ينسب الأخباريون العماليق إلى "عمليق بن لوذ بن سام بن نوح"١، وهو شقيق طسم، هذا ويبالغ الأخباريون في أهمية العماليق وسعة انتشارهم بدرجة لا يمكن أن يقبلها منطق أو يقرها عقل، فيجعلونهم أممًا كثيرة تفرقت في البلاد، فكان منهم أهل عمان والحجاز والشام ومصر، فضلا عن أهل المدينة وبنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق وسعد بن هزان، وأهل نجد، وبديل وراحل وغفار هذا، وأخيرًا فقد كان منهم الجبابرة بالشام -وهم الكنعانيون- والفراعين بمصر، والأرقم ملك الحجاز بتيماء٢.
ولا شك في أن الاضطراب إنما يبدو واضحًا في روايات الأخباريين هذه، فضلا عن أثر التوراة الواضح فيها، فهم يرون أن أهل مصر من العماليق٣ -والعماليق، في رأيهم، كجرهم من العرب العاربة-٤، ولكنهم في نفس الوقت يرون أن أهل مصر من أبناء "مصرايم بن حام بن نوح"٥، وتلك في الواقع إنما هي رواية
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ١/ ٢٠٧، الإكليل ٢/ ٤١٠، المعارف ص١٣. ٢ الإكليل ١/ ٧٤-٧٧، تاريخ الطبري ١/ ٢٠٦، نهاية الأرب للقلقشندي ص١٥٠-١٥١، قاموس الكتاب المقدس ٢/ ١١٢، جواد علي ١/ ٣٤٦ وكذا Hastings، Op. Cit.، P.٢٤ وكذا The Jewish Encyclopedia، I، P.٢١٨ وكذا El، I، ٣٢٥ ٣ انظر كتابنا "حركات التحرير في مصر القديمة" القاهرة ١٩٧٨، دار المعارف ص١٣١، ١٣٤، رشيد رضا، تفسير سورة يوسف ص٦٨، تاريخ الطبري ١/ ٣٣٥-٣٣٦، ٣٤٢، ٣٦٣، تفسير القرطبي ص٣٤٢٧ "طبعة الشعب"، ابن كثير: قصص الأنبياء ١/ ٣٠٦، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ١/ ١٠١، ١٤١، ١٦٩، جرجي زيدان: المرجع السابق ص٦٠، وكذا Josephus، Wars Of The Jews، I، P.١٩. ٤ تاريخ الطبري ١/ ٢-٧. ٥ ابن الأثير ١/ ٨١، تاريخ الطبري ١/ ٢٠٦.
[ ١٥٦ ]
التوراة١، وهكذا فإن المصريين -في نظر المؤرخين المسلمين- ساميون وحاميون في نفس الوقت، والأمر كذلك بالنسبة إلى الكنعانيين، فهم من العماليق، وهم في نفس الوقت، أبناء "حام بن نوح"٢، وتلك -مرة أخرى- رواية التوراة٣ وإذا كان الحقد الدفين من يهود ضد المصريين والكنعانيين والبابليين، هو الذي دفع بكتبة التوراة إلى إخراج هذه الشعوب جميعًا من الساميين، وجعلها من أبناء حام، فإن النقل عن يهود -والغفلة كذلك- هي التي دفعت بالمؤرخين الإسلاميين إلى هذا الموقف الخاطئ.
وأما عن الانتشار غير المقبول للعماليق، فلعله في أحسن الأحوال، إنما كان لأن العماليق قبائل بدوية، انتشرت هنا وهناك في عديد من الأماكن بشبه الجزيرة العربية، ثم جاء الأحباريون وجعلوهم سكانا لمناطق لا تقتصر على بلاد العرب وحدها، وإنما شمتل غيرها من المناطق المجاورة.
وأما أصل الكلمة "عماليق" أو عمالقة، فمجهول، وإن غلب على الظن أنهم نحتوه من اسم قبيلة عربية كانت مواطنها بجهة العقبة أو شماليها، ويسميهم البابليون "ماليق" أو "مالوق"، فأضاف إليها اليهود لفظ "عم" أي الشعب أو الأمة، فقالوا "عم ماليق" و"عم مالوق"، ثم جاءت العرب فقالت: "عماليق" أو "عمالقة"، ثم سرعان ما أطلقت الكلمة على طائفة كبيرة من العرب القدامى٤.
ويكاد يتفق الإخباريون على أن العماليق عرب صرحاء، ومن أقدم العرب زمانا، ولسانهم هو اللسان المضري التي نطقت به كل العرب البائدة٥، بل ويذهب الطبري إلى أن عمليقا -وهو أبو العمالقة- كان أول من تكلم العربية حين ظعنوا من بابل، ومن ثم فقد كان يقال لهم -وكذا لجرهم- العرب العاربة٦، ومرة أخرى يظهر أثر التوراة في هذه الرواية، فهي لا تتعارض مع الرواية المشهورة التي
_________________
(١) ١ تكوين ١٠: ٦٠. ٢ تاريخ الطبري ١/ ٢٠٦. ٣ تكوين ١٠: ٦٠. ٣ جرجي زيدان: المرجع السابق ص٤٢-٤٣، ٥ جواد علي ١/ ٣٤٦ وكذا. Ei، I، P.٣٢٥. ٦ تاريخ الطبري ١/ ٢٠٧.
[ ١٥٧ ]
تجعل "يعرب بن قحطان" أول الناطقين بالعربية فحسب، وإنما تجعل السريانية أقدم من العربية، وذلك حين جعلتها لغة الناس جميعًا، غير أن القوم قد انحرفوا إلى عبادة الأوثان، خنوعًا "للنمرود بن كوش بن كنعان بن حام" ملك بابل، وصاحب إبراهيم ﵇، ومن ثم فقد أصبح القوم ذات يوم، وقد بلبل الله ألسنتهم، فلا يفهم الواحد منهم الآخر، إذ "أصبح لبني سام ثمانية عشر لسانًا، ولبني حام ثمانية عشر لسانًا، ولبني يافث سنة وثلاثون لسانًا، ففهم الله العربية عادًا وعبيل وثمود وجديس عمليق وطسم وأميم وبني يقطن بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح"١.
وهكذا فالرواية إذن لا تجعل شرف السبق في النطق بالعربية مقصورًا على "عمليق" وإنما شاركه فيه آخرون، ثم إنها تؤرخ للحادث بعهد "نمرود" صاحب إبراهيم ﵇ وإبراهيم -كما هو معروف- لا يعده الإخباريون من العرب العاربة، فضلا عن أن يكون من أقدم العرب زمانًا،٢، ومن ثم فكل من ذكرهم الإخباريون على أنهم أصحاب السبق في النطق بالعربية، تأتي هذه الرواية فتجعلهم لا ينطقون بها إلا على أيام النمرود، صاحب إبراهيم ﵇ "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م".
وأخيرًا، فالرواية تحريف لرواية توراتية، أراد كاتبها أن يقدم لنا تفسيرًا لاختلاف اللغات والأجناس٣ -كما فعلت الرواية العربية- فقدم لنا تفسيرًا ساذجًا غير علمي، ذهب فيه إلى أن الله ﷾ قد رأى أن سلالة الناجين من الطوفان يبنون برجًا بغية الوصول إليه في علياء سمائه، وكانوا يحسبون السماء أشبه بلوح زجاج يعلو بضع مئات من الأمتار، فخشي شرهم واحتاط لنفسه فهبط الأرض وبلبل ألسنتهم، فتقرقوا شذر مذر، ومن ثم فقد سميت المدينة "بابل"، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ثم بددهم على وجه الأرض٤، أضف
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ١/ ٢٠٧-٢٠٨، البكري ١/ ٢١٩، الأخبار الطوال ص٢، المحبر ص٣٨٢-٣٨٥، أخبار الزمان للمسعودي ص٢٠٤، ٢٠٩، تاريخ الطبري ١/ ٢٨٨-٢٩٠، ابن الأثير ١/ ١١٥، تاريخ الخميس ص٩٥-٩٦. ٢ انظر: الفصل الرابع من كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"، كتابنا "إسرائيل" ص٦٠-٢١٤ ٣ تكوين ١١: ١-٩. ٤ عصام حفني ناصف: محنة التوراة على أيدي ص٤٢ وكذا تكوين ١١: ١-٩ وكذا J. Gray، Near Eastern Mythology، P.١٠٤
[ ١٥٨ ]
إلى ذلك كله، أن الرواية العربية إنما هي متأثرة بروايات تذهب إلى أن الموطن الأصلي للساميين إنما كان في بابل، بل ربما كانت أساسًا لنظريات حديثة تنحو هذا النحو١.
وعلى أي حال، فالعماليق -في نظر التوراة- من أقدم الشعوب التي سكنت جنوب فلسطين، وقد عدهم "بلعام" أول الشعوب٢، ربما لأنهم كانوا أول من اصطدم بالإسرائيليين في أثناء التيه في صحراوات سيناء، ومن ثم فليس صحيحًا ما ذهب إليه البعض -طبقًا لرواية توراتية-٣ من أنهم من سلالة "اليعازر بن عيسو" جد الآدوميين٤، وحفيد إبراهيم، ذلك لأن هناك نصًّا تواراتيًّا آخر يجعلهم يقيمون في جنوب غرب البحر الميت على أيام الخليل إبراهيم٥، وأنهم كانوا على أيام موسى الكليم منتشرين في كل صحراء التيه حتى حدود مصر، وفي معظم سيناء، وجنوب فلسطين، كما كان هناك "جبل العمالقة" في أرض أفرايم٦.
وليس هناك من شك في أن الصدام الحقيقي بين اليهود والعماليق إنما بدأ في المرحلة الأولى من التيه٧، ونقرأ في التوراة أن العمالقة قد هاجموا بني إسرائيل المنهكين عند خروجهم من مصر وأسروا جميع مقاتليهم٨، كما نقرأ كذلك في التوراة٩ أن العماليق قد أتوا لمحاربة بني إسرائيل في "رفيديم"، حيث ضرب موسى الحجر بعصاه، فانبثقت منه اثنتا عشرة عينًا، ويذهب "يوسف بن متى" المؤرخ اليهودي، إلى أن الإسرائيليين حينما وصلوا إلى "رفيديم" كانوا في حالة يرثى لها من العطش، ومن ثم فقد كان هجوم العمالقة عليهم ناجحًا١٠.
وعلى أي حال، فإذا كانت "رفيديم" والتي أطلق الإسرائيليون عليها "مريبة" -وكذا قادش القريبة منها- تقعان حول البتراء، فهما إذن في جوار أرض العماليق
_________________
(١) ١ انظر: مقالنا "الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي مجلة كلية اللغة العربية، العدد الرابع، الرياض ١٩٧٤ ص٢٤٥-٢٧١. ٢ عدد ٢٤: ٢٠. ٣ تكوين ٣٦: ١٢ ٤ قاموس الكتاب المقدس ص٦٣٦ وكذا M.F. Unger، Op. Cit.، P.٤٥ ٥ تكوين ١٤: ٧ ٦ قضاة ١٢: ١٥. ٧ The Jewish Encyclopaedia، I، P.٢١٨ وكذا A. Musil، The Northern Hegae P.٤٦٠ ٨ تثنية ٢٥: ١٧-١٩. ٩ خروج ١٧: ٧-١٦ ١٠ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٣٣، كتابنا "إسرائيل" ص٣١٣، وكذا W.M.F. Petrie، Egypt And Israel، London، ١٩٢٥، P.٤
[ ١٥٩ ]
الذين كانوا يتمكنون في سهولة من أن يهاجموا بني إسرائيل، متنقلين من معسكر إلى آخر، ومن أن يأسروا مقاتليهم١، غير أن العمالقة قد أعانوا أعداء آخرين لبني إسرائيل، حتى بعد استقرارهم في فلسطين، ومن ثم فإننا نقرأ في التوراة٢ أن العمالقة قد اتحدوا مع "عجلون" ملك مؤاب، الذي انتزع منهم مدينة النخل "أريحا"، كما كانوا كذلك حلفاء لأهل مدين وبني المشرق "بني قدم" الذين كانوا يسكنون في سهل يزرعيل، وهكذا استمر العماليق يغزون بني إسرائيل في فلسطين٣، تقول التوراة: "إذا زرع إسرائيل كان يصعد المديانيون والعمالقة وبنو المشرق، ويتلفون غلة الارض إلى مجيئك إلى غزة، ولا يتركون لإسرائيل قوة الحياة، ولا غنمًا ولا بقرًا ولا حميرًا"٤.
وهكذا بدأ الإسرائيليون يفكرون في الانتقام من العماليق، وكان "شاول" "١٠٢٠-١٠٠ق. م"٥ هو أول ملك إسرائيلي يحارب العماليق، ونقرأ في التوراة أن الربَّ أمر شاؤل أن يحارب العماليق ويبيد كل ممتلكاتهم من ثيران وماشية وجمال وحمير٦، ومن هذا نفهم أن العمالقة إنما كانوا يمتلكون عددًا من القرى والديار، وأنهم قد عنوا بحرث الأرض وزراعاتها، فضلا عن تربية الماشية والأنعام٧.
وطبقًا لرواية التوراة٨، فإن شاؤل قد نجح في مهمته، وحقق للإسرائيليين -ولأول مرة- نصرًا على العماليق، كما يفهم من الرواية نفسها أن العمالقة إنما كانوا يسيطرون على طرق القوافل فيما بين جنوب فلسطين وشمال شبه الجزيرة العربية.
_________________
(١) ١ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٣٣. ٢ قضاة ٣: ١٣. ٣ ألويس موسل: المرجع السابق ص٣٣-٣٤. ٤ قضاة ٦: ٣-٤. ٥ انظر عن الخلافات في فترة حكم شاؤل، كتابنا "إسرائيل" ص٣٩٧. ٦ صموئيل أول ١٥: ٣-٩. ٧ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٣٤. ٨ صموئيل أول ١٥: ٧.
[ ١٦٠ ]
وكان هناك طريقان يقعان في أرض العماليق، الواحد عن طريق برزخ السويس، والآخر عن طريق خليج العقبة١، ولما كانت العلاقات التجارية بين مصر وغزة من ناحية، وبين جنوب بلاد العرب من ناحية أخرى، في غاية من الازدهار والنشاط، فقد كانت القوافل التجارية القادمة من غزة إلى العقبة تمر في أرض العماليق، فليس من شك في أنها إنما كانت تعترف بسلطتهم في هذا الجزء من الطريق القادم من غزة متجهًا إلى مصر، والأمر كذلك بالنسبة إلى جزئه الآخر المتجه نحو الجنوب الشرقي، أو أنها على الأقل كانت خاضعة لسلطة العمالقة في هذا الجزء المتاخم لساحل البحر من الطريق٢.
وفي أيام داود ﵇ "١٠٠٠-٩٦٠ق. م"٣ تدق الحرب طبولها من جديد بين بني إسرائيل والعماليق، وطبقًا لرواية التوراة٤ فإن العمالقة قد غزوا بني إسرائيل، "وضربوا صقلع وأحرقوها بالنار وسبوا نساءها"، إلا أن داود قد كتب له نجحًا بعيد المدى في رد الغزاة، وفي استعادة الغنائم منهم، بل وفي استعادة بعض السبايا -ومنهم امرأتيه أخينوعم وأبجايل- كما تمكن قائد "يؤاب" من أن يخرجهم من ديارهم الأولى، وإن ظلت بقية منهم تسكن الجزء الجنوبي من جبل سعير، حتى أتى المهاجرون من قبائل شمعون فاحتلوا ديارهم٥، ومن ثم أصبحنا لا نجد للعمالقة بعد ذلك ذكرًا في النصوص.
بقيت نقطة أخيرة تتصل بعدم ذكر العمالقة في جملة قبائل العرب، وهذا "أولًا" لا يدل على أن العمالقة لم يكونوا عربًا، و"ثانيًا" لأن العبرانيين لم يطلقوا لفظة "عرب" إلا على أعراب البادية، ولا سيما بادية الشام٦، و"ثالثًا" لأن العمالقة من أقدم الشعوب التي اصطدم بها بنو إسرائيل، ومن ثم فقد حملوا لهم حقدًا دفينًا، واليهود -كما معروف- قد تأثروا بعواطفهم نحو الشعوب التي يكتبون عنها، وأخيرًا "رابعًا" فإن العمالقة -في نظر اليهود- أقدم من القحطانيين والعدنايين، سواء بسواء٧.
_________________
(١) ١ M.F. Unger.htm's Bible Dictionary، Chicago، ١٩٧٠، P.٤١ ٢ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٣٥. ٣ انظر: عن الخلافات في فترة حكم داود، كتابنا "إسرائيل" ص٤١٧-٤١٨. ٤ صموئيل أول: ٣٠: ١-٣٠. ٥ أخبار أيام أول: ٤: ٣٣. ٦ A. Hastings، A Dictionary Of The Bible، Edinburgh، ١٩٣٦، P.٧٧ ٧ جواد علي: المرجع السابق ص٣٤٧.
[ ١٦١ ]