ينسب الأخباريون "طسم وجديس" إلى "لاوذ بن إرم بن سام بن نوح"، مع قليل أو كثير من التعديل في هذا النسب كالعادة١، وأنهما كانا قريبًا عهد بعاد
_________________
(١) ١ ابن خلدون ٢/ ٢٤، الأغاني ١٠/ ٤٨، ابن الأثير ١/ ٣٥١، اللسان ٧/ ٣٣٣، نهاية الأرب للقلقشندي ص٢٠٤، المعارف ص١٣، وكذا Ei، I، P.٩٩٢
[ ١٤٧ ]
الأولى١، أما موطنها فكان في منطقة اليمامة، والتي كانت تسمى "جو" من قبل٢، ولكن يبدو أن هذا لم يكن هو الوطن الأول، ومن ثم فعلينا أن نبحث عنه في مكان آخر.
لقد حدثتنا التوراة عن كثير من القبائل العربية، ومن بينها قبيلة "طسم" التي دعتها "لتوشيم" وأنها إحدى بطون قبيلة "ديدان" الموجودة في العلا، وهذا يعني أن بداية استقرار "طسم" إنما كان في منطقة العلا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى منطقة اليمامة، وهذا القول لا يبدو غريبًا ويمكن تصوره، فنحن نعرف أن أحد الطرق التجارية يبدأ من جنوب بلاد العرب، من "عدن" أو"قنا"، فمدن الحجاز "مكة، المدينة، خيبر" إلى أن يصل إلى العلا، ثم يتجه إلى الشمال، وهناك طريق ثان يبدأ من الجنوب أيضًا، مارًّا بالحافة الغربية للربع الخالي، متجهًا إلى اليمامة، ثم ينحدر باتجاه الشمال الغربي إلى منطقة العلا ومدائن صالح، فبلاد الشام، أو إلى مصر، إذن فمن المحتمل أن يكون نزوح "طسم" إلى اليمامة، إنما كان بسبب العامل الاقتصادي في المكان الأول، على أساس أن جزءًا، من قبيلة ديدان- وهي التي كانت تشارك في الحركة الاقتصادية بين جنوب الجزيرة وشمالها -قد نزح إلى منطقة اليمامة، ليحافظ على استقرار الأمن في الطريق التجاري من جنوب بلاد العرب إلى شمالها عبر اليمامة، ويبدو أن "جديس" قد نزحت كذلك مع "طسم"، وبهذا يمكن أن نجد صلة النسب قائمة بين القبيلتين٣.
وفي الواقع أننا لا نملك مصادر يعتمد عليها في التأريخ لهما، فالقرآن الكريم لم يتحدث عنهما، والاكتشافات الأثرية لم تصل إليهما، وكتابات الأمم الأخرى لم تذكرهما، إذا استثنينا إشارة التوراة عن طسم، ومن هنا فالشك يحيط بتاريخهما من كل جانب، ومع ذلك فقد حاول البعض أن يلم بشتات ما كتب عنهما، ليخرج لنا صورة عنهما، أقرب إلى الحكايات منها إلى التاريخ الصحيح.
ومع ذلك، فعلينا ألا نتعجل في الحكم عليهما، كما فعل نفر من المستشرقين،
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ١/ ٣٣٧، اللسان ٦/ ٣٥. ٢ ياقوت ٢/ ١٩٠، ٥/ ٤٤٢، البكري ٢/ ٤٠٧. ٣ عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق ص٩٠-٩١.
[ ١٤٨ ]
فذهب إلى أنهما من الشعوب الخرافية، فقد تأتي لنا الأيام بمعلومات عنهما قد تغير الصورة الحالية إلى حد كبير، ويبدو أنها بدأت تفعل، فلقد عثر في "صلخد" على نص يوناني يرجع إلى عام ٣٢٢م، جاء فيه "أنعم طسم١"، كما أن التوراة قد أشارت إلى "طسم"، على أنه من نسل "دادان بن يقطان٢" أضف إلى ذلك أن بعضًا من المستشرقين يرى أن اسم "Jodisitae" أو "Joiisiae" الوارد في جغرافية بطليموس، هو اسم قبيلة من قبائل شرق بلاد العرب، وأنها "جديس" بعينها، وأنها كانت معروفة حوالي عام ١٢٥٣م، بل ومزدهرة كذلك. ويصفها المسعودي -هي وأرض طسم- بأنها من أفضل البلاد وأكثرها خيرًا، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة وقصور مصطفة٤.
هذا وينسب الإخباريون إلى القبليتين كثيرًا من المواضع، فإلى "طسم" ينسب حصن المشقر، بين نجران والبحرين، وإلى "جديس" ينسب قصر معنق والشموس في اليمامة، فضلا عن بعض القرى في اليمامة كذلك، منها "حجر" حاضرة طسم وجديس.
وهناك "جعدة" والتي يصف "الهمداني" جُدرها، بأنها تسمح بأن يركض عليها أربع من الخيل جنبًا إلى جنب، وأن بها حصنًا قديمًا ظل باقيًا حتى أيامه، وأنه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اللبن، وفي هذا دلالة على خصب التربة ووفرة الأرض الطيبة والماء، كما هو الحال في العراق ومصر منذا أقدم العصور، هذا إلى جانب "الخضرمة" "جو القديمة" التي كانت تسكنها جديس -في مقابل الخضراء لطسم- فضلا عن "الهدار" و"ريمان"٥.
_________________
(١) ١ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الأول ص٣٣٥ وكذا D.H. Mueller، Suedarabische Studien، P.٦٧ ٢ قاموس الكتاب المقدس ٢/ ٢٩٤، مجلة الهلال، العدد ١٠ ص٧٧٦ "القاهرة ١٨٩٧م". ٣ جرجي زيدان: المرجع السابق ص٦٩، سعد زغلول: المرجع السابق ص١٢١-١٢٢ وكذا Ptolemy، I، ٢٩. وكذا Ei، I، P.٩٩٢ وكذا Caussin De Perceval، Op. Cit.، I، P.٢٩ ٤ مروج الذهب ٢/ ١١٤. ٥ الهمداني: صفة جزيرة العرب ص١٤٠-١٤١، ص١٦٠، ١٦٤، ياقوت ٢/ ٢٢١، ٣٧٧، البكري ١/ ٨٥، ٢/ ٤٠٥، ٣/ ١٠٧٠-١٠٧١، صحيح الأخبار ١/ ١٩٥، ٢/ ٣٣، ١٧٠، جرجي زيدان: المرجع السابق ص٦٩٠٧٠، جواد علي ١/ ٣٣٩-٣٤٠، سعد زغلول: المرجع السابق ص١٢٣-١٢٧.
[ ١٤٩ ]
وقصة القبيلتين العربيتين -كما يقدمها الأخباريون- تذهب إلى أن الغلبة إنما كانت من نصيب "طسم"، وأن أولي الأمر وأصحاب السطوة، إنما كانوا منها كذلك، ومرت الأيام وانتهى الملك في طسم إلى رجل ظلوم غشوم، استذل جديس وانتهك أعراضها، حتى جعل سنته السيئة، ألا تزف البكر من جديس إلى بعلها، قبل أن يقضي منها وطره، إلى أن كان يوم زفت فيه امرأة من جديس تدعى "الشموس" "عفيرة بنت غفار بن جديس" إلى رجل من قومها، وعندما حملت إلى ملك طسم ليفترعها أولًا، سمعت من عبيده ما مس كرامتها، وأهان شرفها، فخرجت من فراش ملك طسم ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من خلف ومن قدام، ثم أخذت تنشد شعرًا في قصيدة طويلة، تثير به نخوة قومها.
وتستمر الأقصوصة، فتذهب إلى أن أخا الشموس "الأسود بن غفار بن جديس" سيد قومه وصاحب الرأي فيهم، قد تحركت نخوته، كما أحس المذلة قومه من جديس، فاتفق القوم على ملك طسم، ومن ثم فقد نصبوا له ولخاصة قومه الشباك، وكتب لهم في مهمتهم هذه نجحا بعيد المدى، واستطاع رجل من طسم أن يفر من المذبحة، وأن يستنجد بحسان بن تبع ملك حمير، الذي يعد جيشًا كثيفًا، بغية أن يقضي به على جديس، وبينما كان هذا الجيش العرمرم على مبعدة ثلاثة أيام من اليمامة، يخبر هذا المستجير -ويسمونه رباح بن مرة- ملك حمير، أن له أختًا في جديس ترى على مسيرة ثلاثة أيام، وأنه يخشى أن تراهم فتحذر القوم منهم، ومن ثم فإنه يقترح أن يحمل كل جندي فرعًا من شجرة كبيرة يستتر وراءها، حتى يستطيعوا أن يفجئوا جديسًا قبل أن يتحوطوا للقائهم.
وتطلعت أخت الطسمي -وتدعى زرقاء اليمامة- إلى ناحية الجنوب الغربي، وصاحت في جديس تحذرهم من حمير، فهي ترى شجرًا يتحرك ومن ورائه جنودًا تحمل سلاحًا، ولكن القوم ظنوا بها الظنون فلم يصدقوها، حتى حلت الكارثة، فأبيد الرجال، وسبيت النساء، وقتلت الأطفال، وهدمت البيوت والحصون، وفقئت عيني الزرقاء، وتغير اسم مساكن طسم وجديس من "جو" إلى اليمامة، وهكذا كان فناء جديس على يد الحميريين، ومن ثم فقد لحق القومان "طسم وجديس" بعاد وثمود، وصاروا من العرب البائدة١.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ١/ ٦٢٩-٦٣٢، المسعودي: مروج الذهب ٢/ ١١١-١١٩، أخبار الزمان ص١٢٤-١٢٦، ابن الأثير ١/ ٣٥٠-٣٥٤، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٢٤-٢٥، جرجي زيدان: المرجع السابق ص٦٩-٧٠، المقدسي: البدء والتأريخ ٣/ ٢٨-٢٩، المعارف ص٢٧٤-٢٧٥ البكري ٢/ ٤٠٧، أخبار عبيد بن شريه ص٤٨٣-٤٨٨، الأخبار الطوال ص١٤-١٦، ياقوت ٥/ ٤٤٢-٤٤٧، سعد زغلول المرجع السابق ص١٢٣-١٢٤، مبروك نافع: المرجع السابق ص٣٧-٣٩، محمد أحمد جاد المولى وآخرون: أيام العرب في الجاهلية ص٣٩٦-٣٩٨.
[ ١٥٠ ]
هذه هي القصة التي تدور حول الحيين العربيين طسم وجديس -وهي فيما نظن- لا تعدو أن تكون واحدة من القصص الشعبي، ومن الغريب أن القصة تكاد أن تكرر نفسها بين العرب واليهود في المدينة١، فضلا عن شبه قريب بينها وبين قصص أخرى يرويها الأخباريون عن ملوك اليمن، وعن ولعهم بالنساء، وفعل المنكر فيهن، ومنها واحدة تتصل بملكة سبأ "بلقيس٢ صاحبة سليمان ﵇" وأخرى عن "عتودة" مولى أبرهة الحبشي٣.
أضف إلى ذلك أن القصة تصور القوم وكأنهم لا يثورون على هذا الوضع الدنيء، إلا بعد أن ظهرت "عفيرة" ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من قدام ومن خلف، فيغضب أخوها -كما غضب أخو فضلاء في يثرب- ويقبل "عملوق" ملك طسم، هذا إلى جانب أن القصة تصور المرأة -وليس الرجل- هي التي تأنف من العار وتأبى الذل، وتحرض الرجال على الانتقام للعرض المستباح، ومن ثم فإننا نرى "عفيرة" تقول:
لا أحد أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بذا يا يقوم بعل حر أهدى وقد أعطى وثيق المهر
ولو أننا كنا رجالا وكنتم نساء لكنا لا نقر بذا الفعل
فموتوا كرامًا وأميتوا عدوكم ودبوا لنا الحرب بالحطب الجزل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب النساء فإنما خلقتم لأثواب العروس وللنسل٤
_________________
(١) ١ وفاء الوفا ١/ ١١٥-١٢٦-١٢٩، ابن الأثير ١/ ٦٥٦-٦٥٨، الاشتقاق ١/ ٢٩، ٢٧٠، ياقوت ٢/ ٢٤٢، ٥/ ٨٤-٨٧، أبو الفداء ١/ ١٢٣، المقدسي ١/ ١٧٩-١٨٠، ابن خلدون ٢/ ٢٨٧٠٢٨٩، الأغاني ٢٩/ ٩٦-٧-، إسرائيل ولفنسون: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص٥٦. ٢ ابن الأثير ١/ ٢٣٢-٢٣٣، تاريخ الخميس ص٢٧٦. ٣ تاريخ الطبري ٢/ ١٢٨-١٢٩، ابن الأثير ١/ ٤٢٣-٤٢٣. ٤ ابن الأثير ١/ ٢٣٣.
[ ١٥١ ]
ومن هنا، فإننا نرفض هذه القصة هنا وهناك، نرفضها لأنها لا تتفق مع الخلق العربي والكرامة العربية، نرفضها لأنها تتعارض تمامًا وأخلاق العرب الذين كانوا يشعلون نار الحرب لأقل كلمة يمكن أن تفسر على أنها إنما تسيء إلى الشرف والعرض الذي كان -وما زال وسوف يظل إن شاء الله- من أقدس ما يحافظ العربي عليه، ثم هل هذا الشعر العربي الفصيح يمكن أن يكون من قول "عفيرة" جديس، وأخيرًا فإن قصة زرقاء اليمامة هذه، إنما رويت في مكان آخر عند حديث الإخباريين عن تفرق ولد معد، وقريب منها ما جاء في قصة "الزباء" ملكة تدمر المشهورة١.
وأما الفترة التي عاشت فيها قبيلتا "طسم وجديس"، فهي -طبقًا للرواية الآنفة الذكر- إنما كانت في أوائل القرن الرابع الميلادي، أو أوائل القرن الخامس الميلادي٢، على أن "ده برسيفال" إنما يرى أن إغارة الحميريين على جديس إنما كان بعد عام ١٤٠م٣، وهذا يعني أن القبيلتين قد انتهى أمرهما في حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي، ومن ثم فقد أخطأ المؤرخون المسلمون في الربط بينهما وبين عاد الأولى٤، والتي ربما عاشت في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، هذا إلى أن ذلك إنما يتعارض وما رآه البعض من أن بطليموس الجغرافي إنما كان يقصد باسم "Jodisitae" أو "Joiisitae" قوم جديس، وأنهم كانوا معروفين حوالي عام ١٢٥/ ٥.
أضف إلى ذلك أن الفترة التي حكم فيها التبابعة جنوب بلاد العرب، كانت فيها دولة "كندة" هي المسيطرة على منطقة اليمامة، ومن ثم يمكننا القول أن قبيلتي طسم وجديس كانتا معاصرتين لدولة ديدان، وربما انتهتا بنهايتها، أي أننا يمكننا أن نؤرخ لهما فيما بين القرن السادس والخامس قبل الميلاد، ولا نشك في أن الكشف
_________________
(١) ١ سوف نناقش ذلك كله في مكانه من هذه الدراسة. ٢ جرجي زيدان: المرجع السابق ص٦٩، محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٣٩، سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص١٢٤-١٢٥؟ ٣ Caussin De Perceval، Essai Sur L'histoire Des Arabes Avant L'islamisme، I، P.٨٩ ٤ اللسان ٦/ ٢٥. ٥ Encyclopaedia Of Islam، I، P.٩٩٢. وكذا Ptolemy، I، ٢٩
[ ١٥٢ ]
الأثري سوف يؤكد أو يعدل أو يأتي بتاريخ لا يبعد كثيرًا عن هذا التاريخ١، وإن كان هذا لا يمنع من وجود بعض جماعات من "جديس" بعد هذا التاريخ، دون أن يكون لها نفس الكيان الذي كان لها من قبل، ولعل هذه الجماعات هي التي عناها بطليموس، إن كان حقًّا أن اسم "Jodisitae" أو "Joiisitae" إنما يعني في نظره قوم جديس.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق ٩١.
[ ١٥٣ ]