أصبحت مكة منذ آل أمرها إلى قريش على أيام قصي مركزًا للحياة الدينية في شبه الجزيرة العربية، تشد إليه الرحال، وتشخص إليه الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها، كانت ترعى الأشهر الحرم، بسبب وجود الكعبة المشرفة هناك، لذلك كله، ولمركزها الممتاز في تجارة العرب، كانت تعتبر وكأنها عاصمة شبه الجزيرة العربية.
وفي الواقع أنه رغم وجود "البيوت الحرام" في بلاد العرب، كبيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت نجران، وغيرها من البيوت الحرام١، فإن واحدًا منها لم يجتمع له ما اجتمع لبيت مكة، ذلك لأن مكة إنما كانت ملتقى القوافل بين الجنوب والشمال، وبين الشرق والغرب، وكانت لازمة لمن يحمل تجارة اليمن إلى الشام، ولمن يعود من الشام بتجارة يحملها إلى شواطئ الجنوب، وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها، ولم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو في رحلاتها، فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن، أو المناذرة في الحيرة، أو الغساسنة في الشام، وليس من وراء أصحاب الرئاسة فيها سلطان، كسلطان الروم أو الفرس أو الأحباش، وراء الإمارات العربية المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، وإنما كانت مكة بمثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش فيها ولا يبالي من عداه وهي وإن لم تكن كذلك من أقدم زمانها، فقد صارت إلى هذه الحالة بعد عهد جرهم والعماليق، الذين روى عنهم الرواة أنهم كانوا يعشرون كل ما دخلها من تجارة٢.
وزاد من قيمة مكة أن اليمن -بعد الاحتلال الحبشي في عام ٥٢٥م- لم تنجح في سد الفراغ الذي تركته البحرية الرومية، ربما لظروف جغرافية أكثر منها سياسية، ومن ثم فقد أصبح الطريق البري -عبر تهامة والحجاز- هو الطريق الوحيد المفتوح
_________________
(١) ١ انظر: ياقوت ١/ ٢٣٨، ٣/ ٤٢٧، ٤/ ٣٩٤-٣٩٥، ٥/ ٢٦٨-٢٦٩، بلوغ الأرب ١/ ٣٤٦-٣٤٧، ٢/ ٢٠٢، ٢٠٧-١٠٩، ١١٢، جمهرة أنساب العرب ص٤٩٣، الأصنام ص٣٨، الروض الأنف ١/ ٦٦، الأغاني ٣/ ١٧٢. ٢ العقاد: مطلع النور ص١١٢-١١٣.
[ ٣٧٢ ]
أما التجارة، فكان لا بد -بعد زوال النشاط اليمني- أن يوجد من يسد هذا الفراغ ويقوم بدور الوسيط المحايد بين المتنازعين، لنقل التجارة، وقد وجد هذا الوسيط ممثلا في مكة١، التي حظيت منذ منتصف القرن الخامس الميلادي بمكانة ممتازة بين عرب الشمال، فضلا عن طرفي الصراع الدولي "الفرس والروم" وقت زامن وساعد على ذلك رغبة الفريقين المتنافسين في وجود مثل هذا الوسيط المحايد من ناحية، وبعد مكة وصعوبة الوصول إليها ما ناحية أخرى٢.
وهكذا كان موقع مكة الجغرافي سببًا في أن يجعل من المدينة المقدسة عقدة تتجمع فيها القوافل، التي تدر من العربية الجنوبية تريد الشام، أو القادمة من الشام تريد اليمن، حتى إذا ما كان القرن السادس الميلادي نجح القرشيون في احتكار التجارة في بلاد العرب، فضلا عن السيطرة على طرق القوافل التي تربط اليمن بالشام من ناحية، وبالعراق من ناحية أخرى٣.
وقد بلغت شهرة القرشيين في التجارة ومهارتهم فيها، إلى أن يذهب البعض إلى القول بأن "قريشًا" إنما سميت كذلك لاحترافها التجارة، لأن التقرش إنما هو التجارة والاكتساب٤، وإلى أن تذكر رحلاتهم التجارية في القرآن الكريم، حيث يقول ﷾ "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"٥.
_________________
(١) ١ أحمد إبراهيم: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول - القاهرة ١٩٦٥ - ص١٥٤ وكذا S.A. Huzayyin، Arabia And The Far East، P.١٤٢-٣ وكذا E. Gibbon، Op. Cit.، ٥، P.٢١٣ ٢ انظر كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني". ٣ W.M. Watt، Muhammad At Mecca، Oxford، ١٩٥٣، P.٣ ٤ ابن هشام ١/ ٦٠، ياقوت ٤/ ٣٣٦، مجمع الأمثال ٢/ ٧٢، نهاية الأرب ص٣٦٤ "بغداد ١٩٥٨"، فجر الإسلام ص١٣-١٤، تاريخ مكة ص٥٩، البلاذري ١/ ٥٩، وراجع تفسيرات أخرى في: ياقوت ٤/ ٣٣٦-٣٣٧، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٨-٢٣٩، تفسير الفخر الرازي ٣٢/ ١٠٦ ٥ سورة قريش، وانظر: تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٠٠-٢٠٩ "دار الكتب المصرية"، تفسير الفخر الرازي ٣٢/ ١٠٣-١١٠، تفسير البيضاوي ٢/ ٥٧٧، تفسير الطبري ٣٠/ ٣٠٥-٣٠٩ "طبعة الحلبي"، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٨-٢٤١.
[ ٣٧٣ ]
على حمايتها جيش خاص دعوه "الأحابيش"١ لعلهم من العرب أو السودان، فكانت مكة أشبه ببنك كبير، فلم تكن القوافل ملكًا لشخص واحد، وإنما كانت هناك طريقة لجمع المال من عدة أسر معروفة، كهاشم وأمية ومخزوم ونوفل٢، وقد أدى ذلك إلى تضخم أموال قريش، حتى بلغت قوافلهم التجارية في عهد غزوة بدر٣ ألف بعير، مضافا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم، بل إن رجلا واحدًا -هو سعيد بن العاص "أبو أحيحة"- استطاع أن يسهم في رأس مالها بثلاثين ألف دينار، كما بلغت قوافلهم في بعض المرات ألفين وخمسمائة بعير، وهي نسبة ما قيمتها المادية، إذا قيست بالثروات في عهدها، هذا وقد بلغ ثراء قريش إلى أنها قد استطاعت في غزوة بدر أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم للرجل، إلى ألف درهم، إلا من عفا عنهم النبي -ﷺ- من المعدمين٤.
وعلى أي حال، فإن ظروف مكة السياسية والاقتصادية والجغرافية قد جعلت منها مدينة عربية لجميع العرب، فلم تكن كسروية أو قيصرية، ولا تبعية أو نجاشية، كما عساها أن تكون لو استقرت على مشارف الشام، أو عند تخوم الجنوب، ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها، ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة، لا على حكم القهر والإكراه٥.
_________________
(١) ١ انظر عن الأحابيش: تاج العروس ٤/ ١٣٠، ٩/ ٣٠٠، تاريخ الطبري ٢/ ٥٠١، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٤١، تاريخ مكة ص٥٢، نسب قريش ص٣٨٩، ابن الأثير ٢/ ١٤٩، المعارف ص٣٠٢-٣٠٣، العمدة ٢/ ١٩٤، اللسان ٦/ ٢٧٨، البلاذري ١/ ٥٢، ٧٦، المحبر ص٢٤٦، ٢٦٧، العبادي: المرجع السابق ٢/ ١٣، جواد علي ٣/ ٣٠-٣٦. ٢ تاريخ الطبري ٢/ ٤٢١-٤٢٢، تاريخ ابن خلدون ٢/ ١٧، الطبقات الكبرى ١/ ٤٠، عبد المنعم ماجد ١/ ٧٩، وكذا Essad Bey، La Vie De Mahomet، P.٤٢ ٣ انظر عن "غزوة بدر" "يوم الجمعة ١٧ رمضان ٢هـ = ١٤ مارس ٦٢٤م": تاريخ الطبري ٢/ ٤٢١-٤٧٩، تاريخ ابن خلدون ٢/ ١٧-٢١، ابن الأثير ٢/ ١١٦-١٣٧، ابن كثير ٣/ ٢٥٦-٣٤٤، وفاء الوفا ١/ ١٩٦-١٩٧، ابن هشام ٢/ ٦٣-٨٤، المعارف ص٧٥-٧٨، الأغاني ٤/ ١٧٦-٢٠٩، ياقوت ١/ ٣٥٧-٣٥٨، الكبري ١/ ٢٤١-٢٣٢، تفسير الطبري ١٣/ ٤٠٩، ٤٤٣، ٥٧٨. ٤ أحمد السباعي: تاريخ مكة ص٣٦-٣٧، المغازي ص١٣٦، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.١٠٤، ٥ العقاد: مطلع النور ص١١٣.
[ ٣٧٤ ]
وقد عملت قريش على توفير الأمن في منطقة مكة، وهو أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر، حتى يكون البيت الحرام ملاذا للناس وأمنًا، وحتى يجد فيها من تضيق به الحياة، ويتعرض لطلب الثأر، الأمن والحماية، ولعل هذا هو السبب في أن تسن قريش الأشهر الحرم في موسم الحج، حتى يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم، هذا فضلا عن حركة إصلاح أخرى قامت بها قريش، مؤداها ألا تقر بمكة ظلما، سواء أكان من أهلها أم من سائر الناس، فعقدت مع قبائلها ومع القبائل الأخرى المجاورة حلفا عرف "بحلف الفضول"، يروي المؤرخون أن قبائل من قريش تداعت إلى حلف، فاجتمع في دار "عبد الله بن جدعان" بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، وتعاهدوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، وإلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم، وعمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة وبعثوا به إلى البيت الحرام، فغسلت به أركانه وشربوه، ومن عجب أن الأمويين وبني عبد شمس قد أبوا على أحد منهم أن يدخل هذا الحلف، وقد روي عن رسول الله -صلى الله وعلى آله وسلم- أنه قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " ١.
ولم تكتف قريش بذلك، وإنما عملت على توفير الماء والطعام للحجيج في منطقة يشح فيها الماء ويقل الطعام، ومن ثم فقد قامت بحفر الآبار في منطقة مكة وأنشأت فيها أماكن للسقاية، ثم أوكلت سقاية الحاج إلى البطون القوية منها، وهكذا غدت سقاية الحاج -بجانب عمارة البيت وسدانته- عملا يراه القوم في قمة مفاخرهم وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ العقاد: المرجع السابق ص١١٣-١١٩، ابن هشام ١/ ١٤٣-١٤٥ "مكتبة الجمهورية بمصر"، المحبر ص١٦٧، المعارف ص٢٩٤، ابن كثير ٢/ ٢٩١-٢٩٣، ابن كثير ٢/ ٤١-٤٢، السيرة الحلبية ١/ ١٥٧، الروض الآنف ١/ ٩١، ثمار القلوب للثعالبي ص١٤١، تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٧، وما بعدها، عبد المنعم ماجد ١/ ٨٣، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص١٣٥ "القاهرة ١٩٧١". ٢ سورة التوبة: آية ١٩، وانظر: تفسير الطبري ١٤/ ١٦٨-١٧٣، تفسير المنار ١٠/ ٢١٥-٢٢٠، الكشاف ٢/ ١٨٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٧٣-٣٧٤، تفسير القرطبي ٨/ ٩١-٩٢، في ظلال القرآن ١٠/ ١٦١٤-١٦١٥، تيسير العلي القدير ٢/ ٢١٦-٢١٧.
[ ٣٧٥ ]
وكان أمر ضيافة الحجيج عملا لا يقل عن سقايتهم، وقد أسندتها قريش إلى الأغنياء من رجالاتها؛ لأن قدوم الحجاج من أماكن بعيدة من شبه الجزيرة العربية، يصعب معه حمل الزاد، ومن ثم فقد كانت الرفادة تكلف أصحابها الكثير من أموالهم، بجانب ما تقدمه قريش لهم، إلا أن هذا الأمر في الوقت نفسه قد أفاد قريشًا كثيرًا، إذ كانت المؤاكلة في نظر العرب، إنما عقد حلف وجوار، فضلا عن أن الضيافة في ذاتها من أكبر ما يحمد الرجل عليه، وهكذا كانت قريش بعملها هذا، وكأنها تعقد حلفا مع كل القبائل العربية، تحمي به تجارتها، وتسبغ على رجالاتها نوعًا من التقدير والاحترام عن العرب، لا يتوفر لغيرهم١.
وخطت قريش خطوة أخرى في اجتذاب القبائل العربية، فنصبت أصنام جميع القبائل عند الكعبة٢، فكان لكل قبيلة أوثانها تأتي في الموسم لزيارتها وتقديم القرابين لها، وهكذا أخذ عدد الأصنام يزداد عند الكعبة بمرور الزمن، حتى جاء وقت زاد عددها على ثلاثمائة، كان منها الكبير ومنها الصغير، ومنها ما هو على هيئة الآدميين أو على هيئة بعض الحيوانات أو النباتات، وإن كان أكبرها جميعًا إنما هو "هبل" الذي جعله القوم على هيئة إنسان من عقيق أحمر٣.
ويبدو أن الأساس الذي قامت عليه مكانة الكعبة، أن البيت الحرام بجملته كان هو المقصود بالقداسة، غير منظور، إلى الأوثان والأصنام التي اشتمل عليها، وربما
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤٥، ابن سعد ١/ ٥٨. ٢ تعرضت الكعبة قبيل الإسلام لعدة سيول في أوقات مختلفة، أدت إلى تصدع جدرانها، مما اضطر القوم إلى هدمها وإعادة بنائها، ويكاد يجمع المؤرخون أن ذلك تم، والمصطفى -ﷺ- في الخامسة والثلاثين من عمره الشريف، فإذا كان ذلك كذلك، وإذا كان المولد النبوي في ٢٠ أبريل ٥٧١م -كما حدده محمود الفلكي- فإن إعادة بناء الكعبة إنما كان في عام ٦٠٦م "انظر: الطبري ٢/ ١٨٧-٢٩٠، ابن كثير ٢/ ٤٢-٤٥، المسعودي ١/ ٢٧١-٢٧٣، ابن كثير ٢/ ٢٩٩-٢٠٤، ياقوت ٤/ ٤٦٦، الأزرقي ١/ ١٥٧-١٦٧، اليعقوبي ١/ ٢٥٤-٢٥٥، العمري ١/ ٦٤، المقدسي ٤/ ١٣٩-١٤٠، ابن هشام ١/ ١٩٢-١٩٩، التقويم العربي قبل الإسلام ص٣٨، تفسير الطبري ٢/ ١٢٢-١٢٣، تاريخ الخميس ص١٢٦-١٣٦، نهاية الأرب ١/ ٢٣٢، مدخل إلى القرآن الكريم ص٢٥-٢٦، وكذا A. GUILLAUME، OP. CIT.، P.٢٣ وكذا I. SHAHID، IN CHI، I، ١٩٧٠، P.٣١ ٣ تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٤-٢٥٥، الروض الأنف ٢/ ٢٧٦، الأزرقي١/ ١٢٠-١٢١، لوبون: حضارة العرب ص١٢٤، تاريخ التمدن الإسلامي ١/ ٣٧، الأصنام ص٢٧-٢٨، وكذا E. GIBBON، OP. CIT.، P.٢٢٥
[ ٣٧٦ ]
اشتمل على الوثن المعظم تقدسه بعض القبائل، وتزدريه قبائل أخرى، فلا يغض ذلك من مكانة البيت عند المعظمين والمزدرين، واختلفت الشعائر والدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه ووثنه، ولم تختلف شعائر البيت -كما يتولاها سدنته المقيمون إلى جواره والمتكلفون بخدمته- فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها بين أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم -من ثم- أن يحكموا بالضلالة على أتباع صنم معلوم، ويعطوا البيت غاية حقه من الرعاية والتقدير١.
وانطلاقًا من هذا كله، فقد كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب، يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، ولا يجتمع منها دين واحد يؤمن به متعبدان على نحو واحد، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف بين عرب الجاهلة بلفظها وجملة معناها، كالصلاة والصوم والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله٢.
وهكذا تمضي الأيام، وتزداد مكانة الكعبة عند العرب، حتى تصبح آخر الأمر المفخرة القومية والحرم الإلهي عندهم، ثم تغدو بعد حين من الدهر، الجوار الوحيد الذي يشعر العرب عنده بشعور العروبة الموحدة، عالية الرأس، غير مستكينة لأجنبي، كائنا من كان، ذلك لأنهم كانوا يحسون أنهم من رعايا الروم في الشام، ومن رعايا الفرس في الحيرة، وأتباع للفرس أو الأحباش في اليمن، ولكنهم هنا، في مكة، عند بيت الله في حرم الله يقدسونه جميعًا؛ لأنه لهم جميعًا يضمهم إليه كما يضم أصنامهم وأوثانهم وأربابهم، يلوذون به ويأوون إليه، فكلهم من معبود أو عابد في حماية الكعبة بيت الله، وشعورهم هنا بأنهم "عرب" لم يماثله شعور قط في أنحاء شبه الجزيرة العربية، وقد أوشك أن يشمل شعب اليمن وجمهرة أقوامه، على الرغم من سادته وحكامه، فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا على الكعبة مكانتها، ويقيموا لها نظيرا في أرضهم، لو كان شعب اليمن منصرفا عنها غير معتز بها كاعتزاز البادية والصحراء٣.
_________________
(١) ١ العقاد: مطلع النور ص١١٥. ٢ العقاد: المرجع السابق ص١١٦. ٣ العقاد: مطلع النور ص٥٦.
[ ٣٧٧ ]
ولعل هذه المكانة الفريدة للكعبة هي التي دفعت بأصحاب القوة في تلك الأيام إلى محاولة هدمها، أو على الأقل انضوائها تحت لوائهم، فعل ذلك "حسان بن عبد كلال" ولكن أمره انتهى بفشل ذريع، وبأن يصبح أسيرا في مكة سنوات ثلاث١، وفعل ذلك أبرهة الحبشي، ولكن الله ﷾: ﴿أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ٢، وفي هذا العصف المأكول كان أبرهة نفسه٣، وقد ناقشنا ذلك كله بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني".
وتمضي السنون، ويغير الرومان بمرور الزمن من سياستهم نحو العرب، ويرون أن الوسائل غير المباشرة ربما كانت أجدى في السيطرة على شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فقد كانوا من وراء حملة أبرهة على مكة، وحين تفشل هذه، ويطرد الأحباش من اليمن، يعملون على تمليك سيد من العرب على مكة يدين بالولاء لهم، ومن ثم فقد ارتضى قيصر أن يكون "عثمان بن الحويرث" ملكًا على مكة من قبله، وإن باءت محاولته هذه بالفشل كذلك٤.
وليس من شك في أن هذه المحاولة السياسية، إنما غرضها غرض تلك المحاولة العسكرية، وأن المحاولتين قد فشلتا، وبقيت مكة -كما أراد الله، ولحكمة لا
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ٢/ ٢٦٢-٢٦٣، الإكليل ٢/ ٣٥٧-٣٥٩، جواد علي ٥٨٤-٥٨٥ ٢ سورة الفيل: آية ٣-٥. ٣ انظر عن حملة الفيل: ابن الأثير ١/ ٤٤٢-٤٤٧، ابن كثير ٢/ ١٧٠-١٧١، تفسير ابن كثير ٨/ ٥٠٣-٥١١، تفسير النيسابوري ٣٠/ ١٦٣، الكشاف ٣/ ٢٨٨، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/ ٣٩٤، في ظلال القرآن ٨/ ٦٦٤-٦٧٥، تفسير روح المعاني ٣٠/ ٢٣٤-٢٣٧، ابن هشام ١/ ٤٨-٦٩، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٢-٢٥٣، صحيح الأخبار ٤/ ٢١-٢٢، مروج الذهب ١/ ١٠٤-١٠٦، تفسير البيضاوي ١/ ٥٧٦، تفسير الطبري ٣٠/ ٣٠٠-٣٠٤، تفسير القرطبي ص٧٢٧٧-٧٢٩٠ "طبعة الشعب" تفسير الرازي ٣٢/ ٩٦-٩٧، دلائل النبوة للأصبهاني ص١٠٠، الأزرقي ١/ ١٤١-١٤٩، ياقوت ٣/ ٥٣-٥٤، ٥/ ١٦١-١٦٣، مطلع النور ص١١٤. ٤ العقاد: المرجع السابق ص١١٤-١١٥، ابن هشام ١/ ٢٢٤، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص١١٨، شمال الحجاز ص٣١، الروض الأنف ١/ ١٤٣٦، الأغاني ٣/ ١١٢، العقد الثمين ١/ ١٥٣، شفاء الغرام ٢/ ١٠٨-١٠٩، جواد علي ٤/ ٣٩-٤٠.
[ ٣٧٨ ]
يعلمها إلا هو -حرما آمنا للعرب وغير العرب، وبذلت قريش في المحاولتين جهدا لإخفاق الواحدة تلو الأخرى، وليس من شك في أن الأولى كانت أشد خطرا، وإن دفعت في الثانية ببعض رجالها، يقضون في سجون القيصر فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق، ثم سرعان ما عادت الأمور إلى سيرتها الأولى١.
وبدهي أن هذه المحاولات -السياسية والعسكرية- إنما تثبت قيام كعبة الحجاز على كره من ذوي السلطان، في الجنوب والشمال، وفي كل الحالات استطاعت الكعبة أن تحتفظ بمكانتها، على الرغم من خلو مكة من العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة بجميع أطرافها، بل لقد استطاعت ذلك لخلوها من تلك العروش، وقيام الأمر فيها على التعميم دون التخصيص، وعلى تمثيل جملة العرب بمأثوراتهم ومعبوداتهم، دون أن يسخرهم المسخرون، أو يستبد فيهم فريق يسخرهم تسخير السادة للأتباع المكرهين على الطاعة وبذل الإتاوة٢.
وهكذا كان المكيون يشعرون بمكانة الكعبة عند العرب عامة، ومن ثم فقد كانوا يرون لأنفسهم ميزة لا يتطاول إليها غيرهم من العرب، لأنها تتصل بكرامة البيت الحرام وحرمته، فهم أولياؤه، وهم سدنته والقائمون بالأمر فيه، يسقون الحجيج ويطعمونهم، ويوفرون لهم الأمن والراحة، ومن ثم فقد نشأ عندهم ما يسمى بنظام "الحمس"٣، ويعنون به ابن البلد، وابن الحرم، والوطني المقيم، والذي ينتمي إلى الكعبة والمقام، فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت، وقطان مكة وساكنيها٤، ومن ثم فقد نادوا بين الناس، "نحن بنو إبراهيم وأهل
_________________
(١) ١ تاريخ ابن خلدون ٢/ ٣٢٧، أحمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص١٦٢-١٦٣، الروض الأنف ١/ ١٤٦، وكذا W. MONTGOMERY WATT، MUHAMMED AT MECCA، OXFORD، ١٩٥٣، P.١٦ ٢ العقاد: مطلع النور ص١١٥. ٣ كانت قريش هي التي ابتدعت نظام الحمس هذا، ثم انضمت إليها كنانة وخزاعة، وربما بنو عامر ابن صعصة من هوازن ثم الأوس والخرزج "انظر ابن هشام ١/ ٢٠١-٢٠٢، تاريخ مكة ص٣٤" ٤ ابن هشام ١/ ١٩٩، المحبر ص١٧٨-١٧٩، شفاء الغرام ٢/ ٤٣، علي حسني الخربوطيلي: الكعبة على مر العصور ص٥٠.
[ ٣٧٩ ]
الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا"١.
وكانوا إذا بلغت الفتاة سن الزواج ألبسوها ما يزينها وخرجوا بها سافرة إلى المطاف ثم أعادوها إلى بيتها لتبقى حبيسة فيه لا تخرج إلا إلى بيت من تزوجها، وهم يريدون بطوافها ذلك عرضها سافرة على أعين الخاطبين، ولعلهم اختاروا المطاف، ليأمنوا في جوار البيت نظرات الفاسقين، هذا وقد كان الحمس يختنون أولادهم ويغتسلون من الجنابة، وقد تباعدوا في المناكح من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، كما كانوا يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثا، وإذا ما تزوجت امرأة منهم بغريب عنهم، اشترطوا أن يكون أبناؤهم منهم.
هذا وقد جعل الحمس لأنفسهم علامة، وهي ألا يعظم الأحمس شيئًا من الحل، أي الأرض التي وراء الحرم، كما يعظم الحرم وقالوا: "إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم"، ولذا فقد تركوا الوقوف بعرفة -لأنه خارج الحرم- والإفاضة منها، مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، وأما هم فقد جعلوا موقفهم في طرف الحرم من "نمرة" يقفون به عشية "عرفة"، ويظلون به يوم عرفة في الإراك من نمرة، ويفيضون منه إلى "المزدلفة"، فإذا عممت الشمس رءوس الجبال دفعوا، وكانوا يقولون: "نحن قطين الله، فأظهروا بذلك تعصبهم لبقعة من الأرض وترفعوا أن يخرجوا عنها، ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج٢، وبقي الأمر كذلك حتى بعث الله محمدا
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٤/ ١٨٨، ابن هشام ١/ ٢٠١، الأزرقي ١/ ١٧٦، محمد الخضري ١/ ٥٦-٥٧، أحمد السباعي: تاريخ مكة ص٣٥. ٢ تفسير الطبري ٤/ ١٨٤-١٩١ "دار المعارف"، صحيح البخاري ٢/ ١٦٣، ٣/ ٤١١-٤١٣، ٨/ ١٣٩، صحيح مسلم ١/ ٣٤٨، ابن كثير ١/ ٢٣٣، ٢٩٣، ابن هشام ١/ ٢٠١-٢٠٢، العقد الثمين ١/ ١٤١، نهاية الأرب ١/ ٢٤٤، المقدسي ٤/ ٣٢، تفسير القرطبي ٢/ ٤٢٧-٤٢٨، الأزرقي ١/ ١٧٦-١٨٠، تاريخ اليعقوبي ١/ ١٥٦، تاريخ مكة ص٣٤-٣٥، محمد الخضري ١/ ٥٧، جواد علي ٦/ ٣٦٢، أحمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص١٨٨، وكذا- EI، II، P.٣٣٥
[ ٣٨٠ ]
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه، وشرع له سنن حجه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ ١.
هذا وقد بلغ من تشدد الحمس أن الرجل منهم إذا ما أحرم بالحج أو العمرة لا يدخل دارا أو حائطا، وقد تعرض له الحاجة فلا يدخل بيته، بل ينقب نقبا في ظهره وينادي بأهله ليخرجوا له ما أراد، وكان بعض منهم إذا أرادوا بعض أطعمتهم وأمتعتهم تسوروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطح، ثم ينزلون في حجراتهم، ويحرمون على أنفسهم أن يمروا تحت عتبة الباب.
وكانوا بعد الإحرام يحرمون على أنفسهم السمن واللبن والزبد ولبس الوبر، كما كانوا لا يدخلون بيتًا من الشعر، ولا يستظلون -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم، فهم إذن يحرمون على أنفسهم أشياء لم تكن العرب تحرمها، كما أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر- وهي علامة الشرف والرياسة- تضرب لهم في الأشهر الحرم، كما فرضوا على العرب ألا يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثيات الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل وامرأة، ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمى تلك الثياب "اللقي"٢، وبقي الأمر كذلك حتى أنزل الله ﷾ قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، ْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية ١٩٩، وانظر: تفسير الطبري ٤/ ١٨٤-١٩٥، تفسير روح المعاني ٢/ ٨٦-٩٠، تفسير الطبرسي ٢/ ١٦٢-١٦٤، الكشاف ١/ ٣٤٩-٣٥٠، تيسير العلي القدير ١/ ١٦٣-١٦٤. ٢ ابن كثير ٢/ ٣٠٥، تفسير الطبري ٤/ ١٨٨-١٨٩، الأزرقي ١/ ١٨٠-١٨٢، ابن هشام ١/ ٢٠٤-٢٠٦، ابن سعد ١/ ٤١، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٧، المقدسي ٤/ ٣٢-٣٣، نهاية الأرب ١/ ٢٤٤، شفاء الغرام ٢/ ٤١-٤٢، ياقوت ٥/ ١٨٤، المعارف ص٢٦٩، صحيح البخاري ٢/ ١٦٣، تاج العروس ٤/ ١٣٢-١٣٣، محمد الخضري ١/ ٥٧، أحمد إبراهيم: المرجع السابق ص١٨٩-١٩٠، العقاد: مطلع النور ص١١٧، وكذا H. LAMMENS، L'ARABIE OCCIDENTALE AVANT L'HEGIRE، BEYROUTH، ١٩٢٨، P.١٣٠
[ ٣٨١ ]
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون َ﴾ ١، فوضع الله تعالى أمر الحمس -وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس- بالإسلام حين بعث الله به رسوله -ﷺ٢.
وكان من مناسك الحمس أن يطوف الحجاج في صفوف وهم يعجون بالأناشيد ويصفرون وكأنهم يتعبدون، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون﴾ ٣، هذا وقد كان الحمس كذلك يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم، حتى سن لهم "الوليد بن المغيرة" خلعها، وكانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة ولا يتمسحن بأصنامها، بل يقفن بعيدًا عنها، وكان الطائف منهم يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يجعل الكعبة على يمينه فيطوف بها، فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن ثم استلم نائلة٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: آية ٣١-٣٢، وانظر: تفسير الطبري ١٢/ ٣٨٩-٣٩٥ "دار المعارف"، تفسير ابن كثير ٣/ ١٦٠-١٦٣ "دار الأندلس"، تفسير الكشاف ٢/ ٧٦. ٢ ابن هشام ١/ ٢٠٦ ٣ سورة الأنفال: آية ٣٥، وانظر: تفسير الطبري ١٣/ ٤٢١-٥٢٨ "دار المعارف ١٩٥٨". ٤ أحمد السباعي: تاريخ مكة ص٣٥-٣٦ "مكة المكرمة ١٣٨٧هـ"، تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٥٤.
[ ٣٨٢ ]