تحدث القرآن الكريم عن أهل مدين، وعن نبيهم الكريم شعيب عليه السلام١، في مواطن متفرقة من سوره٢، ووفقا لما جاء في القرآن الكريم، فإن شعيبًا أتى مدين وأصحاب الأيكة، فنهاهم عن عبادة الأوثان، كما أمرهم أن يقيموا الوزن بالقسط ولا يخسروا الميزان٣؛ ذلك لأن آفة مدين إنما كانت آفة كل المدن على مدرجة الطريق، ومن ثم فقد كانت قصتهم في القرآن قصة التجارة المحتكرة، والعبث بالكيل والميزان وبخس الأسعار والتربص بكل منهج من مناهج الطرق، وهكذا كانت رسالة شعيب ﵇، رسالة خلاص من شرور الاحتكار والخداع في البيئة التي تعرضت لها بحكم موقعها من طرق التجارة والمرافق المتبادلة بين الأمم٤.
وقد كان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون مدينتهم "مدين" التي هي قرية من أرض معان في أطراف الشام مما يلي الحجاز، قريبًا من بحيرة قوم لوط٥، هذا وقد
_________________
(١) ١ قدم المؤلف دراسة مفصلة عن "المديانيين" في كتابه "دراسات في التاريخ القرآني شغلت كل "الفصل الثامن" من الجزء الأول، من هذا الكتاب. ٢ انظر: سورة الأعراف والتوبة وهود والحجر والحج والشعراء والقصص والعنكبوت وق وغيرها. ٣ انظر: سورة الأعراف "٨٥" وهود "٨٤-٨٥" والشعراء "١٨١-١٨٣". ٤ عباس العقاد: مطلع النور ص٩٣-٩٤، تفسير المعاني ٨/ ١٧٦، ١٧٧، تفسير المنار ٨/ ٥٢٥-٥٢٦، تفسير الطبري ١٢/ ٥٥٤-٥٥٥. ٥ ابن كثير ١/ ١٨٤-١٨٥، ياقوت ٥/ ٧٧-٨٧، ١٥٣-١٥٤، تفسير المنار ٨/ ٥٢٤.
[ ١٧٠ ]
كانت مدين هذه إنما تمتد من خليج العقبة إلى مؤاب وطور سيناء١.
ويفهم من أسفار التوراة أن مواطن المديانيين إنما كانت تقع إلى الشرق من العبرانيين، ويبدو أنهم قد توغلوا في المناطق الجنوبية لفلسطين، متخذين منها مواطن جديدة، عاشوا فيها أمدًا طويلا، حيث يرد ذكرهم في الأخبار المتأخرة، وقد ذكر بطليموس الجغرافي موضعًا يقال له "مودينا" على ساحل البحر الأحمر، يرى العلماء أنه موضع مدين، وأنه يتفق وحدود مدين المعروفة في الكتب العربية٢:
وأما "يوسبيوس" فيذكر مدينة "مديم" ويقول أنها سميت باسم أحد أولاد إبراهيم من زوجه قطوره، وهي تقع وراء المقاطعة العربية في الجنوب في بادية العرب الرحل إلى الشرق من البحر الأحمر٣، وأما "ألويس موسل" فيذهب إلى أن أرض مدين يجب أن تكون إلى الشرق والجنوب الشرقي من مكان العقبة الحالية، فهناك كان يمر أهم طريق من طرق النقل التجاري٤، هذا ويظهر من التوراة أن المدينيين قد غيروا مواضعهم مرارًا بدليل ما يرد فيها من اختلاطهم ببني قدم والعمالقة والكوشيين والإسماعيليين، ويبدو أنهم استقروا في القرون الأخيرة قبل الميلاد في جنوب وادي العربة، وإلى الشرق والجنوب الشرقي من العقبة٥.
ويرجح بعض الباحثين أن عصر شعيب إنما كان قبل عصر موسى، معتمدين في ذلك على أن الله ﷾ قد ذكر شعيبًا في القرآن الكريم -كما في سورة الأعراف ويونس وهود والحج والعنكبوت- بعد نوح وهود وصالح ولوط، وقبل موسى٦، وإذا ما عدنا إلى عصر الخليل ﵇ "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"،
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس ٢/ ٨٥٠. ٢ جواد علي ١/ ٤٥٥ وكذا J. Hastings، Op. Cit.، P.٦١٦ وكذا T.K. Cheyne، Op. Cit.، P.٣٠٨١ وكذا Ptolemy، Geography، Vi، ٧، ٢٧. وكذا El، ٣، P.١٠٤، ٣ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٦٩. ٤ نفس المرجع السابق ص٨٣-٨٤. ٥ تكوين ٢٥: ٦، ٣٧: ٢٥، عدد ١٢، ١، حبقوق ٣: ٧ وكذا A. Musil، Op. Cit.، P.٢٨٧، ٦ عبد الوهاب النجار قصص الأنبياء ص١٤٩.
[ ١٧١ ]
وتذكرنا أن لوطًا وقومه إنما كانوا معاصرين لأبي الأنبياء، لأمكننا القول أن شعيبًا وقومه إنما كانوا يعيشون بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد، بخاصة وأن التوراة تذكر أن مدين إنما كان من ولد الخليل من زوجه قطوره الكنعانية١.
على أننا نستطيع من ناحية أخرى أن نقول -حدسًا عن غير يقين- أن القوم إنما كانوا يعيشون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذا ما كان صحيحًا ما ذهب إليه البعض من أن يثرون كاهن مدين وصهر موسى، إنما هو شعيب نبي مدين العربي، وذلك لأن رحلة الخروج من مصر، تحت قيادة موسى -وكذا لقائه مع صهره كاهن مدين -إنما كانت في هذا القرن الثالث ق. م٢.
_________________
(١) ١ انظر: سورة الحجر "٥١-٧٧" والعنكبوت "٢٦-٣٥" والذاريات "٢٤-٣٧"، وانظر: تكوين ١٤: ١-٢٤، ١٨: ١-٣٣، ٢٥: ١-٢، أخبار أيام أول ١/ ٣٢. ٢ ياقوت ٥/ ٧٧-٧٨، والبكري ٤/ ١٢٠١ مروج الذهب ١/ ٦١، تاريخ ابن خلدون ٢/ ٤٣، ٨٢، العقاد: الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين ص٨٠؛ كتابنا "إسرائيل" ص٢٨-٣٠٣.
[ ١٧٢ ]