكريم إنما يسمي مكة "أم القرى"، حيث يقول ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٢، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ٣، وبدهي أن ذلك إنما يعني أن مكة كانت عاصمة المنطقة وقت ذاك، وأن أهل المنطقة إنما كانوا يعرفون هذه التسمية التي أطلقها القرآن الكريم على مكة، كما أن مكة هذه لن توجد بين عشية وضحاها، أو أن العمران يتطور فيها إلى أن تصبح عاصمة للحجاز، فيما بين عهد قصي والبعثة النبوية الشريفة، وهي فترة لا تزيد كثيرًا عن قرن ونصف قرن من الزمان.
_________________
(١) ١ العقاد: إبراهيم أبو الأنبياء ص١٣٦-١٣٧، عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن القبائل البائدة ص٨٩، فيليب حتى: تاريخ العرب ص١٠٨-١٠٩، وكذا The Universal Jewish Encyclopaedia، I، P.١٩٨ وكذا M. Sprenling، The Alphabet، Its Rise And Development From The Sina Inscriptions. P.٥٢ ٢ سورة الشورى: آية٧، وانظر: تفسير النسفي ٤/ ١٠٠، تفسير أبي السعود ٥/ ٢٩، الكشاف ٣/ ٢٧٥، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٥٣، تفسير الطبري ٢٥/ ٨٠١٠، تفسير القرطبي ١٦/ ١٦، تفسير الطبرسي ٢٥/ ٣٨-٣٩، تفسير روح المعاني ٢٥/ ١٣-١٤، تفسير ابن كثير ٦/ ١٨٨-١٩٠، تيسير العلي القدير ٣/ ٥٦٣، وانظر: سورة الأنعام: آية ٩٢. ٣ سورة القصص: آية ٥٩، وانظر: تفسير البيضاوي ٢/ ١٩٨، تفسير الطبري ٢٠/ ٦٥-٩٦، تفسير روح المعاني ٢٠/ ٩٨، تفسير الطبرسي ٢٠/ ٣٠٥-٣١٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٩٥-٣٩٦ "دار إحياء التراث العربي" تفسير القرطبي ١٣/ ٣٠١-٢٠٣، تيسير العلي القدير ٣/ ٢٧٣، في ظلال القرآن ٢٠/ ٢٦٩٦-٢٦٩٧، ٢٧٠٤-٢٧٠٥ "بيروت ١٩٧٤"، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري ٣/ ١٨٦.
[ ٣٦١ ]
ومنها "رابعًا" أن مكة إنما تقع على طريق القوافل بين جنوب بلاد العرب وشمالها، فضلا عن أنها قريبة من البحر الأحمر، ومن ثم فمن غير المقبول أن نتصور مكة، ولها مثل هذا الموقع الجغرافي الممتاز، دون أن تتصل بالعالم الخارجي، وتأخذ عنه بأسباب الحضارة، وقد فعلت مكة ذلك منذ أيام خزاعة على الأقل، على أن ما أقرته مكة في عهد قصي من نوع الحكم، إنما هو في جوهره تنظيم قبلي موجود في تشكيل القبيلة العربية١.
وأخيرًا منها "خامسًا" فإن هناك من آثار قصي، وأعني به دار الندوة، وما بقي حتى أيام الأمويين والعباسيين من بعدهم، ويحدثنا التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان "٤١-٦٠هـ-٦٦١-٦٨٠م" قد اشترى دار الندوة من صاحبها بمائة ألف درهم، وجعلها دارا للإمارة في مكة، وأن الخليفة العباسي المعتضد بالله قد أمر بهدمها وإدخالها في المسجد الحرام٢.
وأيا ما كان الأمر، فإن قصيا إنما هو أول رئيس من رؤساء مكة يمكننا الحديث عنه، دون أن يخالجنا ريب فيما نقول، فالرجل قد خلد ذكراه في التاريخ بأعماله العظيمة في مكة، رغم ريب المرتابين، والرجل قد أوجد من النظم في تنظيم الحج إلى بيت الله الحرام، ما بقي بعده مئات السنين، والرجل هو الذي جعل البلد الحرام خالصا لأهله من بني كنانة من ولد إسماعيل، ﵇، بعد أن أبعد عنه المغتصبين من خزاعة.
وقد قام قصي بعدة إصلاحات في مكة، فبعد أن جمع القرشيين المبعثرين في نواحي متعددة إلى وادي مكة، جعل لكل بطن حيا خاصًا به على مقربة من الكعبة، حتى تكون منازل القوم بجوار البيت الحرام، فيتعهدونه بالصيانة، ويدفعون عنه الخطر، ومن ثم فإنه لم يترك بين الكعبة والبيوت التي بنتها بطون قريش، إلا بمقدار ما يسمح للناس بالطواف، وإن كان أهم أعماله إنما هو إنشاؤه "دار الندوة"، حيث كان يدار فيها -تحت رياسته- كل أمر قريش وما أرادوه من حرب
_________________
(١) ١ أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ص١٠٧-١٠٨، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص١١٠ "القاهرة ١٩٧١". ٢ ابن الأثير ٢/ ٢١، ابن كثير ٢/ ٢٠٧، السهيلي ١/ ٨٨، العبادي: صور من التاريخ الإسلامي -العصر العربي -ص١٢.
[ ٣٦٢ ]
أو تجارة أو مشورة أو نكاح، فما كان لرجل ولا لامرأة أن يتزوج إلا فيها، وما كان لفتاة من قريش أن لا تدرع إلا فيها، ومن ثم فقد كان على صاحب الدار أن يشق درعها بيده، وكان القوم يفعلون ذلك ببناتهم إذا بلغن الحلم، وربما كان الغرض من ذلك التعريف بالبالغين من قريش -ذكورا كانوا أم إناثا- وأما أعضاء دار الندوة هذه، فكانوا جميع ولد قصي، وبعضا من غيرهم، على شريطة أن يكون الواحد منهم قد بلغ الأربعين من عمره، أو كان من ذوي القدرات الخاصة١، وهكذا كانت دار الندوة بمثابة دار مشورة ودار حكومة في آن واحد، يديرها الملأ من القوم -الذين كانوا يشبهون إلى حد ما أعضاء مجلس الشيوخ الآثيني٢- ويتكونون من رؤساء العشائر وأصحاب الرأي والحكمة فيهم، للنظر فيما يعترض القوم من صعاب٣.
وكان قصي شديد العناية بعمارة البيت الحرام، الذي يزعم البعض أنه أعاد بناءه، ومن ثم فهو أول من جدد بناء الكعبة من قريش، ثم سقفها بخشب الدوم وجريد النخل، كما كان أول من أظهر الحجر الأسود بعد أن دفنته "إياد" في جبال مكة، ثم أوكل أمره من بعده إلى جماعة من قريش، حتى أعاد القوم بناء الكعبة في عام ٦٠٦م "٣٥ق. م" فوضعوه في ركن البيت بإزاء باب الكعبة في آخر الركن الشرقي، ويحدثنا التاريخ أن القوم كادوا يقتتلون على من يحوز شرف إعادة الحجر الأسود إلى مكانه، لولا حكمة سيد الأولين والآخرين -محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وذلك بأن وضع الحجر في ثوب، ثم أمر بأن تأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم رفعوه جميعًا، فلما بلغوا موضعه، وضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه٤.
_________________
(١) ١ عبد الحميد العبادي: المرجع السابق ص٨-٩، الأغاني ٤/ ٣٨٤، الألوسي ١/ ٢٤٨، ابن هشام ١/ ١٣٤-١٣٦ "مكتبة الجمهورية بمصر"، ابن سعد ١/ ٣٩-٤٠ المقدسي ٤/ ١٢٧، الأزرقي ١/ ٢٠٧-١٠٩، ياقوت ٥/ ١٨٦-١٨٧، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٧-٢٥٩، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤٠، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٣٥، أنساب العرب للبلاذري ١/ ٥٢، نهاية الأرب للقلقشندي ص٤٣٠٠، شفاء الغرام ٢/ ٨٦-٨٧، الاشتقاق ١/ ١٥٥، تاريخ مكة ص٤٥، حياة محمد ص١١١، أحمد إبراهيم: المرجع السابق ص١١٥، P.K. Hitti، Op. Cit.، P.١٠٤ ٢ W.M. Watt، Op. Cit.، P.٩ ٣ جواد علي ٤/ ٤٧، وكذا De Lacy O'leary، Op. Cit.، P.١٨٣ ٤ مروج الذهب ٢/ ٢٧٢-٢٧٣، مدخل إلى القرآن الكريم ص٢٥-٢٦، تاريخ الطبري ٢/ ٢٨٨-٢٩٠، ابن كثير ٢/ ٢٩٩-٣٠٤، ابن الأثير ٢/ ٤٤-٤٥، ياقوت ٤/ ٤٣٦٦، ابن هشام ١/ ١٩٩-٢-، الأزرقي ١/ ١٥٧-١٦٤، تاريخ الخميس ص١٢٦٠١٣١، المقدسي ١/ ١٤٠، ابن سعد ١/ ٩٣-٩٥، تفسير القرطبي ٢/ ١٢٢-١٢٣ هيكل: حياة محمد ص١٤١-١٤٢.
[ ٣٦٣ ]
ولعل من أهم أعمال قصي أنه جعل وظيفة "سدانة الكعبة" -وهي خدمة البيت الحرام- من أهم الوظائف في عهده، والأمر كذلك بالنسبة إلى وظيفة "السقاية"، بخاصة في بلد شحت مياهه في وقت كان يستقبل فيه أكثر مما يطيق من الحجيج، ومن ثم فقد كان على صاحب السقاية توفير المياه لزوار بيت الله الحرام، حتى ييسر لهم مهمة الحج، ويجعل الإقبال عليه كبيرا، ومن ثم يذهب الأخباريون إلى أن قصيا قد حفر بئرًا سماها "العجول"، وكانت "الرفادة" -وهي خرج تدفعه قريش من أموالها إلى قصي ليصنع منه طعامًا للحجاج ممن لم يكونوا على ميسرة- من الوظائف الهامة التي ظهرت في مكة على أيام قصي، وتروي المصادر العربية أن قصيا قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وأن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم"، ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام "منى"، فجرى الامر على ذلك في الجاهلية والإسلام، وأخيرًا كان من أعمال قصي "اللواء" وهو رياسة الجيش في الحروب، ويسند لمن بيده اللواء، يسلمونه إليه عند قيام الحرب١، وتجمع المصادر الإسلامية على أن مولانا وسيدنا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- قد ألغى هذه المناصب جميعًا يوم فتح مكة، إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة٢.
ويجمع المؤرخون على أن قصيا إنما ظل يمسك بهذه الوظائف جميعًا حتى وفاته، كما ظل كذلك الرجل الوقور المطاع في قومه، لا يخالف، ولا يرد عليه شيء أقره، ولعله في جمعه لرياسة دار الندوة وعقده اللواء وجمعه الرفادة، يقابل في اصطلاحاتنا الحديثة، رياسة السلطات التشريعية والحربية والمالية، إن جاز هذا التعبير٣-
_________________
(١) ١ ابن الاثير ٢/ ٢١-٢٣، الطبري ٢/ ٢٥٨-٢٦٠، ابن هشام ١/ ١٣٤-١٤٠، ياقوت ٥/ ١٨٧٦، ابن سعد ١/ ٤١، البلاذري ١/ ٥١، ابن خلدون ٢/ ٢٣٥، اليعقوبي ١/ ٢٤٠-٢٤٢، الأزرقي ١/ ٦٢، ١٢٧. ٢ العقد الفريد ٣/ ٣١٣-٣١٥، ابن كثير ٤/ ٣١٠، تاريخ مكة ص٥٣، الطبري ٣/ ٦٠-٦١، المقدسي ٤/ ١٢٧-١٢٨، الأزرقي ١/ ١١٠-١١١، ١١٤-١١٥ شفاء الغرام ٢/ ١٢٠ ٣ محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص١٣٩.
[ ٣٦٤ ]
ولعل هذا هو الذي دفع "الأب هنري لامانس" إلى القول بأن مكة إنما كانت جمهورية بالمعنى الكامل للجمهورية، وقد يكون لشخصية "قصي" الفذة تأثير في ذلك، إلا أن تنظيمات قريش لم تكن في واقع الأمر، إلا تنظيما قبليا في جوهره، وإن بدا في ظاهره تنظيما جمهوريا، لأن الزعيم لم يكن يحمل لقبًا معينا، فضلا عن أن هناك من الأدلة ما يشير إلى أن العشيرة إنما كانت تتمتع بحرية كاملة، ولا تخضع لسلطان غيرها في كثير من الأحايين، بل إن كثيرًا من الأفراد إنما كانوا يخرجون على رأي العشيرة نفسها، ومن النوع الأول عدم مشاركة بني زهرة لقريش في موقعة بدر، رغم موافقتها على القتال وخروجها إليه، بل إن بني عدي لم يخرجوا للقتال أصلا، ومن النوع الثاني خروج أبي لهب على رأي بني هاشم، وانضمامه إلى بقية بطون قريش في مقاطعتها لبني هاشم، وبقاء العباس على علاقاته الودية ببطون قريش، رغم تضامنه مع بني هاشم، هذا إلى أن العشيرة إنما كانت تخرج أحيانًا على مجلس القبيلة، ومثال ذلك اجتماع بني هاشم والمطلب على حماية المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ومواجهة قريش١.
ويرى الدكتور طه حسين -يرحمه الله- أنه من العسير أن نحدد لمكة نظاما من نظم الحكم التي يعرفها الناس، فلم يكن ملك، ولم تكن جمهورية أرستقراطية بالمعنى المألوف لهذ العبارة، ولم تكن جمهورية ديمقراطية بالمعنى المألوف لهذه العبارة أيضًا، ولم يكن لها طاغية يدير أمورها على رغمها، وإنما كانت قبيلة عربية احتفظت بكثير من خصاص القبائل البادية، فهي منقسمة إلى أحياء وبطون وفصائل، والتنافس بين هذه جميعًا قد يشتد حينا ويلين آخر، ولكنه لا يصل إلى الخصومات الدامية، كما هو الحال في البادية وأمور الحكم، تجري كما تجري في البادية، وكل ما وصلت إليه قريش من التطور في شؤون الحكم هو أنها لم يكن لها سيد أو شيخ يرجع إليه فيما يشكل من الأمر، وإنما كان لها سادة أوشيوخ يلتئم منهم مجلس في المسجد الحرام، أو في دار الندوة٢.
_________________
(١) ١ أحمد إبراهيم الشرفي المرجع السابق ص١١٢-١١٣ ابن هشام ١/ ٣٦٥، الطبري ٢/ ٣٢٣-٣٢٨، ٤٢٩، ٤٣٨، ٤٤٣٢، ابن الأثير ٢/ ٨٧، ١١٧، ١٢١، ابن كثير ٣/ ٨٤-٨٨، ٢٥٧، ٢٦٦، وكذا H. Lammens، La Republique De La Mecque ٢ طه حسين: مرآة الإسلام ص٢٢.
[ ٣٦٥ ]
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قريشًا هذه -كما يرجح المؤرخون الإسلاميون- إنما هي من نسل رجل واحد، هو "فهر بن مالك بن النضر بن كنانة" من ولد إسماعيل ﵇، وأن اسم قريش لم يعرف إلا منذ أيام "فهر"، ومن ثم فقريش هم "فهر" ومن تحدر من صلبه من سكان مكة وظواهرها١.
وأما أقدم ذكر لقريش في النصوص العربية الجنوبية القديمة، فربما كان -كما أشرنا من قبل -يرجع إلى أيام الملك الحضرمي "العزيلط"، والذي حكم في القرن الأول قبل الميلاد على رأي، وفي القرن الثالث الميلادي على رأي آخر٢، فهناك ما يشير إلى أن عشر نساء قرشيات رافقن الملك "العزيلط" إلى حصن "أنو"، فإذا كان النص يعني حقًّا بقريش، قريش صاحبة مكة، فإننا نكون قد وقفنا لأول مرة على اسم قريش في وثيقة مدونة من عصر هذا الملك٣.
وأيا ما كان الأمر، فلقد أنجب قصي ثلاثة أبناء -عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى- ورغم أن عبد الدار كان أكبر إخوته، إلا أن عبد مناف كان أكثر شهرة، وأرفع شأنا، وأعظم مهابة، ومن ثم فقد رأى قصي أن يعوض عبد الدار عما فقده من مقومات الزعامة، فأسند إليه كثيرًا من الوظائف ليقاوم شخصية أخيه القوية، وتمضي الأيام ويرث الأبناء الآباء، ويقوم النزاع بينهم، حتى ينتهي آخر الأمر، بأن يتولى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة "مفاتيح الكعبة" واللواء ورياسة دار الندوة لبني عبد الدار٤.
_________________
(١) ١ البلاذري ١/ ٣٩، نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص٩، ابن سعد ١/ ٥٥، نهاية الأرب ص٣٦٤ "بغداد ١٩٥٨"، ابن هشام ١/ ١٠٣، المعارف ص٣١، شفاء الغزام ٢/ ٦٣ ٦٤، نسب قريش للزبيري ص١٢، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص١٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٢٤، قارن الاشتقاق ١/ ٢٧. ٢ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٧٤-٢٧٩، وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١١٤ وكذا Basor، ١١٩، P.١٤ ٣ جواد علي ٢/ ١٤٥، وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٨٤ ٤ ابن الأثير ٢/ ٢١، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٥، ٢٥٩، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٣٥-٣٣٦، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤١، تاريخ الكعبة المعظمة ص٢٨٤، ابن سعد ١/ ٤١-٤٢، المحبر ص١٦٦، المعارف ص٦٠٤، أنساب الأشراف ١/ ٦٠، العقد الثمين ١/ ١٤٨، شفاء الغرام ٢/ ٧٥-٧٦، ٨٧، نسب قريش ص٤، ياقوت ٥/ ١٨٧، جمهرة أنساب العرب ص١٤، نهاية الأرب ١/ ٢٤٨، الأزرقي ١/ ١٠٩-١١٠.
[ ٣٦٦ ]
ويتولى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه عبد مناف، ويروي المؤرخون أنه كان غياث قومه في عام المجاعة، فرحل إلى فلسطين حيث اشترى كميات من الدقيق وقدم بها إلى مكة، فبذل طعامه لكل نازل بالبلد المقدس أو وارد عليه، وسمي بالهاشم من ذلك اليوم لهشمه الثريد ودعوة الجياع إلى قصاعه، بدلا من اسمه الأصلي عمرو، ومما يروى عنه كذلك أنه أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف، وحقيقة ذلك فيما يخلص لنا من سوابق الرحلات أنه كان يحمي تلك الرحلات وينظمها، فنسب إليه أنه أول من سنها١.
هذا بالإضافة إلى أن الرجل العظيم قد عقد بنفسه مع الإمبراطورية الرومانية، ومع أمير غسان، معاهدة حسن جوار ومودة، وحصل من الإمبراطور الروماني على الإذن لقريش بأن تجوب الشام في أمن وطمأنينة، كما عقد نوفل والمطلب حلقا مع فارس، ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن٢.
ويذهب الأخباريون إلى أن هاشما وعبد شمس توأمان، وأن أحدهما ولد قبل الآخر وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت فسال الدم، فقيل يكون بينهما دم، ومن ثم فإنهم يرون أن أمية بن عبد شمس قد حسد هاشما على رياسته وإطعامه، فتكلف أن يصنع مثله، ولكنه قد عجز، ومن ثم فقد شمت به ناس من قريش، وتنافر هو وهاشم، وانتهى الأمر بجلاء أمية عن مكة عشر سنين، فكان ذلك أول خلاف بين بني هاشم وبني أمية٣.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٢/ ٢٥١-٢٥٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٣٦-٣٣٧، تاريخ الكعبة المعظمة ص٢٨٥-٢٨٦، ابن هشام ١/ ١٤٥٠١٤٦، أنساب الأشراف ١/ ٥٨، الاشتقاق ١/ ١٣، المقدسي ٤/ ١٢٨-١٢٩، ابن سعد ١/ ٤٣-٤٤، ذيل الأمالي والنوادر ص١٩٩-٢٠٠، حياة محمد ص١١٢، العقاد: المرجع السابق ص١٢٠، الأزرقي ١/ ١١١، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤٢-٢٤٣، صبح الأعشي ١/ ٣٥٨، نهاية الأرب للقلقشندي ص٣٩٥، العقد الثمين ١/ ١٤٨، بلوغ الأرب ٢/ ٢٨٤، شفاء الغرام ٢/ ٧٧، ٨٨. ٢ تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤٢-٢٤٣، تفسير الفخر الرازي ٣١/ ١٨٠، ثمر القلوب للثعالبي ص١١٥-١١٦، ذيل الأمالي والنوادر ص١٩٩، حياة محمد ص١١٥، وكذا L. Caetani، Annali Dell' Islam، ١٩٠٥، P.١٠٩ ٣ ابن الأثير ٢/ ١٦-١٧، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٢-٢٥٤، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤٢، ابن سعد ١/ ٤٤، ٥٢، شفاء الغرام ٢١/ ٨٥، نسب قريش ص١٤، بلوغ الأرب ٢/ ٢٨٣-٣٨٤، نهاية الأرب ١/ ٣٠٧-٣٠٨، المقريزي: كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ص٢، ٧ جواد علي ٤/ ٧١-٧٢، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ١/ ١٠٣-١٠٤، قارن: تفسير المنار ١١/ ٩٧.
[ ٣٦٧ ]
وفي الواقع -وكما يقول الأستاذ العقاد- فلقد كان بنو هاشم أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة، وكان بنو أمية أصحاب عمل وحيلة ومظهر مشنوء، وينعقد الإجماع -أو ما يشبه الإجماع- على أخبار الجاهلية التي تنم على هذه الخصال في الأسرتين، وبقي الكثير منها إلى ما بعد قيام الدولة الأموية فلم يفندوه١.
وورث عبد المطلب زعامة أبيه هاشم، فأصبح سيد قريش، وإن لم يكن أغناها، وهكذا تولى السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم، وفي الواقع فإن عبد المطلب لم يكن عظيمًا عند قريش فحسب، وإنما كان عظيمًا كذلك في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فإن المؤرخين يرون أنه قد ذهب إلى اليمن مهنئًا بالملك، عندما تولى "معديكرب" سيف بن ذي يزن" عرش اليمن، بعد أن -نجح بمساعدة الفرس- في طرد الأحباش من اليمن٢، مما يدل على أن الرجل كان ذا مكانة عند ملوك العرب، تعطيه الحق في الاتصال بهم، ثم تهنئتهم بعروشهم، كما يدل في الوقت نفسه على مكانته عند قريش، حتى أنه كان رئيسًا لوفدها في هذه المهمات العظيمة، والتي ربما كان من نتائجها أن يأخذ إيلافا لقومه من ملوك اليمن، ومن ثم فقد أصبحت قريش تنظم عيرا إلى اليمن في كل عام٣.
هذا وتذهب المصادر العربية إلى أن عبد المطلب قد لقي الكثير من المتاعب في توفير المياه للحجيج عندما تولى أمر السقاية والرفادة، وذلك بسبب دفن زمزم، ربما منذ أيام جرهم، وزاد الأمر صعوبة أن مكة كانت آن ذاك تمر بفترة قاسية ندرت فيها الأمطار، وجفت مياه الآبار -أو كادت- في وقت كان موسم الحج قد بدت طلائعه، وهنا رأى عبد المطلب -فيما يرى النائم- أنه يؤمر بحفر طيبة،
_________________
(١) ١ العقاد: مطلع النور ص١١٨. ٢ مروج الذهب ٢/ ٥٧-٥٩، ابن الأثير ٢/ ١٢، بلوغ الأرب ٢/ ٢٦٦-٢٦٩، تاريخ الخميس ص٢٧١-٢٧٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٦٤، ابن كثير ٢/ ٣٢٨-٣٣٠، الأزرقي ١/ ١٤٩-١٥٤، ابن هشام ١/ ١٥١، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥١. ٣ ذيل الأمالي ص١٩٩، جواد علي ٣/ ٧٧-٧٨.
[ ٣٦٨ ]
وحين يسأل عنها لا يتلقى جوابا، غير أن الرؤية تتكرر أياما ثلاثة، يؤمر فيها عبد المطلب بحفر "برة" ثم "المضنونة" ثم "زمزم"، وحين يسأل عبد المطلب عن "زمزم" يجيبه الهاتف "تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل"، وينجح عبد المطلب في حفر زمزم، غير أن قريشًا سرعان ما تطالب بحقها في زمزم، على أساس أنها بئر أبيهم إسماعيل، وإن انتهت الأمور إلى جانب عبد المطلب١.
وعلي أي حال، فلقد تميز عبد المطلب -جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بأريحة لا نستطيع أن نسميها إلا "بالمطلبية"، أريحية فريدة في نوعها، لا تدل إلا عليه ولا تصدر إلا منه، وكانت كلها مزيجا من الأنفة والكرم، والرصانة والاستقلال، ومواجهة الغيب على ثقة وصبر وأناة، وهناك طائفة من أخباره لا تفتقد في واحدة منها تلك المناقب المطلبية التي تعز على خيال المتخيل، ما لم يكن وراءها أصل تحكيه وترجع إليه، فعلى سبيل المثال يروي المؤرخون في حادث فداء ولده عبد الله، أن القداح بعد أن خرجت على الإبل -التي بلغ عددها مائة على رواية، وثلاثمائة على رواية أخرى- فإذا بعبد المطلب يأمر بذبحها، وحين تنحر تترك في الفضاء لا يمنع من لحمها إنس ولا وحش ولا طير، إلا أن يكون ذلك عبد المطلب وولده٢.
وهناك ما يشير إلى أن المنافرات بين البيتين -الهاشمي والأموي- قد استمرت، وذلك أمر لا غرابة فيه، فالبيتان -فيما نظن- على طرفي نقيض، وربما خفي
_________________
(١) ١ ابن الأثير ٢/ ١٢-١٤، ابن كثير ٢/ ٢٤٤-٢٤٨، تاريخ الطبري ٢/ ٢٥١، الروض الأنف ١/ ٨٠، ٩٨، المقدسي ٤/ ١١٣-١١٤، الطبقات الكبرى ١/ ٤٩-٥٠، أنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٧٨، سيرة النبي لابن هشام ١/ ١٥١-١٥٨، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤٦-٢٤٧، الأزرقي ٢/ ٤٢-٤٧، تاريخ الخميس ص٢٠٢-٢٠٤، ياقوت ٣/ ١٤٩، كتاب المناسك للحربي ص٤٨٥. ٢ العقاد: مطلع النور ص١٢١-١٢٤، وانظر، شرح نهج البلاغة ١/ ٨٨، وما بعدها، الطبقات الكبرى ١/ ٥٠، ٥٣-٥٤، المقدسي ١/ ١١٤-١١٦، مروج الذهب ٢/ ١٠٤، الأزرقي ٢/ ٤٣-٤٤، ٤٧-٤٩، ابن الأثير ٢/ ٥-٧، تاريخ الطبري ٢/ ٢٣٩-٢٤٣، ابن كثير ٢/ ٢٤٨-٢٤٩، تاريخ الخميس ص١٢٩، ٢٠٦-٢٠٧.
[ ٣٦٩ ]
السبب الذي يرجع إليه هذا الفارق بين الأسرتين فقد يرى بعضهم أنه يرجع إلى النسب المدخول، وقد رمي الأمويون الأوائل بشبهات كثيرة في عمود النسب، وعرض لهم بذلك أناس من ذوي قرباهم في صدر الإسلام، وأشهر ما اشتهر من هذه الشبهات قصة "ذكوان" الذي يقولون أنه من آبائهم، ويقول النسابون أنه عبد مستلحق على غير سنة العرب في الجاهلية، وعلى أي حال، وأيا ما كان سر هذا الفارق البين، فلقد كان بنو هاشم -أسرة النبي ﷺ- أصحاب رئاسة، وكانت لهم أخلاق رئاسة، عرفوا بالنبل والكرم والهمة والوفاء والعفة، وبرزت كل خليقة من هذه الخلائق في حادثة مأثورة مذكورة، فلم تكن خلائقهم هذه من مناقب الأماديح التي يتبرع بها الشعراء، أو من الكلمات التي ترسل إرسالا على الألسنة ولا يراد بها معناها.
ويبلغ هذا التنافر بين الأسرتين شأوًا بعيدًا، فيما بين عبد المطلب وحرب بن أمية، إذ كان كلاهما نمطا في بابه، ويروي المؤرخون أن حربا نافر عبد المطلب إلى نفيل جد عمر بن الخطاب، وإن رأى البعض أن المنافرة إنما كانت مع هاشم، وأن نفيلا قد قضى فيها لعبد المطلب، وأنه خاطب حربا قائلا: "أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا"١.
وأما في الإسلام، فقد كان بنو أمية حجر عثرة في سبيل الدعوة الإسلامية وناصبوها العداء الشديد، إلا قليلا منهم ممن هداهم الله للإسلام، وبعد هجرة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينة المنورة واشتباك المسلمين مع مشركي قريش، كان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قائد الجيش في غزوة بدر، وكان أبو سفيان قائد العير، وفي غزوتي أحد والأحزاب، كان أبو سفيان قائدا للجيش، بل إن أبا سفيان، حتى بعد إسلامه يوم فتح مكة، فقد كان -وكذا ولده معاوية- من المؤلفة قلوبهم، فضلا عن أنه هو القائل بعد اضطراب المسلمين في غزوة حنين والأزلام في كنانته "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر"، تعبيرا عما في نفسه من
_________________
(١) ١ العقاد: مطلع النور ص١١٨-١٢٠، وانظر: بلوغ الأرب "١/ ٣٠٧-٣٠٨، أعلام النبوة للماوري ص١٣٨ "القاهرة ١٩٣٥"، عبد الفتاح شحاتة: تاريخ الأمة العربية قبل ظهور الإسلام ٢/ ٢٤٩-٢٥٠.
[ ٣٧٠ ]
الضغن على الإسلام ورسول الإسلام١.
وعلى أي حال، فلقد تم في عهد عبد المطلب إعادة حفر زمزم، كما حدث في عهده أخطر الأحداث في تاريخ مكة القريب من الإسلام، وأعني به حملة أبرهة الحبشي -الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"- على أن أهم الأحداث من عهده دون منازع، ليس في تاريخ مكة فحسب، وإنما في تاريخ البشرية جمعاء، إنما كان مولد جدنا ومولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وبذا كتب للرجل العظيم أن يكون جد المصطفى، ﷺ.
_________________
(١) ١ عبد الفتاح شحاتة المرجع السابق ص٢٥٠، ابن الأثير ٢/ ١٢٣-١٢٤، ١٤٩، ١٧٨، ٢٦٣، ابن كثير ٣/ ٢٦٩-٢٧٠، ٤/ ١١، ٩٥، ٣٢٧، تاريخ الطبري ٢/ ٤٤٢٠٤٤٣، ٥٠١، ٥٦٦، ٣/ ٧٤، المعارف ص٧٥، المحبر ص٤٧٣، تفسير الطبري ١٤/ ٣١٣ "دار المعارف ١٩٥٨" نهاية الأرب للقلقشندي ص٧٩٨ "بغداد ١٩٥٨" عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص١١٣، ١١٥-١١٧. ٢ تذهب الروايات العربية إلى أن المولد النبوي الشريف إنما كان في عام الفيل، غير أن هذا العام غير معروف على وجه التحديد "عام ٥٥٢ أو ٥٦٣، أو ٥٧٠ أو ٥٧١م" وكذا من رأوه يتفق وموقعة ذي قار، ومن ثم فقد اعتمد العلماء على تاريخين محققين من سيرة النبي، وهما تاريخ الهجرة في عام ٦٢٢م، وتاريخ الانتقال إلى الرفيق الأعلى في عام ٦٣٢م، ومع ذلك لم يصلوا إلى نتيجة مؤكدة، وعلى أي حال فهناك من يرى أنه في٢٧ أغسطس عام ٥٧٠م، أو ٢٩ أغسطس عام ٥٧٠، وأما محمود الفلكي فقد رآه في يوم ٩ ربيع الأول "٢٠ أبريل ٥٧١م"،على أي حال، فيكاد المؤرخون يجمعون على أنه كان في يوم الاثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول من عام الفيل، والموافق للعام الثالث والخمسين قبل الهجرة "٥٧١م"، وأما الانتقال إلى الرفيق الأعلى فقد كان في يوم ١٢ أو ١٣ من ربيع الأول عام ١١هـ "٧ أو ٨ يونيو عام ٦٣٢م" بعد أن بلغ ٦٣ عامًا قمريا بالكامل "أكثر من ٦١ عامًا شمسيا" "انظر: تاريخ الطبري ٢/ ١٥٥٠١٥٧، ابن الأثير ١/ ٤٥٨-٤٥٩، ابن كثير ١/ ٢٥٩-٢٦٢، ياقوت ٤/ ٢٩٣-٢٩٤، الفلكي: التقويم العربي قبل الإسلام ص٣٨، دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص٢٢، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ١/ ٩٥-٩٦، المحبر ص٨-٩، "دراسات في التاريخ القرآني". وكذا P. Lammens، Age De Mohammed، P.٢٠٩f وكذا R. Blachere، Le Problem De Mahomet، P.١٥ وكذا Caussin Des Perceval، Essi Sur L.htm'histoire Des Arabs، I، P.٢٨٣
[ ٣٧١ ]