لعل من الأمور الغريبة أن المؤرخين الإسلاميين قد انصرفوا عن تدوين التاريخ الجاهلي -ولا سيما القديم منه- وحين فعلوا لم تكن كتاباتهم إلا مقدمات لتواريخهم المفصلة والدقيقة للعصر الإسلامي، وحتى هذه المقدمات لم تكن مفصلة ولا دقيقة١، ذلك لأنهم لم يعتمدوا فيها على سند مدون، أو يأخذوها من نص مكتوب، وإنما كان عمادهم في ذلك أفواه الرجال، وهو أمر لا يمكن الاطمئنان إليه، ذلك أن رواة الأخبار، حتى إن كانوا بعيدين عن الميول والأهواء، وحتى إن كانوا من أصحاب الملكات التي تستطيع التمييز بين الغث والسمين، فإن للذاكرة آمادًا لا تستطيع تجاوزها.
لقد تحدث أهل الأخبار عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم وغيرهم من الأمم البائدة، وتكلموا عن المباني القديمة وعن جن سليمان وأسلحته، ورووا شعرًا ونثرًا نسبوه إلى الأمم المذكورة، وإلى التبابعة، بل نسبوا شعرًا إلى آدم، وزعموا أنه قاله حين حزن على ولده وأسف على فقده، ونسبوا شعرًا إلى إبليس، قالوا أنه نظمه في الرد على شعر آدم المذكور، وأنه أسمعه آدم بصوته دون أن يراه، ورووا أشياء أخرى كثيرة من هذه القبيل يصعب تصديقها مما جعل تاريخهم
_________________
(١) ١ محمد مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص٥.
[ ٤٧ ]
-للأسف- أقرب إلى القصص الشعبي منه إلى التاريخ الصحيح١.
كان مؤرخو العرب يعتمدون في تأريخهم للعصور السابقة على الإسلام على الأدب العربي وعلى بعض آثار اليمن، حيث كان هناك من يزعم -صدقًا أو كذبًا- أنه بمستطيع أن يقرأ خط المسند، هذا إلى جانب اعتمادهم كذلك على بعض كتابات النصارى التي وجدت في الأديرة والكنائس في العراق والشام، وعلى ما تلقفوه من أفواه اليهود في اليمن والحجاز وغيرها٢، ومن أهم هذه الكتابات، كتاب أخبار اليمن لعبيد بن شريه الجرهمي، والذي كتب في أخريات أيام معاوية بن أبي سفيان "٤١/ ٦٠هـ-٦٦١/ ٦٨٠م"، وكتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه "م١١٠/ ٧٢٨" وكتاب الإكليل وصفة جزيرة العرب للهمداني "م٣٤٠/ ٩٥١" وكتاب الأصنان لابن الكلبي "م٢٠٤/ ٨١٩" وكتاب سني ملوك الأرض والأنبياء لحمزة الأصفهاني٣، وكتاب ملوك حمير وأقيال اليمن لنشوان بن سعيد الحميري "م٥٧٣هـ"٤.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المتصفح لما كتبه ابن إسحاق "م١٥٠/ ٧٦٧ أو ١٥١/ ٧٦٨" وابن هشام "م٢١٣/ ٧٢٨ أو ٢١٨/ ٨٣٤" في سيرة النبي ﷺ، وابن قتيبة "م٢٧٦/ ٨٨٩" في "المعارف وفي عيون الأخبار وفي الشعر والشعراء وفي الإمامة والسياسة٥"، والدينوري "م٢٨٢٨/ ٨٩٥" في "الأخبار الطوال" واليعقوبي "م٢٨٤/ ٨٩٧" في "التاريخ الكبير" والطبري "م٣١٠/ ٩٢٣" في "تاريخ الرسل والملوك"، وابن عبد ربه "م٣٢٧/ ٩٣٩" في "العقد الفريد"، والمسعودي "م٣٤٥/ ٩٥٦" في "مروج الذهب وفي التنبيه والإشراف وفي أخبار الزمان" و"ياقوت الحموي" "م ٦٢٦/ ١٢٢٩" في
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٧٣-٥٧، مروج الذهب ١/ ٣٦-٤٧، ٨٤-٨٣، ٢/ ٧٢، الأزرقي ١/ ١٣٤، ابن الأثير ١/ ٣٥٠-٣٥٣، ابن خلدون ٢/ ٥٤، ابن كثير ٢/ ١٦٦، اليعقوبي ٢/ ١٩٨، ملوك حمير وأقيال اليمن ص١٢٢، ١٣٤-١٣٥، ١٥١-١٥٢. ٢ جرجي زيدان: المرجع السابق ص١٥، محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٥. ٣ انظر: سعد زغلول: المرجع السابق ص٣١-٤٨. ٤ انظر مقدمة الكتاب التي كتبها، السيد علي بن إسماعيل المؤيد بن أحمد الجرافي، في طبعة السلفية، القاهرة ١٣٧٨هـ. ٥ انظر عن نسبة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وظلال الشك التي تحوم حوله، مقالة للأستاذ عبد الله عبد الرحيم عسيلان، مجلة كلية اللغة العربية، العدد الثاني، الرياض ١٩٧٢ ص٢٤٧-٢٥٧.
[ ٤٨ ]
"معجم البلدان" وابن الأثير "م٦٣٠/ ١٢٣٣" في "الكامل في التاريخ"، وابن خلدون "م٨١٨/ ١٤٠٦" في المقدمة وفي العبر وديوان المبتدأ والخبر".
إن المتصفح لما كتبه هؤلاء العمد الأفاضل، ليعجب للدقة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام في معظم الحالات، بقدر ما يأسف على الإهمال والخلط الذي صحب كتاباتهم عن عصور ما قبل الإسلام١.
ولعل عذرهم في ذلك أن عصر الاكتشافات الحديثة الذي نعيشه الآن لم يكن قد بدأ بعد، وأن الاعتماد في التأريخ لبلاد العرب قبل الإسلام إنما كان على ما جاء في التوراة، وعلى الأدب العربي القديم، كما أن الأخبار كانت -كما أشرنا من قبل- تتناقل على الألسنة بدون تدوين أو ضبط، وأن الخط العربي كان في أول الأمر غير منقوط، وكذا كانت الكتابة النبطية التي يرجح أن الخط العربي مشتق منها ومتطور عنها، لا تعرف النقط والإعجام٢.
وهكذا لم يكن عندهم ما يميز بين الباء والتاء والثاء، أو بين الجيم والحاء والخاء، أو بين السين والشين، فكانوا مثلا يكتبون "بلقيس" حروفا بلا نقط، فتقرأ "بلفيس أو بلقيس أو نلفيس أو بلفيش إلخ، وقس عليه ما تختلف به قراءتها بنقل النقط واختلاف مواضعها، فوقع بذلك التباس في قراءة الأسماء، وظهر أثره في اختلاف المؤرخين والنسابين في أسماء الأشخاص والقبائل والأماكن٣.
_________________
(١) ١ محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٥-٦، وفيات الأعيان ١/ ٤٥-٤٦، ٤١١-٤١٢، ٤٩٤-٤٩٥، ٦٥١، ٦٨٩-٨٩٠-، الفهرست ص٩٨-٩٩، ١٥٤، معجم الأدباء لياقوت الحموي ٥/ ١٥٣-١٥٤، عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية ١/ ٢٢-٣٢، وكذا. J. Sauvaget، Historiens Arabes، Paris، ١٩٦٤ وكذا D.S Margsliouth، Lectures On Arabic Historians، Calcutta، ١٩٣٠ ٢ خليل يحيى تامي: أصل الخط العربي وتاريخ تطوره إلى ما قبل الإسلام ص٨٧، عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السباق ص٨٩، جرجي زيدان: المرجع السابق ص٨١، فيليب حتى: تاريخ العرب ١/ ١٠٨-١٠٩، عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، القاهرة ١٩٦٦ ص٦١-٧٣، ثم قارن الروايات العربية: كتاب المصاحف للسجستاني ١/ ٥٤-، كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري ثم قارن الروايات العربية: كتاب المصاحف للسجستاني ١/ ٥٤، كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري ص١-٢، الفهرست ص١٢-١٣ حياة اللغة العربية لحفني ناصف ص٣٤، ٥١، كتاب المحكم في نقط المصاحف ص٢٦ "دمشق١٩٦"، فتوح البلدان للبلاذري ص٦٥٩، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٧٧، مقدمة ابن خلدون ص٢٩٣، صبح الأعشى ٣/ ١٠-١١، مصادر الشعر الجاهلي ص٣٣. ٣ جرجي زيدان: المرجع السابق ص١٦، وانظر رواية أخرى تذهب إلى النقط والإعجام، إنما كانا معروفين لدى كتاب العرب في الجاهلية "كشف الظنون ١/ ٤٦٧، المحكم في نقط المصاحف، ص٣٥، حياة اللغة العربية ص٧٠، مصادر الشعر الجاهلي ص٤٠-٤١".
[ ٤٩ ]
ولعل أهم ما في كتب الإخباريين من عيوب، إنما هي "أولًا" تلك المبالغات -إن لم نقل الخرافات- التي أدخلها أهل الأغراض أو الطامعون ممن دخل في الإسلام من اليهود أو المجوس أو النصارى؛ لأن العرب كانوا يستفتونهم فيما غمض عليهم، فيفتونهم بما تعودوه في كتبهم من المبالغة في ضخامة الأجسام وطول الأعمار، فكان العرب يصدقونهم في كثير مما يقولون لأنهم -كما يقول ابن إسحاق- أهل العلم الأول، ولأن التوراة- والتلمود من بعدها- كانت تشتمل على كثير من قصص الأنبياء الكرام، ولكن بإسهاب وتفصيل كثير١، وهكذا تسربت الخرافات إلى كثير من كتب الإخباريين، فمثلا لما ذكر الله ﷾ قصة عاد في القرآن الكريم، فإنه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ ٢. أدخل المفسرون في شرحها وتفسيرها مبالغات رواها أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، فوصل إلينا من أخبارها أن رجالها كانوا طوالا كالنخل، لم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ومتانتها، وأن عادًا تزوج ألف امرأة، وعاش ألف سنة ومائتي سنة، ثم مات بعد أن رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، كما رأى كذلك البطن العاشر من أعقابه، وكان الملك من بعده في الأكبر من ولده،، وهو "شديد" الذي حكم ٥٨٠ سنة، ثم خلفه أخوه "شديد" حيث حكم ٩٠٠ سنة، سيطر فيها على ممالك العالم، وبنى مدينة "إرم ذات العماد"٣ "الأمر الذي أشرنا إليه في المقدمة".
وهنا "ثانيًا" ما تابع العرب فيه اليهود، وأعني رد كل أمة إلى أب من آباء التوراة، حتى المغول والترك والفرس، فمثلا ردوا نسب الفرس إلى "فارس بن ياسور بن سام" وقس على هذا تعليل أسماء البلاد، وردها إلى أسماء من
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة ابن خلدون ص٤٣٩-٤٤٠، تفسير الطبري ٦/ ٩-١٠، ١٧/ ١٠، ٢٧/ ٢٣، تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢، معجم الأدباء١٨/ ٨. ٢ سورة الفجر: آية ٦-٨، وانظر: تفسير البيضاوي ٢/ ٥٥٧، تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٤-٤٧ "دار الكتب المصرية ١٩٥٠" تفسير الطبري ٣٠/ ١٧٥-١٨٠، تفسير الفخر الرازي ٣٠/ ١٦٦-١٦٩. ٣ مروج الذهب ٢/ ١٢-١٣، جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي ٣/ ٦٥، محمد مبروك نافع، المرجع السابق ص٣٤.
[ ٥٠ ]
يظنون أنهم مؤسسوها، بما يشبه قول يهود، فمثلا "مصر" إنما بناها "مصرايم" وآشور بناها أشور، ومن هذا القبيل كذلك قولهم "يعرب" لمن تكلم بالعربية، وأن "سبأ" إنما سميت كذلك لتفرقها أو لكثرة السبي، وهكذا١.
وهناك "ثالثًا" اختلاف الإخباريين في الأنساب، حتى أنهم لم يتفقوا إلا في القليل من أسماء الملوك والأمراء، وإن كان الأمر جد مختلف بالنسبة إلى قريش، وهناك "رابعًا" أن العرب كانت تتصرف في الأسماء غير العربية، بتبديل حروفها وتغييرها، ومن ذلك اختلافهم في ذي القرنين بين أن يكون "الصعب بن مداثر" من ملوك اليمن، أو أن يكون الإسكندر المقدوني٢، وقريب من هذا ما فعلوه بملوك مصر على أيام الفراعين، فملك مصر على أيام يوسف، ﵇، إنما هو "الريان بن الوليد بن الهروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح" وأن فرعون موسى ﵇، إنما هو "قابوس بن مصعب بن معاوية" صاحب يوسف الثاني، وكانت إمرأته "آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد" فرعون يوسف الأول، وأنها من بني إسرائيل على ما يرى بعض الرواة٣.
ولست أدري -علم الله- من أين جاء المؤرخون الإسلاميون بهذه الأخبار، والتوراة -على فرض أنهم نقلوها عن يهود- لم تذكر هذه الأسماء أبدًا، والأمر كذلك بالنسبة إلى القرآن الكريم، فضلا عن أن الفراعين المصريين -كما نعرف
_________________
(١) ١ المسعودي: مروج الذهب ١/ ١٤٩-١٥٠، ٢٦٠-٢٦١، جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص١٥. ٢ جرجي زيدان، المرجع السابق ص١٨، ثم قارن: ملوك حمير وأقيال اليمن ص١١٤ "المطبعة السلفية، القاهرة ٣٧٨هـ". ٣ عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم ابن الأثير، الكامل في التاريخ، الجزء الأول، بيروت ١٩٦٥ ص١٤٥، ١٦٩، تفسير القرطبي ص٣٤٢٧ "طبعة دار الشعب"، محمد رشيد رضا، تفسير سورة يوسف، ص٦٨، الطبري،: تاريخ الرسل والملوك "١/ ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٤٢، ٣٦٣، ابن كثير: البداية والنهاية ١/ ٢٣٩، تاريخ ابن خلدون ١/ ٧٥-٧٦، مروج الذهب ١/ ٦١، سعد زغلول: المرجع السابق ص١٠٤. ثم انظر عن ملوك مصر الفرعونية -طبقًا للروايات العربية- كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق الدكتور سعد زغلول "ط جامعة الإسكندرية ١٩٥٨"، مروج الذهب "١/ ٣٩٦-٣٩٩، ابن خلدون ٢/ ٧٤٠٧٦، سعد زغلول عبد الحميد: في تاريخ العرب قبل الإسلام ص١٠١-١٠٦.
[ ٥١ ]
من أسمائهم -ليس من بينهم من يحمل هذه الأسماء، ولكنه الخلط وادعاء العلم، أضف إلى ذلك بأن الزعم بأن فرعون موسى، هو صاحب يوسف الثاني أمر غير مقبول، فمن المعروف تاريخيًّا أن الفترة ما بين دخول بني إسرائيل مصر على أيام الصديق، وخروجهم منها على أيام الكليم، ﵉، حوالي ٤٣٠ سنة١، فهل حكم هذا الملك المزعوم "قابوس بن مصعب" هذه القرون الأربعة، والتاريخ يحدثنا أن مصر لم تعرف الحكم الطويل لملوكها "إذا استثنينا ببي الثاني، وقد حكم ٩٤ سنة، ورعمسيس الثاني، وقد حكم ٦٧ سنة"، وفرق كبير بين حكم يقرب من القرن من الزمان، وحكم يقارب قرونًا أربعة، والأعجب من ذلك أن يجعل بعض المؤرخين الإسلاميين "آسية إمراة فرعون" حفيدة الريان مرة، ومن بني إسرائيل مرة أخرى.
وهكذا يبدو بوضوح، أن الخلط من ناحية، والإسرائيليات من ناحية أخرى، قد لعبا دورًا كبيرًا في مسخ بعض هذا التاريخ الذي كتبه المؤرخون الإسلاميون عن العصور التي سبقت الإسلام بآماد طويلة.
ورغم ذلك كله -والحق يقال- فإن المؤرخين الإسلاميين قدموا لنا الكثير من المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها في التأريخ لعصور ما قبل الإسلام، وأن كثيرًا منهم قد انتقدوا تلك المبالغات التي جاءت فيما كتب البعض منهم، كما أنه كثيرًا منهم كذلك قد نبهوا إلى الإسرائيليات والنصرانيات التي تسللت إلى التاريخ العربي القديم.
_________________
(١) ١ التوراة: سفر الخروج ١٢: ٤٠-٤١، ثم انظر عن دخول بني إسرائيل مصر وخروجهم منها، كتابنا "إسرائيل" ص٢٢٥-٣٢٩.
[ ٥٢ ]