وهي أكثر الأقسام الثلاثة اتساعا، وتشتمل على كل المناطق التي دعاها الكتاب العرب -من مؤرخين وجغرافيين- "بلاد العرب"، كما أن حدودها الشمالية لم تكن ثابتة، وإنما كانت تتغير طبقًا للظروف السياسية، التي تقع إلى الشمال منها، ويتجه البعض إلى أن جهل القدماء بداخل بلاد العرب، هو الذي دعاهم إلى احتساب هذا الجزء من بلاد العرب السعيدة أو الخضراء، مع أنه في الواقع يعتبر من بلاد العرب الصحراوية، وأما الجزء الذي يمكن أن يطلق عليه "بلاد العرب السعيدة"، فهو الجزء الجنوبي الغربي، حيث تقع بلاد اليمن١، لغنى محاصيلها وتنوعها، ولاعتدال مناخها، على النقيض من المناطق المستعرة الحر وراءها، وقد أدت هذه الظروف منذ الألف الأول قبل الميلاد، إلى قيام مجتمعات سياسية مستقرة في تلك المنطقة، امتد أثرها إلى الساحل الأثيوبي المقابل في صورة تجارة واسعة، وموجات من المهاجرين المستوطنين٢.
وعلى أية حال، فإن الجغرافيين اليونان لم يفرقوا بين بلاد العرب الصحراوية والصخرية، حيث يكون الفاصل بينهما صعبًا جدًّا بالنسبة إليهم، فاعتبار اليونان القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية منطقة واحدة يمكن ملاحظته في تعليق "إريان"
_________________
(١) ١ محمد مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص٥١. ٢ موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص٣٥، وكذا DIODORUS، ١١: ٤٨
[ ٨٤ ]
على سفرتي رسل قمبيز وبطليموس الأول عبر صحراء جرداء١، وكذلك اعتبر "إيراتوسثينيس" -كما أشرنا آنفًا- الخط الفاصل بين بلاد العرب السعيدة والصحراوية هو الذي يبدأ من "هيرابوليس" إلى بابل مارًّا بالبتراء، علمًا بأن الجغرافيين اليونانيين- وحتى الرومان من بعدهم- لم يضعوا صحراء النفود الكبرى ضمن بلاد العرب الصحراوية، وإنما جعلوها جزءًا من العربية السعيدة٢.
أضف إلى ذلك أننا لم نقرأ في كتاباتهم شيئًا عن المدن الهامة كتيماء ودومة الجندل، فضلا عن وادي السرحان الذي ذكره الجغرافيون وبعض المؤرخين التالين لهم تحت اسم "سيرميون- بيديون" "Syrmaion Pedion"، مما يدل على أنهم لم يذهبوا إلى هذه المناطق، وإنما اعتمدوا في الكتابة عنها على معلومات شفهية متداولة، وإن كان هذا لا يعني أن التغلغل اليوناني في المناطق الشمالية من بلاد العرب كان معدومًا، فهناك معالم كثيرة يغلب عليها الطراز اليوناني في العمارة، إلى جانب كثرة ما وجد من النقود اليونانية٣.
_________________
(١) ١ سامي الأحمد: المرجع السابق ص٦٠٣-٦٠٤ وكذا ARRIAN، ANABASIS OF ALEXANDER THE GREAT AND INDICA، EDITED BY E.J، CHINNOCK، "LONDON، ١٨٩٣"، CH.٤٣ ٢ سامي سعيد الأحمد: نظرات في جغرافية شبه الجزيرة العربية في المصادر اليونانية القديمة، مجلة العرب، العدد السابع، السنة الثالثة، أبريل ١٩٦٩، ص٦٠٤. ٣ سامي الأحمد: المرجع السابق ص٦٠٤.
[ ٨٥ ]