إن عصر الطوائف من بين عصور التاريخ الأندلسي، أكثرها تشعبًا وأوفرها تباينًا واضطرابًا، لا تكاد تجمع بين وحداته المتناثرة جامعة مشتركة، ولكل وحدة منها ظروفها وسيرتها الخاصة، ومن ثم كانت الإحاطة بأحداث هذا العصر، وتنسيقها وربط حلقاتها، واستخراج خواصها، من أشق المهام التاريخية.
وهذا المجلد من " دولة الإسلام في الأندلس " يتضمن تاريخ هذا العصر المضطرب - عصر الطوائف -، وهو يكون " العصر الثاني " من تاريخ الأندلس. وإنه ليسعدني أن أضعه اليوم بين أيدي القراء، بعد هذه الأعوام العديدة، التي انقضت منذ ظهور العصر الأول. على أن هذه الأعوام لم تذهب بحمد الله سدى، فقد أخرج خلالها العصر الرابع والأخير من " دولة الإسلام في الأندلس " باسم " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين "، ولم يبق علينا لاستكمال هذه الموسوعة من التاريخ الأندلسي إلا أن ننجز العصر الثالث منها، وهو المتضمن " تاريخ الأندلس في عصر المرابطين والموحدين ".
ويشغل عصر الطوائف من تاريخ اسبانيا المسلمة زهاء سبعين أو ثمانين عامًا، منذ انهيار الخلافة الأندلسية، على إثر انهيار الدولة العامرية (سنة ٣٩٩ هـ - ١٠٠٩ م) وتفكك الدولة الأندلسية الكبرى، وانقسامها إلى وحدات متعددة، تقوم في كل وحدة منها دولة أو مملكة من ممالك "الطوائف"، تزعم لنفسها الاستقلال والرياسة المطلقة، ولا تربطها بجاراتها أو زميلاتها، أية رابطة، إلا أن تكون المنافسة، أو الحرب الأهلية في سبيل الغنم والتوسع. وهذا البحر الخضم من المنافسات والمنازعات والحروب الأهلية الإنتحارية، هو قوام عصر الطوائف.
وقد مضينا في تتبع أحداث هذه الحقبة المؤلمة من تاريخ الأندلس، حتى مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة، استجابة لصريخ الطوائف، ونصرة للأندلس، وإنقاذًا لها من خطر الفناء الداهم، الذي لاح لها قويًا منذرًا، ولاسيما بعد سقوط
[ ٢ / ٣ ]
طليطلة في أيدي النصارى، ثم تحول حملات الإنقاذ المرابطية بعد ذلك إلى حملات غازية، واستيلاء المرابطين على الأندلس تباعًا، وضمها إلى الإمبراطورية المغربية الكبرى، وذلك فيما بين سنتي ٤٨٣ - ٥٠٢ هـ (١٠٩٠ - ١١٠٨ م).
وقد راعينا في كتابة تاريخ هذا العصر، أن نتناول ممالك الطوائف، كل على حدتها، وأن نستكمل سيرتها منذ قيامها حتى مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة، ثم سقوطها في أيديهم، ورأينا أن هذه الطريقة تحقق من الدقة والوضوح والاستيعاب، ما لا يحققه الأسلوب المشترك، الذي سار على نهجه بعض الكتاب الغربيين.
وقد اقتضت هذه الطريقة، في بعض الأحيان، شيئًا من التكرار، في هذا الفصل أو ذاك، ولكنه تكرار بسيط وغير ممل، فضلا عن ضرورته لاستكمال السياق.
وأود أن أذكر هنا أنني قد زرت سائر قواعد الطوائف ومدنها، خلال رحلاتي المتوالية في شبه الجزيرة الإسبانية، ودرست مواقعها وخواصها ومواصلاتها.
وقد كان لهذه الدراسة الإقليمية، أكبر الأثر في تيسير فهم طبيعة الحروب الأهلية التي كانت تقوم بين ممالك الطوائف، ودوافعها الجغرافية، وتحديد مواقعها، وكذلك في تيسير مهمة الكتابة عنها، واستيعاب بواعثها وتفاصيلها.
وقد رجعت في كتابة هذا القسم من تاريخ الأندلس إلى مادة غزيرة منوعة.
ومن حسن الحظ أن قد انتهت إلينا من كتابات المعاصرين عدة آثار هامة، في مقدمتها تاريخ ابن حيان معاصر فتنة الطوائف ومؤرخها قبل كل شىء؛ وإذا لم يكن هذا التاريخ قد وصل إلينا كله بالذات، فإن ما نقل إلينا منه عن طريق الكتاب اللاحقين، ولاسيما ابن بسام وابن عذاري يحمل إلينا منه مادة قيمة. وكذلك الفيلسوف ابن حزم، وهو مثل ابن حيان معاصر للفتنة، ومتتبع لأدوارها، ودارس لظواهرها وتطوراتها، وقد انتهت إلينا منه نبذ تاريخية، وملاحظات نقدية عديدة عن خواص عصر الطوائف، تمتاز بدقتها وعميق نظراتها. ويلحق بهذين الكاتبين المعاصرين اثنان آخران عاشا في أواخر عصر الطوائف، وشهدا خواتيمه، هما ابن بسام الشنتريني، والفتح بن خاقان. ويقدم لنا ابن بسام في مؤلفه الجامع "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"، فضلا عما ينقله إلينا من الشذور التاريخية العديدة عن ابن حيان وغيره، وما يقدمه إلينا من نبذ تاريخية بقلمه، أروع صور لتاريخ عصر الطوائف الأدبي والاجتماعي، ومجموعة حافلة
[ ٢ / ٤ ]
من تراجم أمرائه وأعيانه ووزرائه وكتابه وشعرائه، ومختارات عديدة من رسائلهم، ومنثورهم ومنظومهم. وقد كان كتاب "الذخيرة" سواء بما نشر منه، أو بأجزائه المخطوطة، من أقيم مصادرنا وأغزرها، ولا سيما قسمه الثالث، وهو المتعلق "بالجانب الشرقي من جزيرة الأندلس". قد رجعنا في هذا القسم - وهو ما يزال مخطوطًا - إلى نسخته المحفوظة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة جاينجوس). أما الفتح بن خاقان، فيقدم لنا في كتابه "قلائد العقيان" تراجم طائفة كبيرة من أمراء عصر الطوائف ووزرائه وفقهائه، وهو يقدمها إلينا في أسلوب مسجع متكلف، بيد أنه ينطوي من آن لآخر، على بعض المعلومات والحقائق التاريخية؛ كما يقدم إلينا في كتابه "المطمح" بعض تراجم أخرى من تراجم رجالات الطوائف.
ونكتفي فيما يتعلق بالمصادر، بهذه الإشارة إلى المصادر المعاصرة. وأما المصادر العديدة الأخرى، التي رجعنا إليها، من عربية وأجنبية، ومن مخطوطة ومطبوعة، فقد سجلناها في أماكنها، ثم أثبتناها مجتمعة في نهاية الكتاب. ونود أن نشير بهذه المناسبة إلى أنه قد أتيح لنا خلال بحوثنا بمكتبة الإسكوريال، أن نراجع بعض المصادر المخطوطة، وفي مقدمتها كتاب الحلة السيراء لابن الأبار، وقد راجعنا فيه سائر التراجم المخطوطة التي حذفها دوزي من النسخة المطبوعة، وضمنها مصنفه عن بني عباد Historia Abbadidarum، كما أتيح لنا أن نقف على بعض النصوص والوئائق الهامة، وذلك بالأخص في مجموعتين مخطوطتين، تحمل أولاهما رقم ٤٨٨ الغزيري، وهي مجموعة ناقصة من أولها وليس لها عنوان معين، والثانية رقم ٥٣٨ الغزيري وعنوانها "مجموعة رسائل تاريخية وأدبية".
وقد انتفعنا بالأخص في المجموعة الأولى بعدة رسائل مرابطية هامة وردت بها، وفي مقدمتها رسالة يوسف بن تاشفين عن موقعة الزلاّقة، وكذلك بعض رسائل أخرى تتعلق بالطوائف، وبها تصحيحات لبعض الوقائع والحوادث التاريخية.
وقد أثبتنا بعض هذه الرسائل في نهاية الكتاب في باب الوثائق.
وقد عنيت وفقًا لما سرت عليه في العصر الأول من " دولة الإسلام في الأندلس " بكتابة تاريخ اسبانيا النصرانية، خصوصًا وقد اجتازت في عصر الطوائف، عدة تطورات هامة، وشغلت مركز الصدارة والغلبة، وبدأت تنفذ
[ ٢ / ٥ ]
سياسة " الإسترداد " La Reconquista بقوة، ولاسيما بعد استيلائها على مدينة طليطلة. أولى القواعد الأندلسية العظيمة الذاهبة.
كما عنيت بأن أثبت بعض الخرائط التاريخية الموضحة للتطورات الجغرافية، التي جازتها شبه الجزيرة الإسبانية في عصر الطوائف، وخريطة للإمبراطورية المرابطية الكبرى بعد افتتاح الأندلس.
وإني لأرجو وأنا أقدم إلى قراء العربية هذا العصر الجديد من " دولة الإسلام في الأندلس ". أن يتاح لى أن أنجز بعون الله في المستقبل القريب. عصره الثالث، وهو عصر المرابطين والموحدين، وبذلك تكمل هذه الموسوعة التاريخية الأندلسية بسائر عصورها (١).
القاهرة في ربيع الأول سنة ١٣٨٠
الموافق سبتمبر سنة ١٩٦٠
محمد عبد الله عنان
_________________
(١) وقد ظهر كتاب " عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس " بالفعل في مجلدين كبيرين (سنة ١٩٦٥)، وبذلك تمت الموسوعة الأندلسية بسائر عصورها.
[ ٢ / ٦ ]