بقيت نقطة أخيرة تتصل بالمدن المعينية، والتي أهمها دون شك "قرناو" العاصمة -وتقع على مبعدة سبعة كيلو مترات ونصف إلى الشرق من قرية الحزم، مركز الحكومة الحالي في الجوف -وقد عرفت "قرناو" كذلك، كما عرفها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان باسم "١Carna Karnna Katna"، وأما الأخباريون، فإن معين -في رأيهم- إنما هي من أبنية "التبابعة"، وأنها حصن بني في نفس الوقت مع "براقش" وبعد "سلحين" الذي بني -فيما يزعمون- في ثمانين عامًا٢.
وأما أهم آثار قرناو فمعبد "رصاف" الذي يقع خارج أسوار المدينة، فضلا عن آثار سكنى في مواضع متفرقة من المدينة، التي يرى البعض أنها ظلت مأهولة بالسكان حتى القرن الثاني عشر الميلادي، ثم بدأت الظروف تتغير، فأخذ سكان المدينة يتناقصون شيئًا فشيئًا حتى تحولت آخر الأمر إلى خرائب٣.
وهناك كذلك المركز الهام "ياثل" "براقش"، والتي بقيت حتى أيام
_________________
(١) ١ Richard، H. Sanger، The Arabian Peninsula، P.٢٣٧ وكذا O'leary، Op. Cit.، P.٩٥ ٢ البكري ١/ ٢٣٧-٢٣٨، ياقوت ١/ ٣٦٤، ٣/ ٢٣٥، ٥/ ١٦٠. ٣ جواد علي ٢/ ١١٦، وكذا. Hermann Von Wissmann Und Maria Hofner، Beitrage Zur Historischen Geographie Des Vorislamischen Sudarabien، Wiesbaden، ١٩٥٣، P.١٤
[ ٢٠٥ ]
الهمداني "٣٣٤هـ=٩٤٥م" فوصف آثارها وخرائبها١، وهي نفسها مدينة "Athiuia=Athruia"- آخر موضع وصلته حملة إليوس جالليوس الروماني على اليمن في عام ٢٤ق. م- وأما سبب التحريف في اسمها، فهو صعوبة لفظية، فيما يرى البعض٢، ولعل اسم المدينة "ياثل" قد أصبح في العربية الفصحى "وثلة"، فقد ذكرها "الفيروزآبادي" في القاموس اسما لقرية، وقال من ناحية أخرى "وذو وثلة قيل" يعني من أقيال اليمن٣.
و"براقش" عند الإخباريين مدينة قديمة جدًّا، كان يسكنها عند ظهور الإسلام "بنو الأوبر من بلحارث بن كعب ومراد"٤، وأما سبب تسميتها ببراقش فموضع خلاف عندهم، فرواية تذهب إلى أنها سميت كذلك نسبة إلى "كلبة" عرفت ببراقش، بينما تجعلها رواية أخرى "امرأة" أسند إليها والدها تصريف أمور الدولة في أثناء غيابه في واحدة من غزواته، فما كان منها إلا أن اهتبلت الفرصة، فبنت مدينتي براقش ومعين تخليدًا لذكراها، إلا أن ذلك قد أغضب والدها الملك، ومن ثم فقد أمر بهدم المدينة، وذهبت رواية ثالثة إلى أنها نسبة إلى براقش امرأة لقمان بن عاد، وهكذا يحاول المؤرخون المسلمون تفسير الأمور ببساطة تدعو إلى العجب، إلا أنه مما لا شك فيه أن المثل المشهور "على نفسها جنت براقش" كان سببًا في هذه التفسيرات المتضاربة٥.
وهناك كذلك مدينة "نشق" "البيضاء" التي استولى عليها السبئيون في أيام "يدع أل بين" مكرب سبأ، وهي نفسها -فيما يرى البعض- "Mesca=Mescus" التي ذكرها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان، وهي "
Aska"- عند سترابو- وقد استولى عليها "إليوس جالليوس" إبان حملته على اليمن٦.
وهناك كذلك "نشان"، "نشن" -وهي الخربة السوداء الحالية- وقد اكتشف
_________________
(١) ١ الإكليل ٨/ ١٣٨، ١٠٤، ١٠٥. ٢ H. Von Wissmann Und M. Hofner، Op. Cit.، P.٣٢ ٣ حسن ظاظا: المرجع السابق ص١٣١. ٤ البكري ١/ ٢٣٨. ٥ الميداني ٢/ ١٤-١٥، اللسان ١/ ٢٦٦، البكري ١/ ٢٣٨، البيان والتبيين للجاحظ ١/ ٢٢٢. ٦ جواد علي ٢/ ١١٨-١١٩، وكذا الإكليل ٨/ ١٢٨. وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٣٢
[ ٢٠٦ ]
هناك ما يشير إلى أن المدينة كانت مركزًا صناعيًّا مهمًّا١، وهناك كذلك موضع "لوق" وهو -فيما يرى جلازر "Labecia" الذي ذكره بليني "٣٢-٧٩م" من بين الأماكن التي استولى عليها "إليوس جالليوس"، بينما هو "لبه" "Labbah" فيما يرى "فون فيسمان"٢.
_________________
(١) ١ الهمداني: صفة جزيرة العرب ص١٦٧، محمد توفيق: آثار معين ص١١، جواد علي ٢/ ١١٨، وكذا وكذا H. Von Wissmann And M، Hofner، Op. Cit.، P.١٦ وكذا Handbuch، I، P.٧٠، ٨٢-٨٣ ٢ جواد علي ٢/ ١١٩ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٥ وكذا Le Museon، ١٩٦٤، ٣-٤، P.٤٣٥
[ ٢٠٧ ]