شرق الأندلس
ولاية بلنسية ومرسية. يحيى بن غانية. ندبه لحماية الشرق. أصله ونشأته. ولايته لشرقي الأندلس. مسيره في القوات المرابطية لإنجاد حصن أرنية. تقدمه نحو طليطلة. ما تقوله الرواية النصرانية عن انصراف المرابطين. الغزوات في غربي الأندلس. أخبار الجزائر الشرقية، ولاتها بعد الفتح المرابطي. وانور بن أبي بكر. محمد بن علي بن غانية. استقلاله بحكم الجزائر، وقيام دولة بني غانية بها.
- ١ -
كان شرقي الأندلس في عهد المرابطين، يشتمل بعد سقوط سرقسطة، على ولايتي بلنسية ومرسية، وكان يتبع بلنسية سائر الأراضي والقواعد الممتدة شمالا من شاطبة حتى الثغر الأعلى، ومن البحر غربًا حتى قونقة، ويتبع مرسية سائر الأراضي والقواعد الواقعة على ضفتي نهر شقورة، والممتدد جنوبًا حتى ولاية ألمرية.
وقد سبق أن أتينا على ذكر ولاة بلنسية ومرسية، منذ الفتح المرابطي حتى سقوط سرقسطة. وكان والي مرسية قبيل سقوط سرقسطة، الأمير أبو إسحق إبراهيم ابن يوسف بن تاشفين، أخو أمير المسلمين علي بن يوسف، وكان والي بلنسية أخوه الآخر الأمير أبو الطاهر تميم. وقد فصلنا في حديثنا عن سقوط سرقسطة، الدور الذي قام به الأمير تميم في حوادث الحصار، والدور الذي قام به أخوه إبراهيم في موقعة كتُندة المشئومة (٥١٤ هـ) وهو يومئذ والي إشبيلية.
وخلف الأمير إبراهيم في ولاية مرسية، أبو محمد يدّر بن ورقا، أو حسبما يسميه صاحب البيان المغرب محمد ين يوسف يدِّر، والظاهر أنه تولى في نفس الوقت ولاية بلنسية. ولما شعر يدِّر باشتداد وطأة الغزوات النصرانية، في شرقي الأندلس، طلب إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، أن يوجه إليه يحيى بن غانية لمعاونته، فاستجاب أمير المسلمين إلى طلبه، وبعث إليه بابن غانية، وكان ذلك في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م). ويقول لنا صاحب البيان المغرب إن ابن غانية،
[ ٣ / ١٤٨ ]
وفد عندئذ إلى شرقي الأندلس واليًا لمرسية (١). ولكن الظاهر أنه قدم إليه بصفة قائد للجيوش المرابطية، وأنه لم يتشح بثوب الولاية إلا فيما بعد، حينما توفي يدِّر في سنة ٥٣٤ هـ (٢).
وهو الأمير أبو زكريا يحيى بن علي بن غانية الصحراوي، الذي لعب فيما بعد في حوادث الأندلس في أواخر العهد المرابطي، أعظم دور، واضطلعت أسرته - بنو غانية - فيما بعد، في الجزائر الشرقية، وفي إفريقية، ضد الموحدين، بأخطر صراع. وقد سُمِّي بنو غانية، باسم أمهم غانية، وهي لمتونية من قرابة يوسف بن تاشفين، وربما كانت تسميتها بهذا الإسم دلالة على أصلها الإقليمي، أو بعبارة أخرى نسبة إلى بلاد غانة، وهي التي افتتحها المرابطون عند مطلع نهضتهم في مشارف الصحراء الكبرى. وتلقيب الولد باسم الأم دون الأب، من الأمور الذائعة في أسر لمتونة، خصوصًا متى كانت الأم تمتاز بصفاتها وخلالها العالية. ولدينا من ذلك أمثلة أخرى، مثل الأمير محمد بن عائشة، ولد يوسف ابن تاشفين، والقائد محمد بن فاطمة. وكان والد يحيى، علي بن يوسف، من زعماء قبيلة مسُّوفة أحد بطون صنهاجة. وربى يحيى وأخوه محمد، الذي ولي حكم الجزائر الشرقية فيما بعد، في بلاط مراكش، في عهد يوسف وولده علي، ثم عبر إلى الأندلس وهو فتى، وعاش في كنف الأمير أبى عبد الله محمد بن الحاج اللمتوني، والي قرطبة في أواخر عهد يوسف، وتزوج أمه غانية بعد وفاة أبيه على، فندبه لحكم مدينة إستجّة، فكانت أول ولاية أسندت إليه. ولما تولى علي بن يوسف الأمر بعد أبيه، عزل ابن الحاج عن ولاية قرطبة، لانضمامه إلى الخوارج عليه، المناصرين لابن أخيه يحيى بن أبى بكر والي فاس، وقد ذكرنا خبر خروجه في بداية حكم علي وفشل ثورته، فانفصل عندئذ يحيى بن غانية عن ابن الحاج وجماعته. ثم عفا عليٌّ عن ابن الحاج وغيره من القادة الموالين ليحيى، وعيّن ابن الحاج لولاية المغرب مكان أخيه أبى الطاهر تميم بن يوسف، الذي وُلِّي حكم الأندلس، ثم نُدب ابن الحاج بعد ذلك لولاية بلنسية، ومنها سار إلى سرقسطة، وقد فصلنا أخباره وغزواته فيما تقدم.
ولسنا نجد في الأعوام التالية، أثرًا لأخبار يحيى بن غانية، بين مختلف
_________________
(١) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص ٨١).
(٢) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال رقم ١٦٧٣ الغزيري) لوحة ٣٩١.
[ ٣ / ١٤٩ ]
الولاة، والظاهر أنه كان عندئذ ينتظم في قيادة الجيش، لما ظهر من فائق شجاعته وبراعته. ثم كان ندبه لولاية مرسية، أو لمعاونة واليها يدِّر في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م) حسبما تقدم. ومن ذلك الحين يلمع اسم يحيى في حوادث شبه الجزيرة لمعانًا شديدًا، فهو يقوم بقيادة الجيوش المرابطية في شرقي الأندلس بكفاية وبراعة، وهو يكرر الغزو لأراضي النصارى في أراجون وقطلونية، وقد كان له فيما يبدو دور ملحوظ في مقاومة قوات ألفونسو المحارب حينما اخترق شرقي الأندلس، في غزوته التي قام بها استجابة للنصارى المعاهدين (سنة ٥١٩ هـ) ومر فيها بأراضي بلنسية، واجتاز إلى جزيرة شُقْر، وقاتل أهلها أيامًا، ثم تحول إلى دانية، واتجه بعد ذلك صوب شاطبة ومرسية. وقاومه المسلمون أينما حل.
ولما توفي يدّر والي بلنسية ومرسية في سنة ٥٢٤ هـ، كما تقدم، ولّى يحيى علي شرقي الأندلس (١)، بيد أنه كان أكثر انشغالا بشئون الحرب والقيادة، وكان ينيب عنه في حكم بلنسية ومرسية أخاه لأمه، المنصور بن محمد بن الحاج. ولما حاصر ألفونسو المحارب إفراغة، هرع يحيى في قواته لإنجادها، مع من هرع إليها من ولاة الأندلس الآخرين. وقاد يحيى قوات الإنجاد في المعركة التي نشبت تحت أسوار إفراغة بشجاعته، براعته المأثورتين، فكانت الهزيمة الساحقة على النصارى في رمضان سنة ٥٢٨ هـ (يوليه سنة ١١٣٤ م) حسبما فصلنا ذلك في موضعه (٢).
ولبث يحيى بن غانية، بعد موقعة إفراغة، واليًا على شرقي الأندلس بضعة أعوام أخرى. وتقص علينا الرواية الإسلامية قصة غزوة أخرى، في الأراضي النصرانية، اشترك فيها ابن غانية. وخلاصتها أن القشتاليين ضربوا الحصار بقوات كثيفة، حول حصن " أرنبة " أو أرلبة (٣) الواقع شرقي طليطلة، على الحدود بين ولاية قونقة وقشتالة، وكان من أمنع الحصون الإسلامية في تلك المنطقة، وضيق النصارى على حامية الحصن، وقطعوا عنها الأقوات، فنهض والي قرطبة الأمير عبد الله بن أبى بكر، واستمد الأمير تاشفين، واستمد في نفس الوقت يحيى بن غانية والي مرسية وبلنسية، وهرعت القوات المرابطية، من قرطبة ومرسية ومن
_________________
(١) ولكن ابن عذارى يقول لنا إن الذي ولي على شرق الأندلس بعد وفاة يدر، هو ينتان بن علي اللمتوني (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص ٩١).
(٢) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة ٣٩١).وراجع Gaspar Remiro: Murcia Musulmana (Zaragoza ١٩٠٥) p. ١٥٢-١٥٤.
(٣) وهو الحصن الذي يسمى بالإسبانية حصن Oreja، أو حصن أورليا Aurelia.
[ ٣ / ١٥٠ ]
إشبيلية، واجتمعت تحت قيادة ابن غانية، وسارت مسرعة لإنجاد الحصن وإمداده بالمؤن. واستعد القشتاليون للقاء المسلمين بقوات جديدة. ويضع صاحب البيان المغرب تاريخ هذا الحصار في سنة ٥٢٥ هـ (١١٣٠ م) (١). ولكن الرواية النصرانية، تضعه بعد ذلك بعدة أعوام في سنة ١١٣٧ م. وليس هنالك في الرواية الإسلامية، ما يدل على أن موقعة حدثت في هذا الموطن بين المسلمين والنصارى. وكذلك فإن الرواية النصرانية، تقول لنا إن هذا اللقاء بين المسلمين والنصارى في أراضي طليطلة، انتهى إلى خاتمة تتسم بالفروسة. وذلك أن الجيش المرابطي، وقد كان وفقًا لأقوال هذه الرواية، يتكون من ثلاثين ألف فارس، سار من طريق طليطلة. وكان ملك قشتالة ألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس) قد عهد بحماية طليطلة إلى حامية قوية تشرف عليها زوجه الملكة برنجيلا، فلما وصل الجيش المرابطي إلى ظاهر أسوار طليطلة، خرجت الملكة برنجيلا إلى شرفة " القصر " العالي المطل على نهر التاجُه، وبدت للقادة المسلمين مع وصائفها، وقد ازدانت بأفخر الثياب والحلي، وبعثت إلى ابن غانية رسولها، يؤنبه بلسانها لأنه قدم لمهاجمة بلد تدافع عنه امرأة، في حين أن الإمبراطور ينتظرهم في جيشه عند حصن أرنبة (أوريخا)، فدهش ابن غانية وزملاؤه القواد المسلمون، واخذوا بذلك المنظر، ولم يسعهم إلا أن ينحنوا قبالة الملكة المطلة عليهم، تكريمًا لها وتعظيمًا، ثم استأنفوا سيرهم، دون أن يقوموا بأية محاولة. أما حامية حصن " أرنبة " فقد اضطرت في النهاية إلى التسليم (أكتوبر سنة ١١٣٧ م) ولكن سمح لها أن تخرج بالأمان وأن تسير إلى قلعة رباح (٢).
وهكذا يبدو مما تقدم، أنه لم تقع في شرقي الأندلس، في الفترة التي تلت سقوط سرقسطة، وموقعة كتُندة، حوادث خاصة بهذه المنطقة، سوى الغزوات المحلية العارضة، والتي لم تقدم إلينا الرواية عنها تفاصيل شافية، وقد كان شرقي الأندلس، يردد صدى الحوادث العامة في شبه الجزيرة ويشترك فيها، كما تشترك باقي الولايات الأندلسية، وقد كانت الجيوش المرابطية كلها، سواء في شرقي الأندلس أو غربه، تعمل دائمًا في حركات موحدة شاملة.
أما عن أخبار الغزوات في الناحية الأخرى من الأندلس، فإن الرواية
_________________
(١) البيان المغرب الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص ٩٤).
(٢) راجع: A. P. Ibars: Valencia Arabe (cit. Cronica Adefonsi Imperatoris) p. ٤٨١
[ ٣ / ١٥١ ]
الإسلامية تقدم إلينا بعض التفاصيل الموجزة، عن بعض الأحداث التي وقعت عقب مغادرة تاشفين بن علي لشبه الجزيرة. ومن ذلك أن الزبير بن عمر والي قرطبة، خرج في قواته غازيًا لأرض النصارى، وافتتح حصن مورة (سنة ٥٣٣ هـ). وفي نفس العام ردت قوات شنترين ويابرة عسكرًا من النصارى (البرتغاليين) حاول غزو الأراضي الإسلامية، وقتلت وأسرت منه جملة وافرة، واحتوت على أسلابه. وفي أواخر هذا العام غزا ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة أرض الأندلس، وحاصر حصن إربلية، فسارت قوات الأندلس من مختلف الأنحاء لرده وإنجاد الحصن، ولكنها تخلفت في الطريق، ثم عادت من حيث أتت، واضطر الحصن، بعد أن أرهق الحصار أهله إلى التسليم (١).
- ٢ -
تحدثنا فيما تقدم من أخبار أمير المسلمين علي بن يوسف، عما وقع في أوائل عهده من استرداده للجزائر الشرقية (جزائر البليار) من البيزيين والجنويين في أواخر سنة ٥٠٩ (١١١٦ م). ولما كانت الجزائر الشرقية، تلحق دائمًا بشرقي الأندلس، فإنه يجدر بنا أن نتناول هنا، طرفًا من أخبارها في تلك الفترة.
وقد ذكرنا عندئذ، أن أمير المسلمين عين لولاية الجزائر عقب استردادها، وانور بن أبي بكر اللمتوني (٢) بيد أنه يبدو من بعض الرسائل السلطانية المرابطية التي بين أيدينا، أنه قد سبقت ولاية وانور ولاية قصيرة الأمد للقائد أبى السداد والي دانية. ففي رسالة صادرة عن علي بن يوسف من حضرة مراكش، في الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة ٥١٠ هـ، أعني عقب استرداد الجزائر ببضعة أشهر، يشير أمير المسلمين إلى موت القائد أبى السداد والي ميورقة، ويسند ما كان تحت نظره إلى واليها الجديد، ويسدي إليه النصح بأن يحسن السيرة في أهل الجزيرة، وأن يسلك طريق الرفق والعدل والحق، وأن يستعمل الحزم في ضبط أحوالها، وأن يسعى في استرجاع من خرج من أهلها، وأن يستنيب من يرضاه في النظر على الأسطول والتخلص بثغر دانية، وأن يبذل جهده في
_________________
(١) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة ٨٢ ب).
(٢) هذه رواية ابن خلدون في كتاب العبر ج ٤ ص ١٦٥.
[ ٣ / ١٥٢ ]
استمالة الناس، وتهدئة روعهم ولاسيما بعد الذي " أحدثه السفيه المعتوه ابن أبي السداد من إيحاشهم وترويعهم " (١).
ويستفاد من هذه الرسالة أن القائد ابن أبي السداد، وقد كان واليًا لثغر دانية، حسبما تقدم ذكره، قد وُلي على ميورقة عقب استردادها في أواخر سنة ٥٠٩ هـ، وأنه توفي بعد قليل من ولايته، وأنه لم يحسن السيرة مع أهل الجزائر خلال ولايته القصيرة. وعلى أثر وفاته، قام أمير المسلمين علي بن يوسف باختيار خلف له. وبالرغم من أن اسم الوالي الجديد لم يرد في الرسالة، ولا في ديباجتها، فإنه يبدو من المرجح أنه لم يكن سوى وانور بن أبى بكر، وهو أول وال حقيقي، وليها عقب الاسترداد. أما إغفال أبى السداد في رواية ابن خلدون وغيره، فالظاهر أنه يرجع إلى قصر ولايته، التي لم تتجاوز بضعة أشهر.
ولبث وانور بن أبى بكر واليًا على الجزائر زهاء عشرة أعوام. وكان ظلومًا صارمًا، فعصف بأهل الجزائر واشتد في إرهاقهم. وكان من أهم أسباب سخطهم عليه " أنه أراد أن يرغمهم على ترك ثغر ميورقة، وإنشاء مدينة أخرى داخل الجزيرة "، تكون بعيدة عن البحر. وأخيرًا اضطرمت الجزيرة بالثورة وغلب الثوار على وانور. وقضبوا عليه ووضعوه في الأصفاد، وبعثوا إلى أمير المسلمين يشرحون أحوالهم وظلاماتهم، فاستجاب على إلى صريخهم، وعين واليًا جديدًا للجزائر، هو محمد بن علي بن غانية المسّوفي، أخى يحيى بن غانية الأصغر، وكان عندئذ يتولى النظر على بعض أعمال قرطبة، فقدم إلى الجزائر في سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، وأقر أهلها على ما فعلوه بواليهم السابق وانور، وبعثه مصفدًا إلى مراكش لينظر هنالك في أمره (٢).
وقد شاء القدر أن يكون تعيين محمد بن غانية لولاية الجزائر الشرقية، ممهدًا لتطور أحوالها، ودخولها في عهد جديد من تاريخها، وقيام دولة جديدة مستقلة بها هي دولة بني غانية. ذلك أن محمد بن غانية ضبط الجزائر، وحكمها بقوة وحزم، وطالت أيامه بها، حتى توفي أمير المسلمين علي بن يوسف
_________________
(١) وردت هذه الرسالة ضمن مجموعة من الرسائل المرابطية نشرت بمجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد بعناية الدكتور محمود مكي (العدد السادس) سنة ١٩٦١، ص ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) ابن خلدون ج ٤ ص ١٦٥، والمعجب للمراكشي ص ١٥١، ١٥٢. وراجع أيضًا: A. Campaner y Fuertes: Bosquejo Hist. de la Dominacion Islamita en las Islas Baleares ; p. ١٣٧ وكذلك: Alfred Bel: Les Benou Ghania (Paris ١٩٠٣) p. ٥ & ١٨
[ ٣ / ١٥٣ ]
(٥٣٧ هـ)، واضطربت أحوال الدولة المرابطية في المغرب، وقامت الثورة في أنحاء الأندلس على المرابطين، وولى أخوه يحيى بن غانية قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف في سنة ٥٣٨ هـ، وأخذ يخوض من ذلك التاريخ مع الثوار ومع النصارى، حروب ووقائع مستمرة، إلى أن توفي بغرناطة في سنة ٥٤٣ هـ. وفي خلال ذلك كان محمد بن غانية، يعمل في مركزه النائي على توطيد سلطانه بالجزائر والاستقلال بها لنفسه ولعقبه. ومع ذلك فقد لبث على ولائه للدولة المرابطية وزعامة لمتونة، واستمر يدعو في الخطبة لأمير المسلمين، ولبني العباس. وكان خلال اضطرام الفتنة بالأندلس يستقبل اللاجئين من فلول المرابطين بالجزائر، ويشملهم بحمايته ورعايته.
وليست لدينا تفاصيل شافية عن حوادث الجزائر في تلك الفترة. ويبدو أنها كانت تجوز عندئذ فترة استقرار وسلام، بعيدة عما تجيش به شبه الجزيرة من الحوادث والخطوب. وكان محمد بن غانية حينما شعر بتوطيد سلطانه، وتمكن استقلاله بحكم الجزائر، قد اختار لولاية عهده ولده الأكبر عبد الله. وهنا تختلف الرواية، فقيل إن عبد الله خلف أباه بعد وفاته على حكم الجزائر، ثم خلفه بعد وفاته أخوه الأصغر إسحاق. وقيل إن إسحاق حقد على أخيه عبد الله حينما عين لولاية العهد، ودبر مؤامرة قتل فيها أخوه وأبوه، وتولى هو على أثرها حكم الجزائر، وذلك في سنة ٥٥٠ هـ (١١٥٥ م) (١).
ونحن نقف في تتبع أحداث الجزائر الشرقية عند هذا الحد، لنستأنفه في فرصة أخرى في موضعه المناسب.
_________________
(١) المراكشي في المعجب ص ١٥٢، وابن خلدون ج ٦ ص ١٩٠، وكذلك: A. Bel Les Benou Ghania، p. ١٩
[ ٣ / ١٥٤ ]