الإمارات البربرية في الجنوب. خواصها وتكتلها. إمارة قرمونة. بنو برزال وجوازهم إلى ْالأندلس. ولاية عبد الله البرزالي لقرمونة. استبداده بها. حكمه وسيرته. التحالف بين البرزالي وابن عباد. انقلاب ابن عباد عليه. الحرب بين ابن عباد والبربر. وفاة البرزالي وولاية ولده إسحاق. ولاية عزيز المستظهر. إرهاق ابن عباد له. نزوله عن قرمونة لابن ذى النون. نزول ابن ذى النون عنها إلى ابن عباد. بنو يفرن وجوازهم إلى الأندلس. نزولهم أيام الفتنة برندة. زعيمهم أبو نور هلال. مصانعة ابن عباد للبربر ثم غدره بهم. باديس ولد أبي النور. عود أبي النور إلى رندة ووفاته. ولده أبو نصر فتوح ومصرعه. استيلاء ابن عباد على رندة. بنو دمر وهجرتهم إلى الأندلس. نزولهم بمورور. أبو تزيري الدمري وولده نوح. محمد بن نوح ومصرعه في كمين ابن عباد. ولده مناد يخلفه. غارات المعتمد على مورور. إذعان مناد ونزوله عنها إلى ابن عباد. بنو خزرون وتغلبهم على أركش. محمد بن خزرون وخلفاؤه. غارات ابن عباد على أركش. تخلي بني خزرون عنها وخروجهم منها. مداهمة ابن عباد لهم. استيلاء ابن عباد على أركش وأراضيها. انتهاء الدول البربرية في تلك المنطقة.
إلى جانب دولة بني مناد أو بني زيري في غرناطة، كانت تقوم ثمة عدة إمارات بربرية أخرى في هذه المنطقة الجنوبية من الأندلس، منطقة المثلث الإسباني الواقع جنوب نهر الوادي الكبير، والممتد من غربي مملكة غرناطة شرقًا، حتى مصب الوادي الكبير غربًا، ومن الوادي الكبير شمالا، حتى ثغر مربلة وأرض الفرنتيرة جنوبًا.
ومن الواضح أن اجتماع هذه الممالك البربرية الصغيرة في هذه المنطقة، يرجع إلى عوامل جغرافية وعسكرية. ذلك أن المثلث الإسباني هو أقرب مناطق شبه الجزيرة إلى المغرب، بحيث تغدو مغادرة الأندلس وقت الخطر أو عند الضرورة أمرًا ميسورًا، وكذلك تستطيع الأمداد من أقوامها أن تعبر البحر من المغرب إلى الأندلس بسرعة وسهولة. ومن جهة أخرى فإن اجتماع هذه الإمارات في هذه المنطقة جنبًا إلى جنب، كان يحمل معنى التكتل القَبَلي أو العنصري بصورة واضحة، ويمكنها وقت الخطر من توحيد الصفوف، والتعاون على رد العدو
[ ٢ / ١٤٧ ]
المهاجم. وهذا ما رأينا ينطبق بصورة عملية في المعارك التي لبثت طوال أيام الطوائف، تضطرم في هذه المنطقة بين البربر وبين خصومهم الألداء بني عباد، وهم أقوى الممالك الأندلسية المناهضة لهم في معظم النواحي.
وقد قامت هذه الممالك البربرية الصغيرة إلى جانب شقيقتها الكبرى، دولة بني مناد في غرناطة، وفي مثل الظروف التي قامت فيها، وكانت مملكة غرناطة تتولى حمايتها والدفاع عنها كلما دهمها خطر بني عباد، وكانت هي تلتف في نفس الوقت حول غرناطة، كلما دعت إلى ذلك ضرورة سياسية أو عسكرية.
ولم تكن هذه الإمارات البربرية تملك مقومات الدولة الراسخة المستقرة، ولكنها كانت في الواقع أقرب إلى سيادة العصبة القبلية، أو رياسة الأسرة ذات البأس والجاه، ولم يكن في حكومات أو جيوش منظمة بالمدى الصحيح، وإنما كانت تستند في سلطانها إلى حشود القبيلة أو الأسرة المسيطرة، وكانت تجري في الحكم على قاعدة الإستبداد المطلق، وأصول العرف البدوي الساذج، ومن ثم فإنها لم تكن محبوبة من رعاياها الأندلسيين. الذين عرفوا منذ بعيد مزايا الحكم المنظم، ورفاهة العيش المتحضر.
وكانت ثمة من هذه الإمارات - غير مملكة غرناطة - أربع تقوم من حولها وهي إمارة قرمونة، وإمارة رندة، وإمارة مورور، وإمارة شذونة وأركش.
١ - دولة بني برزال في قرمونة
وكان أهم هذه الإمارات، إمارة قرمونة الواقعة في منحنى الوادي الكبير، بين إمارة قرطبة شرقًا، ومملكة إشبيلية غربًا، وقاعدتها مدينة قرمونة الحصينة الواقعة شمال شرقي إشبيلية. وكانت تشمل غير قرمونة، مدينة إستجة الواقعة في شرقها. ومدينة المدَوّر الواقعة غربي قرطبة على نهر الوادي الكبير.
وكانت مدينة قرمونة منذ أيام هشام المؤيد، وقبل انهيار الدولة العامرية، ييد حاكمها الحاجب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن برزال المعروف بأبى عبد الله البرزالي، وكان بنو برزال هؤلاء ينتمون إلى بطن من بطون زناتة من بني يفرن، وكانوا يقطنون بالمغرب بأرض المسيلة والزاب الأسفل. ونحن نعرف أن زناتة كانت أيام الدولة الأموية من القبائل المشايعة لها بالمغرب ضد خصومها الشيعة العبيديين أو الفاطميين، وكان من خصوم الشيعة في نفس الوقت جعفر ويحيى
[ ٢ / ١٤٨ ]
ابنا علي بن حمدون الأندلسي، صاحب المسيلة وما جاورها من أراضي المغرب الأوسط. فلما اضطرمت الحرب بين بني زيري زعماء صنهاجة وأولياء العبيديين.
وبين زناتة وحلفائها، ومنهم جعفر ويحيى ابنا حمدون، في أواخر أيام الحكم المستنصر، وهزمت صنهاجة وقتل كبيرهم زيري بن مناد (سنة ٣٦٠ هـ)، هاجر جعفر ويحيى في الأهل والصحب والمال إلى الأندلس، خوفًا من انتقام صنهاجة، وخدما الحكم المستنصر، وحظيا في دولته، وذلك حسبما ذكرنا من قبل في أخبار الحكم.
ولما استطالت صنهاجة على المغرب الأوسط، شعر بنو برزال الزناتيين باشتداد وطأتها، فكتبوا إلى جعفر بن علي الأندلسي، أن يسعى في جوازهم إلى الأندلس لدى الخليفة الحكم، فعمل جعفر على تحقيق رغبتهم، ووصفهم لدى الحكم بالشجاعة والإنقياد إلى الطاعة، فأذن لهم بالجواز، وانتظموا في خدمة الجيش تحت يد جعفر، واستمروا كذلك أيام الحكم ثم المنصور، حتى ندب كبيرهم الحاجب أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن برزال أو البرزالي لحكم مدينة قرمونة في أواخر الدولة العامرية، واستقر أهله وصحبه هنالك في كنفه، إلى أن وقعت الفتنة، فخاض بنو برزال غمارها إلى جانب أضرابهم من البطون البربرية الأخرى، ولما انتثر عقد الأندلس، واحتفظ كل رئيس بمدينته، دعا أبو عبد الله لنفسه في قرمونة، وذلك في سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م)، واستبد بحكمها، وضبط شئونها، ورتب جندها (١). وفي بعض الروايات المتعلقة بالطوائف أن أبا عبد الله سار في حكمه سيرة حسنة، وعامل الرعية بالرفق والعدل فمالت إليه النفوس، وعمرت قرمونة، وسادها الأمن، وبايعته مدينة إستجة ثم أشونة والمدور وغيرها من البلاد (٢)، وغدت قرمونة بذلك إمارة لها خطرها وأهميتها في تلك المنطقة، وغدت بعد غرناطة، ثاني الإمارات البربرية.
ولكن ابن حيان، وهو المؤرخ المعاصر، يحمل على أبى عبد الله البرزالي ويصفه " بقطب رحي الفتنة " وينوه بفتكه وعيثه، وقبح آثاره في تلك المنطقة،
_________________
(١) البيان المغرب ج ٣ ص ٢٦٧ و٢٦٨: ونبذ تاريخية في أخبار البربر (الرباط ١٩٣٤) ص ٤٤.
(٢) نشرت هذه الرواية المتعلقة بالطوائف، وهي لكاتب مجهول في نهاية الجزء الثالث من البيان المغرب. راجع منها ص ٣١١ و٣١٢.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وقطعه للسبل إلى آخر ما جاء في أقواله، مما سبق أن ذكرناه في موضعه من قبل (١).
وعلى أي حال فإنه يبدو أن البرزالي، كان زعيما قويًا، وافر الإقدام والعزم والشجاعة. وهذا ما يقرره لنا ابن الخطيب، إذ يصفه بأنه كان يلي باديس في جلالة الشأن، وقوة السلطان، " بقية أمراء البربر المسلطين في هذه الفتنة، وأعظمهم شأنًا في الدهاء والرجولة، وأبصرهم بتدبير العساكر، وأربطهم جأشًا على الخطوب المقلقة " (٢).
وقد رأينا من قبل كيف كان القاضي ابن عباد صاحب إشبيلية، يعتمد في البداية على محالفة البرزالي ضد خصومه، وكيف كان البرزالي من جانبه يرحب بهذه المحالفة، اتقاء لشر بني حمود وأطماعهم في إمارته. وكان من آثار هذا التحالف أن حارب البرزالي إلى جانب ابن عباد ضد بني الأفطس أصحاب بطليوس، في حملته ضد باجة سنة ٤٢١ هـ، وكان من آثاره أيضًا أن توجس يحيى ابن حمود المعتلي صاحب مالقة شرًا من مشاريع ابن عباد، فسار في قواته إلى قرمونة وانتزعها من يد البرزالي، فاستغاث البرزالي بحليفه ابن عباد، وبعث ابن عباد قواته مع ولده إسماعيل، ونشبت بينه وبين المعتلي معركة قتل فيها المعتلي، واستردت قرمونة وأعيدت إلى البرزالي، وذلك في المحرم سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٦ م).
ولكن ابن عباد كانت له نحو قرمونة مشاريع أخرى، فقد كانت قرمونة حصن إشبيلية من الشرق، وكان وجودها بيد هذا الزعيم البربري أمر لا يحتمل، ومن ثم فقد تحول ابن عباد فجأة إلى مخاصمة البرزالي، وسير إليه قواته فاستولت على إستجة، ثم استولت بعد ذلك على مدينة قرمونة، وعندئذ استغاث البرزالي، بزملائه البربر، وهرع إلى نصرته باديس صاحب غرناطة، وإدريس المتأيد صاحب مالقة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، انتهت بانتصار البربر وهزيمة الإشبيليين ومقتل أميرهم إسماعيل بن عباد، واسترداد قرمونة، وذلك في أوائل المحرم سنة ٤٣١ هـ (أواخر سنة ١٠٣٩ م).
وتوفي أبو عبد الله محمد البرزالي بعد ذلك بثلاثة أعوام سنة ٤٣٤ هـ (١٠٤٢ م) بعد أن حكم قرمونة وأعمالها ثلاثين عامًا.
_________________
(١) راجع ص ٣٦ من هذا الكتاب. وراجع البيان المغرب ص ٢٠٦.
(٢) أعمال الأعلام ص ٢٣٦.
[ ٢ / ١٥٠ ]
فخلفه والده الأكبر إسحق بن محمد، وهو في سن الكهولة. ويصفه ابن حيان بأنه كان رئيسًا حازمًا وافر الكفاية والبأس والفروسية، ولكن دون أبيه محمد في القسوة والفظاظة " وكلاهما على ذلك موصوف بالعفة والنزاهة، والبعد عن آفات الملوك الشائنة " (١). والظاهر أنه لم يحكم طويلا. بل إن صاحب الرواية الخاصة بالطوائف، التي سبقت الإشارة إليها، يغفل ذكره تمامًا، ويقول لنا إن الذي خلف أبا عبد الله البرزالي، هو ولده عزيز الملقب بالمستظهر وإن أخاه إسحق بايعه، وتم له الأمر (٢).
وسار المستظهر في حكمه سيرة حسنة، وبايعت له البلاد التي كانت تحت حكم أبيه، وساد الأمن والرخاء في أيامه، بيد أنه لم يلبث أن بدأ المعتضد بن عباد في مضايقته وإرهاقه بغزو أراضيه وانتساف زروعه، واستمرت المعارك بينهما أعوامًا، وهلك في ذلك النضال كثير من البربر، واضطربت الأحوال في مملكة قرمونة، وعندئذ بعث عزيز المستظهر إلى المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة، يعرض عليه أن يسلمه قرمونة، نكاية في ابن عباد، على أن يعوضه عنها ابن ذى النون قسمًا من أراضيه الجوفية، فقبل المأمون هذا العرض، وانتقل عزيز بأهله وأمواله إلى حصن المدور شمالي إستجة من أراضيه، وعاش هنالك حتى توفي. وفي أثناء ذلك وقعت المفاوضة بين ابن عباد، والمأمون، وتفاهما على أن ينزل المأمون للمعتضد عن قرمونة لقربها من أراضيه، وأن يتعاون الاثنان على افتتاح قرطبة، واستلم ابن عباد قرمونة ولكنه لم يف للمأمون بشىء من عهوده (٣).
وفي رواية أخرى، أن المستظهر اضطر في النهاية أن ينزل مباشرة عن قرمونة إلى ابن عباد، بعدما يئس من القدرة على الاحتفاظ بها، وأنه سار بأمان ابن عباد إلى إشبيلية، وهنالك توفي بعد قليل. وكان استيلاء ابن عباد على قرمونة في سنة ٤٥٩ هـ (١٠٦٧ م). وبذلك انتهت دولة بني برزال في هذا القطاع من المثلث الأندلسي، واختفت واحدة من الإمارات البربرية (٤).
_________________
(١) نقله أعمال الأعلام ص ٢٣٧.
(٢) ذيل البيان المغرب ج ٣ ص ٣١٢.
(٣) راجع أعمال الأعلام ص ٢٣٨.
(٤) راجع في أخبار مملكة قرمونة، أعمال الأعلام ص ٢٣٦ - ٢٣٨، وذيل البيان المغرب ص ٣١١ و٣١٢. وكذلك: P.y Vives: Historia de Los Reyes de Taifas ; p. ٢٣
[ ٢ / ١٥١ ]
٢ - دولة بني يفرن في رندة
وبنو يفرن هم أيضًا بطن من بطون زناتة، وكانوا بالمغرب من أولياء الدعوة الفاطمية، وقد اشتركوا في الحرب التي وقعت بالمغرب أيام المنصور بن أبي عامر، وقاتلهم زيري بن عطية أمير مغراوة وعامل المنصور على المغرب، حتى هزمهم بعد معارك هائلة، وهلك أميرهم يدُّو بن يعلي وذلك في سنة ٣٨٣ هـ. وعلى أثر ذلك افترقوا إلى شقين، وجنحت منهم شيعة إلى الانحياز إلى الدعوة المروانية، واستأذنوا المنصور في الجواز إلى الأندلس، فأذن لهم وخدموا في الدولة والجيش أسوة بباقي الوافدين من القبائل البربرية. ولما انتهت الدولة العامرية، واضطربت نار الفتنة، وتفرقت القبائل البربرية في النواحي، استقر بنو يفرن في ولاية تاكرونَّا، واتخذوا من قلعتها رندة مركزًا لرياستهم (١)، وكان زعيمهم يومئذ هو أبو نور هلال بن أبي قرة بن دوناس اليفرني. وكان زعيمًا " جسورًا جشعًا، مقدامًا، عزيز الجانب ببأس رجاله ووعورة رحاله، وحصانة قلاعه "، ولكنه كان في نفس الوقت عاطلا عن كل فضيلة وكل خلة حسنة. وبدأ هلال رياسته لمنطقة تاكرونَّا، حسبما يقول لنا صاحب الرواية المتعلقة بتاريخ الطوائف، عقب وفاة إدريس بن علي بن حمود في سنة ٤٣١ هـ (١٠٣٩ م) (٢)، وكانت تشمل أراضي ولاية ريُّه، ما بين نهر وادي لكه والبحر، وكانت قاعدتها رندة من أمنع معاقل الأندلس الجنوبية. وقد رأينا القاضي ابن عباد يخطب منذ البداية ود أولئك الأمراء البربر الذين يحتلون أراضي القطاع الأندلسي الجنوبي المتاخم لأراضيه. وجرى ولده المعتضد على سياسته في توثيق أواصر المودة معهم. بيد أن سياسة بني عباد، لم تكن تقوم في ذلك حسبما رأينا، على الصدق والولاء، وإنما كانت تقوم على الخديعة والمصانعة، وقد تجلت حقيقتها في حوادث مملكة قرمونة. وهكذا كان المعتضد يبدي مودته لأبى نور زعيم بني يفرن، وزملائه أمراء بني دمر أصحاب ولاية مورور، وبني خزرون أصحاب ولاية شذونة وأركش،
_________________
(١) نبذ تاريخية في تاريخ البربر ص ٤٥.
(٢) راجع ذيل البيان المغرب ج ٣ ص ٣١٢. ويقول صاحب الرواية إن هلالا قد بويع له بعد موت إدريس بن علي بن حمود سنة ست وأربعمائة وهو تحريف. فقد توفي إدريس سنة ٤٣١ هـ (١٠٣٩ م).
[ ٢ / ١٥٢ ]
وكان يستميلهم بالصلات والدعوات الودية. وفي سنة ٤٤٥ هـ (١٠٥٣ م) وجه المعتضد دعوته لأبى نور، ولمحمد بن نوح الدمري صاحب مورور، والقائم ابن محمد بن خزرون أمير بني أرنيان وصاحب شذونة وأركش، لزيارته في إشبيلية، فساروا إليه في صحبهم وفرسانهم في أحسن زي وأكمل هيئة. وكان المعتضد قد دبر كمينه لاغتيالهم حسبما فصلناه من قبل في أخبار مملكة بني عباد، وانتهت هذه الدعوة الغادرة بالقبض على أولئك الأمراء وصحبهم وتكبيلهم بالأغلال ثم هلاك اثنين منهم، وهما ابن نوح وابن خزرون، في الحمام، وأفلت منهم هلال أبو نور، حيث أطلق المعتضد سراحه وأخلى سبيله.
وفي خلال ذلك كان باديس ولد هلال أبي نور، قد قام بالرياسة في غيبته أثناء اعتقاله بإشبيلية، وكان " فاسقًا مجرمًا " فاستبد بالأمر، وأرهق الناس ببغيه وطغيانه، وأطلق العنان لشهواته الدنيئة، فاستباح الحرم وسطا على الأعراض هو وصحبه، فكانوا يأخذون الزوجات من أزواجهن، والبنات من آبائهن، ولم يفر حتى أقرب الناس إليه من خاصة محارمه. فلما تخلص أبو نور من الأسر، وعاد إلى رندة، وعلم بما وقع من ولده من العظائم، أمر في الحال بالقبض عليه وإعدامه وذلك في سنة ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م). انه لم تمض أشهر قلائل على ذلك حتى توفي أبو نور نفسه، وخلفه في الإمارة ولده أبو نصر فتوح بن أبي نور (١).
واستطال حكم أبى نصر زهاء ثمانية أعوام. وكان عادلا حسن السيرة. بيد أنه كان ميالا إلى الدعة منهمكًا في الشراب. وكان المعتضد بن عباد من جهة أخرى يتربص به ويترقب الفرصة لهلاكه، وانتهى بأن دس عليه رجلا من دعاته برندة يدعى ابن يعقوب، وكان فارسًا مقدامًا، فدهم أبا نصر ذات يوم في جماعة من صحبه، وهو في إحدى شرفات القصبة العليا، وصاحوا بشعار بني عباد، فحاول أبو نصر الفرار، ووثب من الشرفة فهوى إلى أسفل، فارتطم بالصخر وزهق على الأثر، ولم يأبه الناس لما حدث، ولم يتعرض للقتلة أحد، وانتهت بذلك دولة بني يفرن، واستولى ابن عباد على رندة وأعمالها بأيسر أمر، وكان ذلك في سنة ٤٥٧ هـ (١٠٦٥ م) (٢). ونظم المعتضد بهذه المناسبة قصيدته التي مطلعها:
لقد حصلت يا رندة فصرت لملكنا عقدة
_________________
(١) ذيل البيان المغرب ج ٣ ص ٣١٣.
(٢) ذيل البيان المغرب ج ٣ ص ٣١٣ و٣١٤.
[ ٢ / ١٥٣ ]
٣ - دولة بني دمّر في مورون
وكانت ثالثة الإمارات البربرية في تلك المنطقة من الأندلس الجنوبية، هي إمارة بني دمر في مورور أو مورون (١). وكانت تشغل رقعة صغيرة تمتد حول مدينة مورور، وجنوبًا حتى وادي لكه. وقام بها أيام الفتنة نوح بن أبي تزيري الدمّري زعيم بني دمّر. وقد كان بنو دمر من بربر تونس ومن بطون زناتة، وهم خوارج إباضية. وفد جدهم أبو تزيري إلى الأندلس أيام المنصور، وخدم كسائر زملائه الزعماء البرابرة في الجيش، وانحاز منذ أيام الفتنة إلى تلك المنطقة، واستقر بها وبسط عليها سلطانه. ولما توفي في سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٣ م) خلفه ولده نوح بن أبي تزيري، واستمر في حكمها زهاء ثلاثين عامًا، ثم توفي سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م) فخلفه ولده محمد بن نوح. وكان محمد فتى غرًا، وجنديًا جاهلا، خلوًا من الفضائل. بيد أنه كان مقدامًا جسورًا، " وافر العنف والفتك " (٢). وكان حديث عهد بالإمارة، فاستبد وبغى وتلقب بعز الدولة، واستطاع بجرأته وصرامته، أن يحافظ على سلطانه وعلى أراضيه. وكان المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية ينظر بعين السخط إلى قيام تلك الإمارات الصغيرة بجوار مملكته القوية الشاسعة، ويعمل الفكرة في إزالتها، وكان حسبما تقدم يصانع أولئك الأمراء البربر أحيانًا ويهاجمهم أحيانًا أخرى، وقد ذكر لنا صاحب الذخيرة أنه استغل هذه السياسة المزدوجة تجاه إمارة مورور الصغيرة، فأغارت قواته على أراضي مورور، واستقبل محمد بن نوح هذا العدوان بالحلم والصبر، ولم يقابله بمثله (٣). وجنح المعتضد بعد ذلك إلى مصانعة ابن نوح، واستمالته بالصلات والهدايا، كما فعل ذلك مع زميليه، أبى نور صاحب رندة، وعبدون بن خزرون صاحب أركش، ثم دعاهم وصحبهم كما تقدم إلى زيارته في إشبيلية، ثم قبض عليهم وغدر بهم، وهلك في ذلك الكمين الخائن الذي رتبه المعتضد في سنة ٤٤٥ هـ (١٠٥٣ م) محمد بن نوح وابن خزرون. وفي رواية أخرى أن محمدًا بن نوح لبث في
_________________
(١) وهي بالإسبانية Moron.
(٢) أعمال الأعلام ص ٢٣٩، وذيل البيان المغرب ج ٣ ص ٢٩٥.
(٣) نقله صاحب البيان المغرب ج ٣ ص ٢١٤.
[ ٢ / ١٥٤ ]
معتقل المعتضد حتى توفي في سنة ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م).
فخلفه في الإمارة ولده مناد بن محمد بن نوح، وتلقب بعماد الدولة، وسار على سنة أبيه من الصرامة والحزم، وقصده البربر من إشبيلية وإستجة وزادت جموعه، واستمر محافظًا على سلطانه، والمعتضد بن عباد يكرر الإغارة على أراضيه، ويحرق بلاده وزروعه، ويرهقه بطريقة قاسية منظمة. فلما ضاق بهذا العدوان المستمر، ولما شعر في النهاية أنه عاجز عن الدفاع عن إمارته، كتب إلى المعتضد، يسأله الأمان والمسالمة على أن يسلمه أراضيه، ويخرج إلى إشبيلية، يعيش فيها تحت كنفه، فأجابه المعتضد إلى رغبته، وسلم إليه عماد الدولة حصن مورور، وما يتبعه من حصون وأعمال، وذلك في سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م)، وانتهت بذلك مملكة بني دمّر الصغيرة، وأضيفت إلى أعمال مملكة إشبيلية الشاسعة.
وسار عماد الدولة إلى إشبيلية في أهله وأمواله، وبالغ المعتضد في إكرامه والتوسعة عليه، وعاش هناك حتى توفي في سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٥ م).
٤ - دولة بني خزرون في أركش
وكانت دولة بني خزرون هي رابعة الإمارات البربرية الصغيرة في تلك المنطقة. وبنو خزرون هم من أبناء قبيلة يرنيان أو إرنيان من زناتة، وكان زعيمهم أبو عبد الله محمد بن خزرون بن عبدون الخزري، وهو كغيره من زعماء البربر الوافدين على الأندلس أيام الدولة العامرية، قد ظهر أيام الفتنة بمدينة قلشانة بكورة شذونة على مقربة من أركش، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة.
ثم تغلب على مدينة أركش المنيعة، وأقام بها حكومة مستقلة تشمل الأنحاء المجاورة، وتلقب بعماد الدولة، وكان زعيمًا جسورًا مقدامًا، سفاكًا للدماء، فهابه الناس واستمر يحكم تلك المنطقة حتى توفي في سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م). فخلفه ولده عبدون ابن خزرون، وبايعته البلاد المجاورة لأركش وقلشانة وشريش، واستمر حكمه زهاء خمسة وعشرين عامًا، إلى أن هلك بإشبيلية في الكمين الشائن، الذي استدرجه إليه المعتضد بن عباد هو وزميلاه محمد بن نوح الدمري، وأبو نور بن أبي قرة، حسبما أشرنا إلى ذلك غير مرة، وكان ذلك في سنة ٤٤٥ هـ (١٠٥٣ م).
فتولى الأمر من بعده أخوه محمد بن خزرون وتلقب بالقائم، وأخذ يحصن بلاده، ويتأهب لمقاومة ابن عباد بعد الذي بدا من غدره. والواقع أن
[ ٢ / ١٥٥ ]
ابن عباد ما فتىء يترقب الفرصة للاستيلاء على هذه المنطقة التي تجاوره من الجنوب الشرقي، وتفصله عن إمارة رندة، وهي التي كان يطمح إلى أخذها في نفس الوقت، فعمد إلى الإغارة عليها، وتخريب أراضيها وإرهاقها بكل الوسائل وابتنى حصنًا على مقربة من أركش وشحنه بالمقاتلة لمضايقتها بطريقة منظمة، والقائم صامد يدافع عن أراضيه ما استطاع. وأخيرًا ألفى القائم أنه لا يستطيع مدافعة ابن عباد إلى النهاية، فلجأ إلى باديس بن حبوس أمير غرناطة، واتفق معه على أن يعطيه قلعة أركش وسائر البلاد التي تحت حكمه، على أن يعطيهم أرضًا من بلاده ينزلون بها ويقيمون فيها، وبعث باديس بقوة كبيرة من جنده ليعاونهم على الجلاء. وخرج بنو إرنيان من أركش بأهلهم وأموالهم، يقصدون إلى أرض غرناطة. وكان ابن عباد قد رتب الكمائن لاعتراضهم، فما كادوا يبتعدون بأحمالهم عن القلعة حتى خرجت كمائن ابن عباد، ونشب بين الفريقين قتال مرير، دافع فيه بنو إرنيان عن أنفسهم وعن أموالهم وحريمهم أشد دفاع، بيد أنهم مزقوا في النهاية، وقتل أميرهم محمد بن خزرون وقتل معه قائد جند باديس، وأبيد معظمهم. ومما يذكر أن محمدًا بن خزرون لما شعر بالهلاك أمر غلامه أن يقتل زوجته وكانت رائعة الحسن، وكذلك أخته، حتى لا تقعا في أيدي العدو، واكتفى ابن عباد بتمزيق بني إرنيان وترك فلولهم دون مطاردة، ودخل أركش واستولى على سائر البلاد التابعة لها، وذلك في سنة ٤٦١ هـ (١٠٦٨ م) (١) وهكذا سقطت الإمارات البربرية الصغيرة الأربع، التي تقع في منطقة المثلث الإسباني الجنوبي، وضمت كلها تباعًا إلى مملكة إشبيلية القوية، وذلك خلال أعوام قلائل فقط، رندة في سنة ٤٥٧ هـ، ومورور سنة ٤٥٨ هـ، وقرمونة سنة ٤٥٩ هـ، وأركش في سنة ٤٦١ هـ.
وأضحت مملكة إشبيلية، بعد الاستيلاء على تراث هذه الإمارات، تمتد من ولاية تدمير شرقًا، حتى المحيط الأطلنطي غربًا، ومن وسط الأندلس، من شرقي مملكة طليطلة، وغربي مملكة قرطبة شمالا، حتى أرض الفرنتيرة، وثغر الجزيرة جنوبًا، وإذا استثنينا مملكتي ألمرية وغرناطة، فإن مملكة إشبيلية كانت تضم معظم تراث الدولة الأموية الذاهبة في وسط الأندلس وفي جنوبها.
_________________
(١) راجع أعمال الأعلام ص ٢٣٩ و٢٤٠، والبيان المغرب ج ٤ ص ٢٧١ و٢٧٢ وذيله ج ٣ ص ٢٩٤ و٢٩٥.
[ ٢ / ١٥٦ ]